استهداف المصافي النفطية بين إيران وإسرائيل.. هل المنطقة أمام مرحلة أخطر من الحرب؟

استهداف إيران

في تطور جديد يعكس التصاعد الخطير في المواجهة العسكرية المحتدمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت الحرب أسبوعها الثاني اليوم الأحد بتحول نوعي في طبيعة الأهداف ونطاق العمليات.

وانتقل الصراع خلال الساعات الأخيرة من استهداف القدرات العسكرية التقليدية إلى ضرب ركائز الاقتصاد الحيوية والبنية التحتية للطاقة، في مسار قد يفتح الباب أمام سيناريوهات لمرحلة أكثر حساسية قد تكون لها تداعيات إقليمية ودولية واسعة.

الأسرى الأميركيون.. جدل يربك واشنطن

كشفت التطورات المتسارعة في الساعات الأخيرة عن تحول ملحوظ في طبيعة الأهداف العسكرية، إذ لم تعد الضربات تقتصر على القواعد العسكرية ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة، بل باتت تشمل منشآت النفط والوقود ومرافق المياه، وهي قطاعات تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني وحياة السكان اليومية.

وجاء هذا التحول في وقت تحدثت فيه مصادر إيرانية عن مفاجأة سياسية وعسكرية تمثلت في إعلان المسؤول الإيراني البارز علي لاريجاني عن أسر جنود أميركيين خلال العمليات، حيث كتب على منصة إكس قائلًا: “بموجب تقارير وردتني، تم أسر العديد من الجنود الأميركيين.. الأميركيون يدّعون أنهم قُتلوا في العمليات، لكنهم لن يستطيعوا إخفاء الحقيقة إلى الأبد”،  وهو تطور اعتبر بمثابة صدمة استراتيجية محتملة لواشنطن، لما قد يحمله من ضغوط سياسية داخلية كبيرة على إدارة الرئيس دونالد ترامب.

ويُعد أسر جنود أميركيين في سياق صراع مفتوح مع قوة إقليمية بحجم إيران من أكثر السيناريوهات حساسية في السياسة الأميركية، إذ غالبًا ما يتحول إلى قضية داخلية ضاغطة داخل الكونغرس والرأي العام، وقد يفرض على الإدارة الأميركية إعادة تقييم مسار العمليات العسكرية أو البحث عن مخرج سياسي للأزمة، لذا على الفور سارعت القيادة المركزية الأميركية إلى نفي الخبر، ووصفته المتحدثة باسم البنتاغون بأنه “ادعاء إيراني كاذب”.

غارات غير مسبوقة على منشآت الطاقة

غير أن الخبر، حتى مع النفي، فتح الباب أمام عاصفة من الجدل داخل الكونغرس، حيث طالب عدد من أعضاء مجلس الشيوخ بتوضيحات عاجلة حول مصير القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة، خاصة مع تداول معلومات غير مؤكدة عن أن العملية قد تكون نتجت عن كمين محكم استهدف وحدة من القوات الخاصة كانت تنفذ مهمة إنقاذ أو استطلاع خلف الخطوط الإيرانية.

تزامن هذا التطور مع تصعيد عسكري غير مسبوق طال البنية التحتية للطاقة الإيرانية، في خطوة وصفتها وسائل إعلام عالمية بأنها الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب.

ففي وقت متأخر من مساء السبت، شنّ الطيران الإسرائيلي غارات جوية مكثفة استهدفت عدة مواقع لتخزين الوقود في العاصمة طهران ومدينة كرج المجاورة، ما أدى إلى انفجارات هائلة هزت المباني السكنية على بعد أميال، وتصاعد أعمدة هائلة من اللهب والدخان الأسود في سماء المدينة المأهولة بعشرة ملايين نسمة.

وأظهرت مقاطع فيديو بثتها وكالة رويترز وتحققت منها صحيفة نيويورك تايمز ألسنة اللهب تلتهم مستودعات نفطية في مصفاة “شهران” شمال غرب طهران، وفي منطقة “شهر ري” جنوب العاصمة حيث يقع أحد أكبر مستودعات التخزين، فيما أكد الجيش الإسرائيلي في بيان رسمي مسؤوليته عن الهجمات، قائلًا إنها استهدفت “مجمعات لتخزين الوقود والطاقة في طهران كانت تستخدمها القوات المسلحة الإيرانية”، ووصف العملية بأنها “ضربة كبيرة” تهدف إلى تقويض البنية التحتية العسكرية للنظام.

إسرائيل تلوّح بمرحلة تصعيد جديدة

وكان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الفريق إيال زامير قد ألمح قبل ذلك بأيام إلى دخول العمليات مرحلة جديدة، عندما أعلن في بيان مصور أن إسرائيل بصدد الانتقال إلى مرحلة أخرى من المواجهة، مشيرًا إلى أن القوات الإسرائيلية ستواصل تفكيك قدرات النظام الإيراني العسكرية، مضيفًا أن لدى الجيش الإسرائيلي “مفاجآت إضافية” في المرحلة المقبلة، دون الكشف عن تفاصيلها، في إشارة تعني توسيع نطاق الأهداف ليشمل قطاعات اقتصادية حيوية.

من جانبه، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة توزيع المنتجات النفطية الوطنية الإيرانية، كرامت ويسكرامي، أن أربعة مستودعات للنفط ومركزًا لنقل المنتجات النفطية في طهران ومحافظة البرز تعرضت للقصف، مؤكدًا أن المنشآت أصيبت بأضرار لكن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحرائق.

وتُعد هذه الضربات الأولى من نوعها التي تستهدف بشكل مباشر البنية التحتية للطاقة في إيران منذ بدء الحملة العسكرية المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل أيام، فحتى نهاية الأسبوع الأول من الحرب، كانت العمليات العسكرية تركز بصورة رئيسية على استهداف القيادات الإيرانية والأجهزة الأمنية ومراكز الشرطة، في محاولة لتعطيل قدرة طهران على إنتاج وإطلاق الصواريخ ومنعها من تطوير أسلحة نووية، غير أن انتقال الضربات إلى منشآت الطاقة يشير إلى تحول واضح في الاستراتيجية العسكرية نحو استهداف ركائز الاقتصاد الإيراني.

المياه تدخل معادلة الصراع

غير أن اللافت في هذه الضربات، هو تزامنها مع تقارير عن استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية المرتبطة مباشرة بحياة السكان، فقد كشفت مصادر إيرانية أن الولايات المتحدة استهدفت محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الواقعة قرب مدخل مضيق هرمز الاستراتيجي، في خطوة اعتبرتها طهران “سابقة خطيرة” تهدف إلى حرمان السكان من المياه الصالحة للشرب.

وبالمقابل، ردت إيران باستهداف محطة لتحلية المياه في البحرين، ما أدى إلى أضرار مادية، في مؤشر على دخول معادلة جديدة قائمة على ضرب المرافق الحيوية للطرف الآخر

ويرى عدد من الخبراء أن استهداف البنية التحتية للطاقة يمثل تحولًا استراتيجيًا في طبيعة الحرب، فتقول المحللة المستقلة المتخصصة في شؤون الدفاع والأمن باتريشيا مارينز إن الضربات الأخيرة تشير إلى أن التحالف الأميركي الإسرائيلي انتقل من استهداف القدرات العسكرية المباشرة إلى ضرب ركائز الاقتصاد الإيراني.

وتوضح عبر منصة إكس أن المعلومات المتداولة تشير إلى أن نحو ثلاثين منشأة لتخزين النفط تعرضت للهجوم خلال يوم واحد، في تصعيد غير مسبوق منذ بداية المواجهة، مشيرة إلى أن إيران اتهمت الولايات المتحدة باستهداف محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم الواقعة قرب مدخل مضيق هرمز، وهو ما يثير مخاوف إضافية من انتقال الصراع إلى استهداف البنية التحتية المدنية المرتبطة بحياة السكان.

استهداف المطارات والطاقة يرفع المخاطر

في وقت سابق من فجر السبت، استهدفت غارات إسرائيلية مطار مهرآباد، أحد أكثر المطارات ازدحامًا في إيران، حيث أعلنت إسرائيل أنها ضربت طائرات كانت متوقفة على المدرج الذي تستخدمه طهران لإرسال الأموال والأسلحة إلى الجماعات المتحالفة معها في المنطقة، فيما أفاد سكان بأن الانفجارات التي أعقبت الضربة هزت المنازل على بعد أميال، فيما غطى الدخان الكثيف أجزاء واسعة من سماء العاصمة.

من جانبه، يرى الباحث أرتا مويني أن التطورات الأخيرة تعكس دخول الحرب مرحلة جديدة تقوم على استهداف البنية التحتية للطاقة لدى الطرفين، مشيرًا إلى أن الضربة التي طالت مصفاة النفط في طهران قوبلت برد إيراني سريع عبر استهداف مصفاة حيفا في إسرائيل.

 ويقول عبر منصة إكس إن هذا النمط من الضربات المتبادلة يرفع مستوى المخاطر إلى حد كبير، لأنه يمس القطاعات الاقتصادية الحيوية ويؤثر مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، محذرًا من أن استمرار هذا التصعيد دون تدخل سياسي لاحتوائه قد يدفع الصراع إلى مستويات أكثر خطورة، خاصة في ظل غياب خطوط حمراء واضحة بين الأطراف المتحاربة، موضحًا أن استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية قد يفتح الباب أمام ردود فعل غير متوقعة، بما في ذلك تعطيل الملاحة في مضيق هرمز أو توسيع رقعة المواجهة إلى دول أخرى في المنطقة.

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الحرب دخلت بالفعل مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، حيث لم تعد المواجهة مجرد صراع عسكري محدود بل تحولت إلى معركة تستهدف ركائز الاقتصاد والبنية التحتية الحيوية، لتتزايد المخاوف من أن يتحول هذا الصراع إلى أزمة أوسع تعاني بسببها منطقة الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم