صراع الظل.. البحر الأحمر يدخل لعبة النفوذ الإيراني عبر “الحوثيين”

على ضفتي البحر الأحمر، تتشكل ببطء جبهة صراع جديدة، حيث تلتقي الحروب غير المعلنة، التي لا تٌدار بالدبابات التقليدية ولا بالجيوش الكبيرة، بقدر ما تٌدار عبر شبكة معقدة من الوكلاء، والتحركات العسكرية الصامتة.

على ضفتي البحر الأحمر، تتشكل ببطء جبهة صراع جديدة، حيث تلتقي الحروب غير المعلنة، التي لا تٌدار بالدبابات التقليدية ولا بالجيوش الكبيرة، بقدر ما تٌدار عبر شبكة معقدة من الوكلاء، والتحركات العسكرية الصامتة. 

وفي الوقت الذي تعزز فيه إيران حضورها غير المباشر، عبر جماعة “الحوثي” في اليمن، تتحرك إسرائيل على الضفة المقابلة من البحر، في القرن الإفريقي، لبناء موقع متقدم يتيح لها مراقبة هذا الممر البحري الحساس عن كثب. 

ويتجه المشهد الإقليمي، تدريجياً نحو ما يمكن وصفه بـ”صراع الظل”، وهي مواجهة غير مباشرة، تدور حول السيطرة على أحد أهم شرايين التجارة العالمية، حيث تمر نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والسلع بين آسيا وأوروبا، عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر. 

ومع تصاعد التوتر بين إيران وخصومها، بات هذا الممر البحري ورقة ضغط استراتيجية، يمكن أن تؤثر في توازنات الأمن الإقليمي والعالمي.  

تحرك إسرائيلي صامت نحو الضفة الإفريقية  

في هذا السياق، بدأت إسرائيل خلال الأشهر الماضية، اتخاذ خطوات هادئة، لكنها ذات دلالة استراتيجية.

وسعت جماعة "الحوثي" مؤخراً، من نشاطها في ميناء رأس عيسى الساحلي على البحر الأحمر بشكل كبير، لتشمل مناولة البضائع العامة، بعدما كان الميناء يقتصر سابقاً على استقبال ناقلات المشتقات النفطية فقط.
وسعت جماعة “الحوثي” مؤخراً، من نشاطها في ميناء رأس عيسى الساحلي على البحر الأحمر بشكل كبير، لتشمل مناولة البضائع العامة، بعدما كان الميناء يقتصر سابقاً على استقبال ناقلات المشتقات النفطية فقط.

وحسب تقرير نشرته وكالة “بلومبيرغ“، تدرس تل أبيب إمكانية إنشاء موطئ قدم عسكري، في إقليم “أرض الصومال”، المطل على خليج عدن، في موقع يضعها على مسافة قريبة من السواحل اليمنية، التي يسيطر “الحوثيون” على جزء منها. 

وتأتي هذه الخطوة، بعد اعتراف الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو بالإقليم، في كانون الأول/ ديسمبر 2025، وهو اعتراف فتح الباب أمام علاقات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين. 

ووفق ما نقلته “بلومبيرغ” عن مسؤولين في حكومة الإقليم، فإن التعاون مع إسرائيل قد يتطور إلى شراكة أمنية أكبر، بينما لا تزال فكرة إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية قيد الدراسة. 

لكن المؤشرات العملية بدأت بالفعل، إذ زار وفد أمني إسرائيلي صغير سواحل الإقليم، خلال الأشهر الماضية، وأجرى عمليات مسح ميداني لعدد من المواقع الاستراتيجية، لتقييم إمكانية إنشاء منشأة عسكرية هناك. 

أحد المواقع المطروحة يقع قرب مدينة بربرة الساحلية، حيث تدير شركة موانئ دبي العالمية، ميناء استراتيجياً إلى جانب مدرج طيران عسكري طويل، وهو ما يجعل المنطقة نقطة لوجستية مهمة، لأي وجود عسكري محتمل.  

عودة البحر الأحمر إلى مركز الصراع  

تأتي هذه التحركات، في وقت يشهد فيه البحر الأحمر تصاعداً ملحوظاً في التوترات الأمنية، فمنذ اندلاع الحرب بغزة، في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، نفذت جماعة “الحوثي” سلسلة هجمات، استهدفت السفن التجارية في البحر الأحمر، إضافة إلى إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، باتجاه إسرائيل.

وأعادت تلك الهجمات إلى الواجهة، هشاشة أمن الممرات البحرية في المنطقة، كما دفعت شركات الشحن الدولية، إلى إعادة تقييم مخاطر المرور عبر البحر الأحمر، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين البحري بشكل ملحوظ. 

كما دفعت هذه التطورات إسرائيل، إلى تعزيز قدراتها الاستخباراتية لمتابعة نشاط جماعة “الحوثي”، حيث تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن الجماعة، تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، القادرة على الوصول إلى مسافات بعيدة.

وفي هذا السياق، أنشأ الجيش الإسرائيلي، وحدة استخبارات متخصصة لمراقبة تحركات جماعة “الحوثي”، في مؤشر على أن التهديد القادم من اليمن، أصبح جزءاً ثابتاً من الحسابات الأمنية الإسرائيلية.  

إيران وباب المندب: الجغرافيا كسلاح سياسي  

بالنسبة لإيران، لا يقتصر دور جماعة “الحوثي” على كونها امتداداً أيديولوجياً أو حليفاً سياسياً، بل تمثل أداة جيوسياسية مرتبطة بموقع اليمن الاستراتيجي.

تمثل المياه الإقليمية اليمنية الممتدة على طول 2500 كيلومتر، ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي، وعموداً فقرياً للتجارة العالمية.
تمثل المياه الإقليمية اليمنية الممتدة على طول 2500 كيلومتر، ركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي، وعموداً فقرياً للتجارة العالمية.

المحلل السياسي الإيراني المعارض للسياسة الإيرانية، وجدان عبد الرحمن، يرى أن دعم طهران لـ”الحوثيين” لا يمكن فهمه بعيداً عن العقيدة التي قامت عليها “الجمهورية الإسلامية”، منذ عام 1979، والمتمثلة في فكرة “تصدير الثورة”. 

ويقول في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إن هذه العقيدة تحولت مع مرور الوقت إلى استراتيجية نفوذ إقليمي، تقوم على بناء حلفاء مسلحين، في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط. 

ويضيف أن اليمن، يمثل موقعاً بالغ الحساسية في هذا المشروع، لأن السيطرة على بلد يطل على مضيق باب المندب، تمنح إيران قدرة على التأثير في حركة التجارة الدولية، والضغط على خصومها الإقليميين. 

وخلال السنوات الماضية، استخدمت طهران هذه الورقة بالفعل، عبر الهجمات التي نفذها “الحوثيون” ضد السعودية والإمارات، وكذلك من خلال التهديدات التي طالت الملاحة الدولية، في البحر الأحمر. 

ويرى عبد الرحمن، أن هذا النمط يمثل استراتيجية إيرانية قائمة على بناء شبكات نفوذ غير مباشرة، شبيهة بما فعلته إيران في لبنان عبر “حزب الله”، وفي العراق عبر “الفصائل المسلحة”.  

حسابات “الحوثيين”: تهديد بدون حرب  

رغم الخطاب التصعيدي الذي تتبناه جماعة “الحوثي” الموالية لطهران تجاه إسرائيل، فإن سلوك الجماعة على الأرض، يشير إلى قدر كبير من الحذر، خصوصاً بعد تكبدها خسائر فادحة، نتيجة الضربات الجوية السابقة.

بينما تتسع رقعة التوتر في البحر الأحمر، تكشف تقارير غربية عن خيوط جديدة تربط جماعة "الحوثي" بالسواحل السودانية، في تحرك ينذر بمرحلة أكثر خطورة على أمن المنطقة والملاحة الدولية.
بينما تتسع رقعة التوتر في البحر الأحمر، تكشف تقارير غربية عن خيوط جديدة تربط جماعة “الحوثي” بالسواحل السودانية، في تحرك ينذر بمرحلة أكثر خطورة على أمن المنطقة والملاحة الدولية.

الباحث المصري المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أحمد الديب، يرى أن جماعة “الحوثي” تفضل، حتى الآن، البقاء في إطار الضغط السياسي والعسكري المحدود، دون الانخراط في الحرب. 

ويقول في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إن الجماعة “الحوثية” تكبدت خلال الأشهر الماضية، خسائر نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية، التي استهدفت بنى تحتية عسكرية وقيادات داخلها. 

ويضيف أن هذا العامل يجعل جماعة “الحوثي” أكثر حذراً في الانخراط في مواجهة مباشرة، قد تفتح عليها جبهات جديدة، هي في غنى عنها. 

لكن هذا الحذر لا يعني غياب الحسابات الهجومية، فالديب يشير إلى أن جماعة “الحوثي” أظهرت في السابق نمطاً يعتمد على توقيت التصعيد، وفق الحسابات الإقليمية. 

فعلى سبيل المثال، لم تبدأ الجماعة هجماتها المرتبطة بحرب غزة فور اندلاعها في الـ7 من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بل بعد نحو أسبوعين، عندما نفذت أول هجوم في 19 تشرين الأول/ أكتوبر من الشهر نفسه.

ويرى الديب، أن هذا التأخير يؤكد وجود رغبة لدى جماعة “الحوثي” في اختبار ردود الفعل الإقليمية، قبل الانخراط رسمياً في التصعيد.  

“الحوثيون”.. الورقة الأكثر نشاطاً في شبكة إيران  

تحليل نشره موقع “هوملاند سيكيوريتي توداي” الأميركي، المتخصص في شؤون الأمن القومي، يشير إلى أن “الحوثيين” قد يتحولون إلى أحد أبرز الفاعلين في أي مواجهة إقليمية واسعة، بين إيران وخصومها.

ويحذر التحليل من التقليل من أهمية الدور “الحوثي”، مؤكداً أن الجماعة تمتلك عوامل قوة، تتجاوز مجرد الدعم الإيراني. 

فإلى جانب سيطرتها على مناطق يعيش فيها أكثر من 60 في المئة من سكان اليمن، تتمتع الجماعة بعمق جغرافي في المناطق الجبلية شمال البلاد، وهو ما يجعل القضاء عليها عسكرياً مهمة معقدة في الظرف الراهن. 

كما يمنحها موقعها على الساحل الغربي لليمن، قدرة على التأثير المباشر في الملاحة البحرية في البحر الأحمر، لذلك فإنها تعد لاعباً مهماً في معادلة الأمن البحري في المنطقة. 

وبحسب التحليل، فإن هذا الموقع يمنح جماعة “الحوثي” خيارات متعددة في حال تصاعد الصراع الإقليمي، من بينها تعطيل الملاحة البحرية، أو توسيع الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.  

البحر الأحمر.. جبهة الصراع المقبلة  

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن البحر الأحمر يتجه تدريجياً ليصبح إحدى أهم ساحات التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

فإيران تسعى إلى استخدام جماعة “الحوثي” كورقة ضغط استراتيجية على خصومها، بينما تحاول إسرائيل بناء حضور أمني على الضفة المقابلة لهذا الممر البحري، لمنع تحوله إلى مجال نفوذ إيراني. 

وبين هذين المسارين المتوازيين، يتشكل تدريجياً، مشهد صراع غير مباشر، تدور أحداثه بعيداً عن الأضواء، لكنه قد يكون قادراً على التأثير في أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

أسامة عفيف

أسامة عفيف

صحفي، محرر الشأن اليمني لدى "الحل نت"

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم