شهدت جلسة “الكونغرس” الأميركي، مساء الثلاثاء الفائت، مواجهة دبلوماسية مفتوحة حول مستقبل سوريا، حيث عقدت لجنة الشؤون الخارجية جلسة استماع بعنوان “سوريا أمام مفترق طرق”. فبعد 14 شهراً من سقوط نظام بشار الأسد، وضع المشرّعون الأميركيون حكومة أحمد الشرع الانتقالية أمام تساؤلات جديدة حول مستقبل البلاد، ولا سيما الأقليات.
الجلسة، التي طغى عليها “القلق الحذر”، رصدت انتهاكات مقلقة طالت الكرد والدروز والعلويين، موجهة رسالة حازمة مفادها أن طريق رفع العقوبات والتطبيع يمر حتماً عبر بوابة “الحكم الشامل”، وأن أي انزلاق نحو استبداد جديد قد يعيد البلاد إلى دوامة الطائفية ويمنح تنظيم “داعش” الإرهابي فرصة العودة إلى الساحة السورية.
“الكونغرس” يرهن دعم دمشق بحماية الأقليات
ألقى رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، براين ماست، كلمة افتتاحية قال فيها: “الولايات المتحدة غير راضية عن التقدم الذي أحرزه الرئيس الشرع حتى الآن، وتعتبر العديد من إجراءاته خطوات إلى الوراء. نحن بحاجة إلى أن يبذل الشرع جهوداً أكبر. هذه ليست أموراً سهلة، لكن الإجراءات الأخيرة ضد الدروز والأكراد والعلويين كلها خطوات في الاتجاه الخاطئ”.
وأردف: “ألغت الولايات المتحدة عقوبات قيصر لأن سبب وجودها كان وجود بشار الأسد. لم يعد هذا السبب قائماً. لكننا أوضحنا أنه يجب تلبية شروط في المقابل. تشمل هذه الشروط تعزيز التكامل العسكري، وحماية الأقليات الدينية والعرقية، بالإضافة إلى دمجها في الحكومة السورية، والعمل مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب”.
تعقيباً على ذلك يرى الباحث السوري جمعة لهيب، في حديثه مع “الحل نت“، أن “الانتهاكات ضد الأقليات سواء مع الكرد مؤخراً أو قبلهم العنف الطائفي الذي طال الدروز منتصف تموز/يوليو الماضي، والعلويين خلال آذار/مارس الفائت أيضاً، تعيد رسم صورة “سوريا غير مستقرة وقائمة على الطائفية”، رغم جهود الحكومة الانتقالية لتقديم نفسها كحكومة شاملة.
ويمكن قراءة انسحاب القوات الحكومية من الحسكة ودخول قوى الأمن الداخلي “الأسايش” باعتباره محاولة لجعل الاندماج لجعل الاندماج سلساً ودون صدامات عسكرية.
وتابع جمعة لهيب في حديثه: “قد تؤدي الانتهاكات ضد الأقليات في سوريا إلى تأخير إزالة كامل العقوبات الأميركية والأوروبية، رغم خطوات جزئية في 2025”.
وبالعودة إلى براين ماست، فقد قال في جلسة “الكونغرس” إن واشنطن لم تمنح الشرع “شيكاً على بياض”، وربط الدعم بحماية الأقليات.
كما أن تغييرات المناهج التعليمية بسوريا أثارت انتقادات من نواب مثل جوني أولشيفسكي، ما يعزز سردية “عودة التطرف” ويقلل الاستثمارات، ويعيق عودة اللاجئين، ويفتح الباب لتدخلات خارجية وخاصة الإقليمي، خصوصاً مع تصريحات تركيا بعدم وجود رغبة بالانسحاب، وكثرة التوغلات الإسرائيلية رغم اتفاق باريس”.
هل سوريا أمام نظام إقصائي جديد؟
في السياق ذاته، شهدت الجلسة بواشنطن شهادة محورية قدمها أندرو تابلر، الزميل الأقدم في “معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى”، أشار فيها بوضوح إلى مخاوفه العميقة حيال توجهات الإدارة السورية الجديدة تجاه الأقليات.
وقال تابلر: “تحركات دمشق ضد قوات سوريا الديمقراطية الشهر الماضي، والاستهدافات ضد السكان في السويداء خلال تموز/يوليو، فضلاً عن المدنيين من الطائفة العلوية على الساحل السوري في آذار/مارس، أثارت قلقاً كبيراً في واشنطن وأماكن أخرى من أن حكومة الشرع الجديدة في دمشق لن تكون قادرة على استيعاب مصالح مجتمعات الأقليات الكبيرة. حتى أن البعض ذهب إلى القول إن حكومة الشرع قد تستبدل نظام الأسد الاستبدادي الذي تهيمن عليه الأقلية، بنظام يهيمن عليه غالبية العرب السنة”.
وأشار أيضاً إلى أن قوات الأمن الحكومية ظلت بأغلبية ساحقة من العرب السنة معظم عام 2025. وأضاف تابلر في شهادته أمام “الكونغرس”: “ضمت الحكومة الانتقالية (23 عضواً) وزيراً مسيحياً وعلوياً ودرزياً وكردياً واحداً لكل منهم، وسط أغلبية سنية ساحقة. وصف المحللون هذا التمثيل بأنه (رمزي)، حيث لا يمثل هؤلاء الوزراء بالضرورة مصالح مجتمعاتهم الحقيقية”.
من جانبه، يرى جمعة لهيب أن الأقليات التي تعرضت للانتهاكات ما زالت قادرة على تجاوز هذه المرحلة، مع تفاوت بين الأطراف بناءً على قوتها وقربها من الاتفاقات. فالأكراد أكثر قدرة بفضل قوة “قسد” واتفاق كانون الثاني/ يناير 2026، بينما يبدو تجاوز الدروز أصعب بعد عنف مجازر تموز/يوليو 2025 واستمرار النزوح وفقدان الثقة. أما العلويون والمسيحيون فهم أكثر ميلاً اليوم لتجنب المواجهة، لكنهم يحتاجون تمثيلاً حقيقياً لاستعادة الثقة مع الحكومة بدمشق.
ويشير لهيب إلى أن الضمانات الرئيسية تتمثل أولاً في ترسيخ مؤسسات الدولة باعتبارها الضامن الأكبر عبر تطبيق القانون دون تمييز، إضافة إلى رقابة أممية أو أميركية على الاتفاقات، ومحاسبة مستقلة للانتهاكات، وتمثيل سياسي حقيقي، ودعم اقتصادي مباشر، وضغط دولي مستمر، فضلاً عن دور عربي تقوده السعودية في حال نجحت العلاقة بينها وبين الحكومة السورية الانتقالية.
ضرورة دمج أمني متوازن وعقد وطني شامل
في جلسة “الكونغرس” ذاتها، تحدثت نادين ماينزا، الرئيسة السابقة للجنة الأمريكية للحريات الدينية الدولية، عن المكونات داخل “الجيش” والقوى الأمنية السورية، مشيرة إلى وجود مسلحين ذوي تاريخ مع تنظيم “القاعدة” الإرهابي، وأعضاء يرتدون شعارات “داعش” الإرهابي و”يرتكبون أعمالاً وحشية ضد الأقليات”، معتبرة أن “القوى الأمنية السورية هي المشكلة الحقيقية”.
وطالبت بتنفيذ الاتفاق بين “قسد” والحكومة السورية الانتقالية، الذي يقضي بإبقاء القوى الإسلامية خارج مناطق الأقليات، مؤكدة أنه كان يجب على تلك القوى الانسحاب قبل نهاية ذلك اليوم.
وأضافت أن في صفوف القوى الأمنية أشخاصاً كانوا يقودون مجموعات مسلحة في شمال سوريا سبق أن عاقبتهم واشنطن بتهم الاتجار بالنساء والفتيات الكرديات الإيزديات وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مشددة على ضرورة الضغط على الشرع لإبعاد هذه المجموعات، وعدم السماح لها بالتواجد داخل القرى الكردية الإيزيدية في مناطق شمال وشرق سوريا.
في هذا الصدد، يرى جمعة لهيب أنه “استناداً إلى شهادات النواب الأميركيين والتقارير الدولية، يجب على دمشق السعي نحو دمج أمني متوازن من خلال تنفيذ اتفاق 30 كانون الثاني/يناير 2026 مع قوات سوريا الديمقراطية، بما يشمل انسحاباً متبادلاً، ودوريات مشتركة، ودمجاً في جيش وطني دون هيمنة، مع ضمان عدم دخول القوات العسكرية إلى مناطق الأقليات دون موافقة محلية”.
كما يتطلب الأمر، وفق المحلل السياسي السوري، إصلاحات دستورية تضمن حقوقاً متساوية، وتوسيع الاعتراف باللغات والمكونات، ومنع التمييز الطائفي، وإصلاح المناهج التعليمية لتعزيز الشمولية. بالإضافة إلى ذلك، يجب تحقيق عدالة انتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات من الجانبين عبر محاكم مستقلة لتجنب “عدالة انتقائية”، وإطلاق حوار وطني حقيقي يضم ممثلي الأقليات والمجتمع المدني والأحزاب والتيارات الوطنية.
- مطالبات حقوقية بتعويض ضحايا التدخل العسكري الروسي في سوريا
- تعز تحت الهجوم.. القوات الحكومية تصد محاولة “حوثية” لتطويق المدينة
- انفجار خط غاز ريف دمشق يخرج 3 محطات عن الخدمة.. متى تعود الكهرباء؟
- محافظة دمشق تهدم منازلاً مرممة في مخيم اليرموك رغم وجود تراخيص.. ما القصة؟
- “انتظر حتى يحل الظلام”.. إرادة الجبوري تنسج تفاصيل الوجع في إصدارها الجديد

