أقر مجلس الشيوخ الأميركي، في خطوة غير مسبوقة ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني، مادة تقضي بإلغاء قانون قيصر للعقوبات المفروضة على سوريا، مما يمثل تحولًا جذريًا في نهج واشنطن تجاه دمشق.
وفي حين رحبت الحكومة السورية الجديدة بالقرار ووصفته بـ”الخطوة التاريخية” نحو التعافي، يحذر خبراء اقتصاديون من أن التطبيق غير المدروس للإلغاء قد يهدد ما تبقى من الصناعة الوطنية المنهكة.
فرحة حذرة في دمشق
أعلن النائب الجمهوري جو ويلسون، الذي دفع بالتشريع، أن مجلس الشيوخ صوّت لصالح إلغاء القانون الذي كان يهدف لمعاقبة “نظام لم يعد قائمًا لحسن الحظ”، مشددًا على أن الإلغاء الشامل للقانون يعتمد الآن على إتمام الخطوات الدستورية المتبقية.
وتتمثل هذه الخطوات في مواءمة نص القانون مع مجلس النواب، ثم توقيع الرئيس الأميركي على الموازنة النهائية ليدخل الإلغاء حيز التنفيذ قبل نهاية العام، الأمر الذي يضفي على الاحتفاء الرسمي في دمشق طابعًا من الحذر المشروط.

على الصعيد السوري، سارع وزير الخارجية، أسعد الشيباني، إلى الترحيب بالقرار عبر منصة “إكس”، معتبرًا إلغاء القانون “خطوة تعيد لسوريا أنفاسها الأولى”، وتفتح طريقًا للبناء والتعافي بعد أن كان “قيصر” أحد أثقل الأعباء التي كبلت الاقتصاد.
من جانبه، وصف وزير المالية، محمد يسر برنية، تصويت مجلس الشيوخ بـ”النجاح للدبلوماسية السورية” في التخلص من أشد العقوبات الأميركية التي استهدفت قطاعات حيوية كالطاقة والبنية التحتية والمصارف. وأشار الوزير إلى أن تضمين المادة في موازنة الدفاع سيمنح القرار حصانة نسبية، إذ سيتطلب إحياء القانون مستقبلًا “إجراءات طويلة ومهلًا زمنية” غير ملزمة للكونغرس، مما يوفر بيئة استقرار تشريعي موقتة للاستثمار.
تحذير من فوضى اقتصادية مرتقبة
في ضوء هذا المشهد السياسي، يبرز السؤال الاقتصادي الأهم، ما الذي يعنيه إلغاء قانون قيصر فعليًا لاقتصاد سوريا المنهك؟، فعلى الرغم من أن إدارة الرئيس الأميركي صدّرت مرسومًا ألغى معظم العقوبات المفروضة على سوريا اعتبارًا من 1 تموز/ يوليو 2025، مع استثناءات موجهة ضد شخصيات حكومية متورطة في انتهاكات وكيانات متهمة بدعم الإرهاب أو التهريب أو الترويج للمخدرات، فإن إلغاء القانون التشريعي سيمنح درجة إضافية من اليقين للمستثمرين الأجانب والدوليين.
رغم التفاؤل الرسمي، تصاعدت التحذيرات الاقتصادية بشأن التداعيات السلبية المحتملة لـ “الصدمة التجارية” التي سيحدثها رفع العقوبات.
في هذا السياق، قال مستشار وزير الاقتصاد والصناعة، الخبير الاقتصادي جورج خزام، إن رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا يمثل خطوة مفصلية في مسار إنعاش الاقتصاد الوطني وتحفيز عجلة الإنتاج، لكنه شدد في المقابل على أن التطبيق الخاطئ لهذا القرار قد تكون له آثار مدمّرة تفوق في خطورتها ما سببته العقوبات ذاتها، مشيرًا إلى أن سوء إدارة مرحلة ما بعد رفع العقوبات قد يعيد تكرار أخطاء الانتقال المفاجئ وغير المدروس إلى اقتصاد السوق بعد التحرير السياسي.
الأسواق السورية أمام اختبار المنافسة
أوضح خزام، في منشور له عبر “فيسبوك”، أن رفع العقوبات سيفتح الباب واسعًا أمام دخول بضائع مستوردة من دول كانت تقاطع السوق السورية، وفي مقدمتها الدول الأوروبية، ما سيؤدي إلى إغراق الأسواق بمنتجات بديلة عن السلع المحلية، في وقت تعاني فيه الصناعة الوطنية من ضعف هيكلي واضح، وعدم جاهزيتها للمنافسة في بيئة اقتصادية مفتوحة.
يعاني الاقتصاد السوري منذ سنوات من خروقات شاملة في مؤشرات الصادرات والإنتاج، فصادرات البلاد تآكلت من حوالي 18.4 مليار دولار في 2010 إلى نحو 1.8 مليار دولار في عام 2021، وفق بيانات البنك الدولي.
وبيّن أن المصانع السورية في وضعها الحالي غير مؤهلة لتصنيع منتجات معدة للتصدير، نظرًا لارتفاع تكاليف الإنتاج وتقادم الآلات والتكنولوجيا المستخدمة، وهو ما يجعلها عاجزة عن منافسة السلع الأجنبية من حيث الجودة والسعر.
الاستثمار الخارجي بين التريث والحذر
أضاف خزام، أن المستثمرين الأوروبيين وغيرهم لن يبادروا إلى إنشاء مصانع في سوريا قبل إجراء دراسات جدوى تفصيلية وشاملة، تقارن بين أرباح التصنيع داخل البلاد وتكاليف تصدير البضائع الجاهزة إليها، مؤكدًا أن رؤوس الأموال لا تتحرك بدوافع سياسية أو عاطفية، بل وفق حسابات اقتصادية دقيقة، وأن أي استثمار يحتاج إلى بيئة قانونية ومصرفية مستقرة، وإلى ضمانات واقعية لتحقيق عائدات مجزية.
في هذا السياق، دعا خزام الحكومة إلى تبني سياسة مالية واقتصادية أكثر توازنًا، تقوم على إلزام المستوردين للبضائع الكمالية أو البديلة عن المنتج الوطني بتمويل مستورداتهم حصرًا من عائدات الدولار الناتجة عن التصدير، بحيث تُحصر عمليات تمويل الاستيراد ضمن دائرة الموارد الحقيقية المتولدة من الإنتاج المحلي.
واعتبر أن هذا الإجراء من شأنه أن يحدّ من الضغط على سوق الصرف، ويعزز تنافسية الصناعة الوطنية، ويدفع نحو زيادة الإنتاج بدلًا من الاعتماد على الاستيراد المفتوح، مؤكدًا أن حماية الصناعة المحلية يجب أن تكون أولوية في أي خطة اقتصادية لما بعد رفع العقوبات.
عقبات سياسية في الطريق
شدد خزام في ختام تصريحه على أن رفع العقوبات لا يجب أن يُقرأ بوصفه نهاية للأزمة الاقتصادية، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب إدارة رشيدة وحذرة، لأن النجاح في استثمار هذا التحول يعتمد على مدى قدرة الحكومة على حماية الإنتاج الوطني وتنظيم الانفتاح التجاري بما يضمن مصلحة الاقتصاد السوري على المدى الطويل.

يشار إلى أن اقتراح إلغاء قانون قيصر أُدرج في مشروع ميزانية وزارة الدفاع كجزء من “القسم 5259″، بيد أن اللجنة المختصة في مجلس النواب الأميركية رفضت حتى الآن تعديل الموازنة بهذا الاتجاه، ما يدل على أن الطريق لا يزال محفوفًا بالتحديات السياسية.
كما أن السناتوران جيان شاهين (ديمقراطية) واند بول (جمهوري) قد قدما تشريعًا لإلغاء القانون مع الحفاظ على أدوات مساءلة ضد المسؤولين السوريين.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

