في خضم الجدل الدائر حول الارتفاع القياسي في أسعار الذهب عالميًا وتداعياته على الاقتصادات النامية، أثار المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد لدى “وزارة الاقتصاد والصناعة”، جورج خزام، تساؤلات حول الآثار المترتبة على ارتفاع الأسعار العالمية للذهب على المشهد الاقتصادي المحلي في سوريا.
وقفزت أسعار الذهب في سوريا بنحو 1.5 بالمئة بدعم ارتفاع سعر “المعدن الأصفر” عالميًا مسجلًا مستويات قياسية جديدة، ليتجاوز سعر غرام الذهب عيار 21 نحو 1.4 مليون ليرة سورية (حوالي 113 دولارًا).
ضعف الإنتاج يعزل الاقتصاد السوري
طرح خزام، رؤية مغايرة للمألوف، اعتبر فيها أن الاقتصاد السوري، المنهك أصلًا، لن يتأثر فعليًا بهذا الارتفاع، مفسرًا ذلك بضعف الروابط البنيوية بين حركة الذهب العالمية ومفاصل الإنتاج المحلي شبه المتوقفة.
وشرح أن التأثير الاقتصادي الحقيقي لأسعار الذهب لا يُقاس بقيمته السوقية، بل بمدى انحراف رأس المال المحلي عن النشاط الإنتاجي نحو الادخار بالمعدن النفيس، وهو ما يعني عمليًا تقلصًا في معدلات التصنيع والتشغيل.

غير أن هذا المنطق، وفق خزام، عبر منشور له على فيسبوك، لا ينطبق على الحالة السورية، إذ إن القاعدة الإنتاجية الوطنية محدودة إلى حدٍ كبير، وتعتمد البلاد على المستوردات في معظم احتياجاتها، ما يجعل أي تحرك في أسعار الذهب، صعودًا أو هبوطًا، بلا أثر ملموس على مجمل النشاط الاقتصادي.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الذهب قد يدفع بعض المواطنين إلى استبدال مدخراتهم من الدولار بالمعدن الأصفر، إلا أن ذلك لن يؤدي إلى انخفاض سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، لأن الطلب على العملة الأميركية يبقى مرتفعًا بدافع الاستيراد، سواء لاستقدام الذهب نفسه أو لتغطية احتياجات السوق من السلع المستوردة التي حلت محل المنتج الوطني.
الليرة خارج معادلة الذهب والدولار
بهذا المعنى، يرى خزام أن أي تحوّل في نمط الادخار الفردي لن ينعكس على قيمة العملة المحلية أو على حركة السيولة في السوق.
العلاقة بين الذهب والدولار معروفة تقليديًا بأنها عكسية؛ فارتفاع أسعار الذهب يعني تراجع القوة الشرائية للدولار عالميًا، غير أن هذه القاعدة، بحسبه، لا تنطبق على الحالة السورية، لأن الليرة فقدت أكثر من 99.5 بالمئة من قيمتها منذ عام 2011، ولم تعد أي تغيرات في الأسواق العالمية قادرة على التأثير في مسارها المتدهور.
المستشار التنفيذي لشؤون السيولة والنقد لدى “وزارة الاقتصاد والصناعة”، جورج خزام
ويحدد مصرف سوريا المركزي، سعر الصرف في نشرته عند مستوى 11,000 ليرة سورية للدولار الواحد، بينما ارتفع سعره في السوق السوداء ليصل إلى 11.500 ليرة للشراء، و 11.550 ليرة للمبيع.
اقتصاد لا يستجيب لقوانين السوق
بيّن خزام، أن القوة الشرائية لليرة باتت رهينة لعوامل داخلية مركبة، من ضعف الإنتاج وتآكل الاحتياطي النقدي، إلى عجز السياسات المالية عن ضبط السوق أو استعادة الثقة بها كوسيلة ادخار.

ويرى أن استمرار ارتفاع الدولار أمام الليرة أمر حتمي، بغضّ النظر عن تقلبات الذهب أو الأزمات المالية الدولية، لأن بنية الاقتصاد السوري لا تستجيب للقوانين الاقتصادية الطبيعية بعد سنوات الحرب والعقوبات والانكماش، مشيرًا إلى أن المشكلة لم تعد في سعر الذهب أو في سعر الدولار، بل في غياب منظومة إنتاج حقيقية تعيد التوازن بين العرض والطلب وتحد من الحاجة إلى النقد الأجنبي.
وفي خلاصة تشبيهه اللافت، يقول خزام إن “العاصفة تقتلع الأشجار الكبيرة ولا تقتلع الحشائش الصغيرة”، في إشارة رمزية إلى أن الأزمات الاقتصادية العالمية، مهما كانت قاسية، سيكون أثرها محدودًا على اقتصاد كالسوري، الذي يعيش في حالة طوارئ اقتصادية مزمنة تجعله خارج نطاق التأثر المباشر بالأحداث الدولية، موضحًا أنه حين تكون بنية الاقتصاد منهكة إلى هذا الحد، يصبح التغير في أسعار الذهب مجرد تفصيل في مشهد أكبر من الانهيار العام.
خطة شاملة لإعادة تنظيم سوق الذهب
في سياق موازٍ، أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية، الخميس، عن بدء العمل على إعادة النظر في نظام استيراد وتصدير الذهب، وتعديل القانون رقم 34 لعام 2023، بالتنسيق مع الجهات الرسمية وهيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك في إطار استراتيجية شاملة لتطوير قطاع المعادن الثمينة في سورية.
وتهدف هذه الخطوة إلى تحرير تجارة الذهب بشكل منظم ومدروس، وإنشاء سوق وطنية شفافة لتداول المعدن النفيس، مع إطلاق نظام ترخيص خاص بالمصافي الوطنية يضمن الالتزام بالمعايير الدولية الفنية والبيئية، ويعزز من ثقة المستثمرين المحليين والأجانب بهذا القطاع.
أكد الحصرية أن مصرف سوريا المركزي قرر إعادة هيكلة نظام استيراد وتصدير الذهب بما يتيح حرية أكبر في التعامل التجاري، لكن ضمن إطار من الرقابة القانونية والشفافية المالية.
وتتضمن الخطة وضع نظام لترخيص مصافي الذهب الوطنية، بحيث تُمنح التراخيص وفق ضوابط محددة تشمل الالتزام بالمعايير الفنية، والتدقيق البيئي، والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
كما أشار الحصرية إلى أن المصرف المركزي سيشرف بشكل مباشر على تطبيق هذه الخطة من خلال سجل وطني إلكتروني لتتبع الذهب، يتيح تتبع حركة المعدن من لحظة استيراده أو إنتاجه وحتى تصديره، مما يضمن الشفافية والمساءلة في جميع مراحل سلسلة الإمداد.
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل
- پرونده قضایی برای مسابقه دو زنان در تهران؛ چالش ادامهدار پوشش اختیاری

