طيّ صفحة الوصاية: دمشق وبيروت بداية ندّية بعد عقود

طيّ صفحة الوصاية دمشق وبيروت بداية ندّية بعد عقود
طيّ صفحة الوصاية دمشق وبيروت بداية ندّية بعد عقود

بعد عقود من علاقة مضطربة بين سوريا ولبنان، سيطرت عليها وصاية دمشق وتدخلاتها، تدخل العلاقات بين الجانبين مرحلة تحول تاريخي في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، حيث تشهد العاصمتان سلسلة من اللقاءات الدبلوماسية الرفيعة المستوى تهدف إلى طي صفحة الماضي وبناء علاقة جوار قائمة على الاحترام والندية. لكن الطريق إلى هذه العلاقة لا تبدو خالية من التحديات.

حيث تتطلب إعادة بناء العلاقات بينهما اعترافا صادقا بالماضي والتزاما بصياغة مستقبل أكثر توازنا وصحة، حسب صحيفة “النهار“. فسقوط نظام الأسد يتيح فرصة غير مسبوقة للدولتين لإعادة ضبط علاقتهما، ومعالجة عقود من الاحتلال والظلم وانعدام الثقة. ولتحقيق ذلك، يحتاج الطرفان إلى خطوات جريئة تعكس الشفافية والمساءلة.

فالعلاقة بين لبنان ونظام الأسد اتسمت بالتعقيد على مدى 50 عاما، من التدخل السوري في الحرب الأهلية اللبنانية إلى اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، وتاليا انسحاب الجيش السوري من لبنان. على ذلك، أثار سقوط نظام بشار الأسد ردود فعل متباينة في لبنان، حيث لاقى ترحيب من قبل بعض الأطراف، فيما تخوّف بعضها من المعارضة المسلحة، مع قلق البعض الآخر بشأن مصير “المقاومة” وفقدان طرق الإمداد.

على ذلك، بحث الرئيسان، السوري أحمد الشرع، واللبناني جوزف عون، خلال لقائهما على هامش اجتماع القمة العربية والإسلامية الطارئة في الدوحة سبل التعاون في ترسيم الحدود البحرية بين البلدين مع التأكيد على أهمية التنسيق بينهما لضمان الاستقرار على طول الحدود المشتركة. كما شدّد الرئيسان على متابعة ما تم بحثه سابقا بين وفدي بلديهما في بيروت، مع التركيز على أهمية التعاون القضائي لحسم ملفات الموقوفين وفق القوانين. مما يعكس رغبة الطرفين في إعادة بناء قنوات التواصل الرسمية بعد فترة من الجمود.

إرث الاغتيالات

رحّب عون سابقا برفع العقوبات عن سوريا، وأكّد دعم وحدة سوريا وسيادتها. فيما رعت السعودية اجتماعات وزراء الدفاع السوري واللبناني، ما يعكس دورا إقليميا في دفع العلاقة نحو الاستقرار الأمني أولا، ثم السياسي والاقتصادي. كما زار رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، ورئيس الوزراء الحالي نواف سلام، سوريا، فيما لم يجر الشرع أو وزير الخارجية السوري أي زيارة إلى بيروت.

الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع يستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في دمشق (أ ف ب)

قبلها، قام السياسي اللبناني وليد جنبلاط بزيارة رمزية إلى دمشق، الأولى من نوعها منذ سقوط الأسد، برفقة وفد درزي وبرلماني. التقى خلالها بالشرع وقدّم له مذكرة سياسية تتضمن: دعوة لإعادة صياغة الاتفاقات الثنائية بما يضمن حسن الجوار، ومعالجة ملف النازحين السوريين في لبنان، ومتابعة قضية اللبنانيين المفقودين والمخفيين قسرًا في سوريا، وضبط المعابر الحدودية ومنع التهريب، مع حسم هوية مزارع شبعا. فيما أكد الشرع أن سوريا الجديدة ستكون سندا للبنان، وتحترم سيادته واستقراره. كما دعا إلى محو الذاكرة السلبية للعلاقات السابقة، وبدء تاريخ جديد من التعاون الاستراتيجي.

هناك سبب رئيسي لتأخر تطور العلاقات بين سوريا ولبنان، حسب الصحفي والكاتب والمحلل السياسي السوري، فراس علاوي، نتيجة لإرث العلاقة السورية-اللبنانية بشكل عام. والذي يصفه علاوي خلال حديثه لـ”الحل نت” بأنه “إرث غير جيد” ما بين الطرفين، سواء لجهة التدخل السوري في لبنان بداية أو للتدخل اللبناني غير الرسمي في سوريا لاحقا. مما يوسع حالة عدم الثقة، لاسيما لدى الأطراف المؤيدة لنظام الأسد أو التي لا تزال واقعة تحت سيطرتها، مثل “حزب الله”، أو حتى “حركة أمل” أو بعض السياسيين اللبنانيين، الموجودين في البرلمان ولديهم أنصار في مفاصل الدولة اللبنانية، ولا يزالون حتى اللحظة يعيشون انتكاسة سقوط نظام الأسد.

كما أن النفوذ الايراني لا يزال موجود في لبنان، لكن بصورة غير رسمية، على الشخصيات وليس على المؤسسات، حيث خرجت مؤسستا الرئاسة ورئاسة الوزراء اللبنانية من دائرة النفوذ الإيراني، لكن لا يزال هناك نفوذ في مجلس النواب اللبناني، عبر بعض الشخصيات النيابية. منوها إلى أن تحديات العلاقة السليمة موجودة لدى لبنان بشكل أكبر، ومنها قوانين متعلقة بالسوريين، والموقوفين مع وجود شخصيات من نظام الأسد موجودة في لبنان، إضافة للأموال السورية المودعة في لبنان. وهي مشاكل كبرى تحتاج إلى حل. لذا يعتقد علاوي أن مستقبل العلاقة بين البلدين ستتجه نحو التهدئة، لكن على المدى الطويل وليس المتوسط أو القريب.

خلال اجتماعها الثاني في بيروت، ناقشت اللجنة القانونية-القضائية المشتركة مسودة أولى لاتفاقية التعاون القضائي بين البلدين، وتم تبادل لوائح الموقوفين السوريين في لبنان، لا سيما الذين أُوقفوا بتهمة الانتماء إلى فصائل معارضة لنظام الأسد. مع التأكيد على ضرورة معالجة سريعة لعدد من الحالات والإسراع في إنجاز مشروع اتفاقية تضع الأسس القانونية لمعالجة شاملة لقضية السجناء والموقوفين السوريين في لبنان.

لكن اللافت بالاجتماع، طلب غير مسبوق من الجانب اللبناني لتقديم معلومات حول اغتيالات طالت قيادات سياسية ودينية وعسكرية وأمنية وإعلامية لبنانية، يُشتبه بتورط النظام الأسد في ارتكابها. “طلبنا تزويدنا بكلّ ما تمتلكه الدولة السورية الجديدة برئاسة الرئيس أحمد الشرع من وثائق ومعلومات وأدلة عن هذه الاغتيالات التي شهدها لبنان، بدءاً من الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، وصولاً إلى حادثة اغتيال الباحث لقمان سليم، وقد أبدى الجانب السوري تجاوبه بهذا الخصوص”، قال مسؤول لبناني.  ويعتبر اللقاء نقطة تحول في العلاقات، إذ ناقش ملفات كانت محظورة سابقا في عهد نظام الأسد. بجانب قيامه على “الشفافية والثقة المتبادلة”، بهدف إعادة ترتيب العلاقة بما يخدم مصالح الطرفين.

ويمثل ملف المفقودون والمغيّبون اللبنانيون قسرا في السجون السورية ملفا شائكا للعلاقة بين البلدين، حسب موقع “لبنان 24”. حيث يأمل اللبنانيون بكشف السجون السرية وحسم الملف نهائيا. فيما يشير موقع “إرم نيوز” إلى أن علاقة البلدين سابقا كانت تُدار من قبل ضابط أمن سوري في بلدة عنجر، يُشبه بالمفوض السامي، يتحكم في القرار اللبناني. ومن يعارض “الوالي” كان يُقصى أو يُغتال، وأن لبنان كان يُعتبر تابعا لسوريا، سواء عبر الجيش أو عبر الحلفاء السياسيين.

خطوات ناقصة

تشمل الدعوة لإنشاء آلية قضائية مستقلة لكشف الحقائق حول الاغتيالات والانتهاكات، حسب صحيفة “النهار”، مصير المفقودين اللبنانيين في سوريا، ومحاسبة شخصيات سورية ولبنانية دعمت نظام الأسد، وتسليم مجرمي الحرب الهاربين إلى لبنان، مع التأكيد على ضرورة معالجة المظالم الاقتصادية، مثل استرداد الأموال السورية المنهوبة والمودعة في المصارف اللبنانية، والتحقيق في عمليات غسل الأموال المرتبطة بالنظام السابق. إلى جانب ذلك، يجب حلّ النزاعات طويلة الأمد مثل قضية مزارع شبعا، وإعادة تقييم الاتفاقيات السابقة، ومنها اتفاقية الصداقة والتعاون، لضمان العدالة للطرفين.

نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري مستقبلاً الوفد السوري في بيروت مطلع أيلول/سبتمبر 2025 – “إكس”

فيما تعدد مراكز بحثية مجالات التعاون بين سوريا ولبنان، ومنها عودة اللاجئين وفق خطة تدريجية، وإعادة الإعمار عبر مرافئ بيروت وطرابلس والطرق البرية، مع ترسيم الحدود البرية والبحرية وضبط المعابر، بجانب التنقيب عن الغاز والنفط في شرق البحر الأبيض المتوسط، وتنسيق دبلوماسي لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي. فالتعاون ممكن رغم اختلاف فلسفة الحكم، إذا تم اعتماد خطاب جديد ومراجعة صريحة للماضي، لاسيما بوجود فرص واعدة في التجارة، الطاقة، السياحة، الثقافة، والتعليم، وتقارب الجاليات اللبنانية والسورية في المهجر، ما قد يعزز الضغط لصالح سياسات أكثر تعاونا.

فمن الصعب فهم العلاقة بين سوريا ولبنان دون الأخذ بعين الاعتبار تاريخ البلدين، حسب لمى غندور، وهي باحثة وناشطة حقوقية لبنانية. صحيح إن الشرع قال بأحد تصريحاته إنه لن يحاسب الدولة اللبنانية على أفعال وجرائم “حزب الله” بسوريا، لكن تاريخ العلاقة البلدين لا تقتصر على دور الحزب ولبنان بالثورة السورية. “العلاقة بالأغلب كانت متوترة، والمصالحات لم تكن مبنية على أسس احترام كل دولة لسيادة الأخرى. ولا يمكن ننسى الوصاية السورية على لبنان خلال حكم نظام الأسد، أضافت غندور لـ”الحل نت”. لكن هناك عامل مهم جدا، هو إن البلدين يشهدان حاليا تغيير سياسي عميق، مرتبط بضعف النفوذ الإيراني بالبلدين، وبفك الارتباط الإيراني-السوري.

تردف غندور، الدولة اللبنانية عندها نية بإعادة بناء علاقات جديدة قائمة على احترام سيادة كل بلد للآخر، وهذا أيضا يُفهم من منهجية الشرع بسياسته الخارجية. لكن ما يطرح علامة الاستفهام، هو زيارة أعلى المسؤولين اللبنانيين إلى سوريا، بينما لحد الآن لم يبادر الشرع أو وزير خارجيته بزيارة لبنان. وهو أمر غير مبّشر بعلاقة ندية. مع ذلك، هناك تطور عملي بملف المعتقلين بالسجون اللبنانية، وهو ملف مهم لسوريا. إضافة إلى ملف اللاجئين وهو ملف بغاية الأهمية. “يبدو إن التنسيق والتفاهم بين البلدين فيهما بعيد عن الإشكالية لغاية الآن.

أما فيما يخص مستقبل العلاقات، تعتقد غندور أن البلدين يفتقدان لاستراتيجية واضحة للعلاقات (العسكرية، حماية الحدود، ترسيم الحدود، الاقتصادية، المالية…). وكل بلد منها يمرّ بمرحلة دقيقة متأثرة بتغيّر ملامح سياسات المنطقة كلها. وقد أقدما على خطوات إيجابية تجاه بعضهما، لكنها خطوات ناقصة، وكأن الحذر والترقب يحكم تطوّر تأسيس العلاقة. لكن الشكل الذي ستؤول إليه السياسة الداخلية في كل منهما على حدا، سيساهم بتأطير السياسة الخارجية ورسمها. لافتةً إلى أن العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي له وزن مهم في تأطير البلدين.

ملفات شائكة

يستضيف لبنان نحو 1.9 مليون لاجئ سوري، منهم 420 ألفا فرّوا بعد سقوط نظام الأسد، حسب مركز “ويلسون“. معتبرا السوريون عنصرا مهما في الزراعة وإعادة الإعمار في لبنان بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل. ومشيرا إلى المؤسسات الثنائية القديمة (مثل المجلس الأعلى السوري–اللبناني) باتت غير صالحة ويجب إعادة النظر فيها. كما يجب معالجة الملفات الحساسة بين البلدين، كملف اللاجئين السوريين، وترسيم الحدود، خاصة في مزارع شبعا، وضبط المعابر غير الشرعية والتهريب، والتعاون الأمني والاستخباراتي شبه الغائب حاليا.

الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، مع الرئيس اللبناني، العماد جوزاف عون في القاهرة

وتطالب دمشق بإطلاق سراح أكثر من 2000 معتقل، بينهم مدانين، تحت التهديد بتعليق التعاون الاقتصادي والأمني إذا لم تستجب بيروت، حسب “مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية“. منوها كذلك إلى ربط دمشق التقدم في ملف ترسيم الحدود، بما فيها الخلافات حول الحدود والموارد البحرية، بموقف سياسي واضح من بيروت بخصوص علاقات الجانبين، بينما تفضّل الأخيرة إطارا تقنيا لتجنّب التسييس.

هذا المشاكل أدت لتوتر علاقة الجانبين، والتي لم تحل بعد، حسب الصحفي السوري نورس يكن، نظرا لتاريخ طويل من التدخل السوري في الشؤون الداخلية اللبنانية. وعليه، فإن تحسين العلاقات بين البلدين يحتاج لإجراءات بناء ثقة، ولظروف مساعدة أيضا لحل الملفات العالقة، وأبرزها عودة اللاجئين السوريين وضبط وترسيم الحدود. منوها خلال حديثه لـ”الحل نت”، إلى أن الوضع بشكل نهائي في البلدين لم يستقر بعد للمضي قدما بتحسين العلاقات.

فالتحدي الأول لتطور علاقة الجارتين، هو استقرار الوضع الداخلي في كلا البلدين. حكومة دمشق لم تستطع بعد ضبط البلاد ولم تنهي مفاوضاتها مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) كما فشلت في السويداء. 

على الجانب الآخر، لا تزال الحكومة اللبنانية عاجزة عن حل ملف سلاح “حزب الله”، وهو العقبة الرئيسية في انتقال لبنان إلى مرحلة جديدة. مشيرا إلى أن تجاوز التحديات الداخلية ليس بالضرورة أن يفضي إلى نتائج إيجابية تخدم مصالح كل بلد على حدا أو تخدم العلاقات الثنائية. إلا أنه ليس لدى البلدين حل إلا الوصول علاقة صحية، وهذا ممكن بشروط من أهمها توقف السوريين عن التدخل في الشؤون اللبنانية، لكن من المبكر التنبؤ بشكل العلاقة في وقت لا يزال شكل المنطقة برمتها غير واضح.

ووفقا لـ “مجلس الشرق الأوسط”، يفتقد لبنان لرؤية وطنية مستقلة، مما يُضعف موقف بيروت التفاوضي ويجعلها رد فعل بدل أن تكون طرفا فاعلا. كما تضعه الضغوط الإسرائيلية والغربية والعربية أمام خيارات صعبة، خاصة في ظل هشاشة مؤسساته. لذا، المطلوب من بيروت: مبادرة جريئة، رؤية سيادية، وخريطة طريق للتعامل مع دمشق الجديدة. كما يجب على دمشق احترام سيادة لبنان، وتدرّج في تجاوز إرث الوصاية والصراع. فالعلاقة بين الجانبين قد تتحول من ساحة تصفية حسابات إلى منصة حوار إقليمي، إذا توفرت الإرادة السياسية.

عمار جلو

عمار جلو

كاتب سوري مهتم بشؤون إيران والجماعات الجهادية

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم