“السويداء منا وفينا”.. حملة تبرعات أم حملة تلميع لسياسات الحصار والمجازر؟

"السويداء منا وفينا".. حملة تبرعات أم حملة تلميع لسياسات الحصار والمجازر؟

شهدت قرية الصورة الكبرى بريف السويداء -الخالية من سكانها-، مساء الأحد، انطلاق حملة “السويداء منا وفينا” التي أعلنتها الحكومة السورية الانتقالية لجمع التبرعات لإعادة إعمار المحافظة، وسط حضور رسمي وإعلامي مكثف، وتغطية مباشرة من قنوات الدولة.

لكن ما رُوّج له كحدث خيري وتنموي أثار موجة واسعة من الجدل، وفتح الباب أمام اتهامات للحكومة بمحاولة “تجميل” صورتها بعد 3 أشهر من المجازر والدمار، والحصار المستمر الذي تشهده المحافظة.

حملة “السويداء منا وفينا”

انطلقت فعاليات الحملة عند الساعة السابعة مساء بتوقيت دمشق، بحضور وزراء في الحكومة ورجال أعمال وممثلين عن منظمات المجتمع المدني.

محافظ السويداء مصطفى البكور أعلن في تصريح صحفي أن الحملة تهدف إلى “إعادة تأهيل البنية التحتية للمحافظة وتحسين الواقع الخدمي والمعيشي”، مشيراً إلى أنها ستشمل ترميم 50 مدرسة و35 مسجداً و50 دار عبادة للطائفة الدرزية و15 كنيسة، إضافة إلى آبار مياه ومراكز ثقافية وإنارة للشوارع العامة.

ووفق ما بثّته قناة “الإخبارية” السورية، فقد جمعت الحملة أكثر من 14مليونا و633 ألف دولار أميركي، وكانت أعلى التبرعات مقدّمة من الهلال الأحمر السوري (2.5 مليون دولار)، تلاه وزارة الطاقة (1.6 مليون)، ثم اتحاد غرف التجارة السورية (1.1 مليون)، والدفاع المدني السوري (مليون دولار)، ومؤسسة الآغا خان (مليون دولار)، وقطر الخيرية (820 ألف دولار).

شهدت الحملة حضورا لافتا لوزراء الإعلام والثقافة والطوارئ والصحة، إضافة إلى مستشار رئاسة الجمهورية أحمد موفق زيدان ومحافظي السويداء ودرعا.

وقدّم المسؤولون كلمات أشادوا فيها بـ”صمود أهالي السويداء وتلاحمهم الوطني”، مؤكدين أن هذه المبادرة تعبّر عن “تضامن السوريين في وجه التحديات”.

لكن هذا المشهد، الذي بدا منضبطا في صور التلفزيون الرسمي، كان خارج الشاشات مادة لاشتباك حاد بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها.

انتقادات حادة من صحفيين وناشطين

الصحفية السورية هدى أبو نبوت هاجمت الحملة في منشور لها عبر صفحتها في “فيسبوك” لاقى انتشارا واسعا، واعتبرتها محاولة من محافظ السويداء لـ”طمس آثار الجريمة التي ارتكبتها القوات الأمنية وفزعة العشائر”.

كتبت تقول: “في إنسان عاقل يطلق حملة تبرع للسلم الأهلي وهناك أكثر من 34 قرية مهجرة من أهلها، 150 ألفا بعد سرقة وتعفيش وحرق منازلهم وأرزاقهم؟ يريد أن يرمم مدارس القرى والأطفال المهجرين ينامون في مدارس السويداء كمراكز إيواء؟ يريد أن يرمم المنازل وأهلها مطرودين منها؟”.

ورأت أبو نبوت أن إطلاق حملة بهذا الشكل وفي هذا التوقيت “يزيد الحقد والكره، ويرفع سدا بين الناس”، ووصفتها بأنها “أول حملة للسلم الأهلي تزرع الانقسام بدل المصالحة”.

في حين قارن الصحفي محمد السلوم بين ما جرى في السويداء وما حدث في إدلب عام 2024، عندما احتفل نظام الأسد بإعادة افتتاح ساحة حافظ الأسد في خان شيخون بعد تهجير سكانها.

اليوم يُعاد المشهد نفسه في السويداء. سواء كنت مؤيدا أو معارضا، ترى الهجري قائدا أو خائنا، فيجب ألا نختلف أن إقامة حملة تبرعات في منطقة أهلها مهجرون والاحتفاء بها على أنها تعافٍ هو تكرار لما فعله نظام الأسد بالعقلية ذاتها.

الصحفي محمد السلوم

كلمات السلوم وجدت صدى لدى كثيرين رأوا في الحملة تكرارا لسياسات “الإعمار فوق الركام”، حيث يتم عرض مشاريع التنمية كدليل على الاستقرار بينما يستمر النزوح والحرمان في الواقع.

أما الصحفي نجم الدين النجم فقد وصف التغطية الإعلامية الرسمية للحملة بأنها “غارقة بالتحريض الطائفي والمقزّز”، قائلا إن منشورات وبثّ “سانا” و”الإخبارية” امتلأت بتعليقات مسيئة وتهديدات من أنصار الحكومة أنفسهم.

وكتب النجم عبر صفحته: “أُطلقت الحملة في بلدة الصورة الخالية من سكانها للدعاية والتقليل من النتائج الكارثية لسياسة المجازر الطائفية والحصار، لكن أنصارها أفشلوا الدعاية وملأوا التغطية بمقصّاتهم وشتائمهم.”

بين المساعدات والدعاية

من وجهة نظر مراقبين، فإن توقيت الحملة يحمل رمزية سياسية أكثر من كونه خطوة إغاثية. فالمحافظة ما تزال تعيش توترات أمنية، وقرى عدة في ريفها الجنوبي مهجرة بالكامل، فيما لم تنتهِ بعد عمليات البحث عن المفقودين ودفن الضحايا.

ويرى هؤلاء أن الرسالة الموجهة من دمشق تهدف إلى إظهار “قدرتها على إعادة ضبط الجنوب السوري” من خلال مشاهد الوحدة الوطنية والمشاريع التنموية، في وقت تتعرض فيه الحكومة لضغوط داخلية وخارجية بسبب أحداث السويداء.

وسواء كانت “السويداء منا وفينا” مبادرة إنسانية خالصة أو جزءا من حملة علاقات عامة لتبييض سياسات الحكومة، تبقى المفارقة أن التبرعات تُجمع في قرية خالية من سكانها، والاحتفالات تُبث من فوق أرض ما تزال تحمل رائحة الموت.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم