رفضت اللجنة القانونية العليا في محافظة السويداء خارطة الحل التي أعلنتها وزارة الخارجية السورية، والمتمثلة في “اتفاق عمان” الثلاثي (سوري-أردني-أميركي) الذي جرى التوقيع عليه يوم الاثنين 16 أيلول/سبتمبر 2025. وجاء الرفض على خلفية غياب تمثيل حقيقي للمجتمع المحلي، حيث أشار أبناء المحافظة إلى عدم وجود ممثلين عن المجلس العسكري فيها، بينما عبّر آخرون عن عدم استشارة المرجعية الروحية المتمثلة بالشيخ حكمت الهجري.
وفي هذا الصدد، قال الصحفي رفعت الديك: “إنّ أبناء السويداء لم تُؤخذ آراؤهم في بنود الاتفاق، وأنهم غير ملزمين بتطبيقه لأنه لا يعكس تضحياتهم أو مستوى المأساة التي تعرّضت لها المحافظة”. وأضاف أن أي محاولة لرعاية مصالحة عبر طرف خارجي لن تُعطي نتائج ما لم يُمثّل الأطراف المختارون فعلياً أبناء السويداء. كما أن اختيار ممثلين عن المحافظة ممن طوّعتهم الحكومة لا يعكس إرادة غالبية سكانها. ومن جهة أخرى، أفاد مصدر مقرب من الشيخ الهجري بأن الأخير كان على علم بوجود خارطة طريق تُعَد، لكنه لم يكن طرفاً فيها ولم تتم استشارته أو إبلاغه بمضامينها.
اتفاق عمان: التزامات أحادية الجانب
جاء الاتفاق الثلاثي بعد جولات تفاوضية في عمان خلال تموز/يوليو وآب/أغسطس 2025، بهدف معالجة أزمة السويداء عبر خطوات تدريجية لبناء الثقة. وتضمنت أبرز التزامات حكومة دمشق: دعوة لجنة تحقيق دولية للتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين، وضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية والطبية بدعم دولي. إعادة الخدمات الأساسية وتأمين الطرق مع نشر قوات شرطية محلية بقيادة شخصيات من أبناء السويداء، و إطلاق مسار مصالحة مجتمعية شامل، ودعم إعادة الإعمار وتعويض المتضررين وكشف مصير المفقودين.

مع بند صريح عن تفاهمات أمنية مع إسرائيل تخص الجنوب، تؤكد السيادة السورية “شكليا” وتخدم الشواغل الأمنية المشروعة للطرفين. وبالتوازي مع هذا البند، أشار مسؤول حكومي إلى سحب أسلحة ثقيلة وتخفيض البصمة العسكرية السورية جنوب دمشق وعلى تخوم السويداء، في تماهي مع متطلبات التبريد الحدودي.
لكن يبقى اللافت في الاتفاق، هو كمية الالتزامات الحكومية دون وجود طرف محلي أو دولي يقدم التزامات مقابلة، بما يمكن وصفه بـ “سخاء حكومة دمشق خارجياً، وشدة تأثيرها داخلياً”. فحتى الدعم الأميركي–الأردني لم يتجاوز كونه دعماً فنياً وإنسانياً، دون التزامات سياسية أو قانونية راسخة. وهذا ما يفتح الباب لتساؤلات مشروعة: هل يُعاد إنتاج نموذج “التفاهمات/المصالحات” الذي يُفرض من الأعلى دون تمثيل حقيقي للمجتمعات المحلية؟ ولماذا تُقدم هذه التنازلات للدول الخارجية بينما تُرفض مطالب داخلية/محلية مشابهة، أو أدنى سقفا؟
تدويل الأزمات وإقصاء المحليين
يكرس الاتفاق نمطا متكررا في السياسة السورية: تدويل الأزمات الداخلية عبر بوابة الأمن الإقليمي، حيث يربط الأردن، وإسرائيل أيضا، أمن الجنوب السوري بأمنه الوطني، وتطرح واشنطن نفسها كضامن للمصالحة، بينما تُغيب الإرادة المحلية. وهنا تكمن المفارقة، ما يُمنح للأطراف الدولية من صلاحيات وتنازلات يتجاوز بكثير ما ترفض حكومة دمشق منحه للمجتمعات المحلية السورية.
حيث أن العديد من الالتزامات الواردة في الاتفاق، كفك الحصار عن المحافظة والمطالبة بتحقيق دولي وإعادة الخدمات ومحاسبة المعتدين وتمثيل محلي في المؤسسات، كانت مطالب مشروعة لأهالي السويداء منذ بداية التوترات، فيما لم تتجاوز المطالب المحلية قبلها سوى مشاركة فعلية في إدارة المحافظة وضبط الأمن المحلي. لكن تم تجاهلها سابقا، وتقديمها لاحقا تحت ضغط دولي، وهو ما يعكس خللا جوهريا في آليات صنع القرار في دمشق. ويطرح سؤالا جوهريا، هل حل الأزمات السورية يكمن بمنطق التفاوض مع الخارج أم بمنطق الاستجابة للمجتمع/المجتمعات المحلية؟
في توقيت حساس، جاءت زيارة غير معلنة لإبراهيم قالن، رئيس جهاز المخابرات التركي، إلى دمشق، التقى خلالها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ناقشا ملفات أمنية وسياسية واقتصادية، أبرزها مكافحة تنظيم “داعش” وأمن الحدود و “العودة الطوعية” للاجئين. كما تزامنت الزيارة مع حديث عن اتفاق أمني محتمل بين دمشق وتل أبيب بوساطة أميركية، حيث تلعب تركيا دورا في هذا الملف، خاصة مع قلق إسرائيل من انتشار القوات التركية في سوريا. وهو ما استدعى إنشاء خط اتصال مباشر بين أنقرة وتل أبيب لتجنب التصعيد العسكري في سوريا، بعد محادثات في باكو.
ووفقا لموقع “ألترا سوريا“، نقلا عن مسؤول سوري بارز، قد تدعم أنقرة تدعم “عملا عسكريا ضد قسد” إذا لم يُنفذ اتفاق آذار/مارس قبل نهاية العام. وهو اتفاق فضفاض، وحمال أوجه، يحّمل كلا من طرفيه للآخر مسؤولية عرقلة تنفيذ الاتفاق. حيث “ترفض تركيا” أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي في شمال شرق سوريا، وتعتبره تهديدا لأمنها القومي.
وفي موضوع متصل، نجحت الضغوط التركية على دمشق سابقا في إلغاء لقاء باريس المقرر عقده منتصف آب/أغسطس الماضي بين ممثلي حكومة دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وذلك بعد زيارة وزير الخارجية التركي، حقان فيدان إلى دمشق حينها، والتي جاءت في أعقاب أحداث السويداء الدامية وانعكاساتها على شمال شرق سوريا، من خلال رعاية قسد لمؤتمر “وحدة المواقف”، في مدينة الحسكة في الثامن من آب/أغسطس الماضي. ما يعكس تداخلا بين ملف السويداء ومستقبل المفاوضات الخاصة بشمال شرق سوريا.
لاحقا، وعبر دفع وتحفيز من أنقرة، بعد تأزيم الموقف جنوب سوريا، خلال أحداث السويداء الدامية والتدخل الإسرائيلي الصريح، أجرى وزيري الخارجية والدفاع السوريين زيارة إلى موسكو، لاستجرار دعم روسي مأمول يحد من المطالب المحلية الرافضة لمركزية الحكم السوري الجديد، حتى ولو كان الثمن منح قتلة الشعب السوري صك براءة مع امتيازات أخرى.
وقبلها، تم الإعلان عن اتفاق بين حكومة دمشق وإسرائيل برعاية أميركية لوقف إطلاق النار في محافظة السويداء السورية. ومن خلاله، فتحت حكومة دمشق لإسرائيل الباب رسميا لصياغة المشهد في جنوب سوريا، مع إقرار رسمي ضمني بإسرائيل كحام للدروز في سوريا.
رفض التدخلات الخارجية!!!
تُظهر دمشق مرونة غير مألوفة في منح “تفاهمات أمنية” مع إسرائيل تحت عنوان السيادة، حيث يشمل اتفاق عمان بندا صريحا حول “تفاهمات أمنية” تخدم “الشواغل الأمنية المشتركة”، مع سحب للأسلحة السورية الثقيلة العسكرية من جنوب سوريا. في المقابل، ترفض الحكومة السورية، وبدعم تركي، مطالب “قسد” باللامركزية الموسعة، رغم أن كلفة الترتيبات الداخلية السياسية أقل من كلفة التفاوض مع إسرائيل تحت مظلة دولية.
ومؤخرا تصاعد التوترات بين الجانبين، وسط تعثر جهود دمج “الإدارة الذاتية” لشمال شرق سوريا في الحكومة السورية الجديدة، تنفيذا لاتفاق العاشر من آذار/مارس الماضي. حيث أعلنت دمشق مطلع الشهر الحالي عن إحباط محاولة تهريب أسلحة إلى مناطق سيطرة “قسد”، والتي وصفها الإعلام الحكومي بـ “المليشيا”. مما يعكس اتساع الفجوة بين الطرفين بدلا من ردمها. كما يعكس عدم الاعتراف بشرعية “قسد”.
فيما يبقى المثير في اتفاق عمّان، تضارب في البنود الواردة خلاله. حيث نصت إحدى بنود الاتفاق على إنهاء التدخلات الخارجية في محافظة السويداء، إلا أنه مُشرعا بصورة غير مباشرة لتدخل القوى الإقليمية والدولية تحت غطاء “الرعاية” و”الدعم”. فالاتفاق الذي يُعلن في مكان ما احترام سيادة سوريا، يعود في أماكن أخرى ليؤسس لآليات تنفيذ تجعل من الأردن والولايات المتحدة طرفا رقابيا وفاعلا أساسيا في الشؤون الداخلية للمحافظة.
حيث ينص بشكل صريح على أدوار مثل، “سيدعو الأردن، بالتنسيق مع الحكومة السورية، ممثلين عن المجتمعات المحلية”، و”سيعمل الأردن والولايات المتحدة الأمريكية مع الحكومة السورية…”، فضلا عن “إنشاء آلية عمل ثلاثية (سوريا–الأردن–الولايات المتحدة) لمراقبة تطبيق خارطة الطريق”. وهو ما يكرس النفوذ الإقليمي والدولي في سوريا، ويطرح القضايا السورية الداخلية كسلع للمقايضات السياسية بين هذه القوى.
وهكذا، تبدو حكومة دمشق تمنح الفواعل الإقليمية والدولية، بما فيها إسرائيل، ما ترفض إعطاءه للمجتمعات المحلية السورية، حيث تُدار الملفات بمنطق التفاوض مع اللاعبين الإقليميين والدوليين، لا بمنطق الاستجابة لمطالب هذه المجتمعات المحلية وحقوقها المشروعة.

