يتقاطع التصعيد العسكري مع الانهيار المعيشي في اليمن، بطريقة تضع ملايين المدنيين في مواجهة يومية مع الجوع والخوف، وسط مؤشرات متزايدة على توسيع جماعة “الحوثي” عملياتها الميدانية، بالتوازي مع حملات حشد وتجنيد، تستهدف فئات واسعة من السكان.
وفي مناطق سيطرة الجماعة “الحوثية”، لا سيما في صنعاء، تتصاعد شكاوى السكان من ضغوط معيشية خانقة، في ظل انقطاع الرواتب وارتفاع الأسعار وغياب فرص العمل.
تجنيد تحت ضغط الحاجة
في المقابل، تكثّف جماعة “الحوثي” أنشطتها التعبوية، عبر فعاليات ميدانية، وخطاب إعلامي يربط الداخل اليمني، بتطورات الصراع الإقليمي.

وبحسب روايات محلية، تنفّذ الجماعة حملات استقطاب تستهدف الشباب، مستفيدة من تدهور الأوضاع الاقتصادية، عبر وعود برواتب وسلال غذائية مقابل الالتحاق بالجبهات.
غير أن هذه الوعود، كما يقول سكان محليون، تٌستخدم غالباً كبوابة للتسجيل، دون ضمانات حقيقية لتنفيذها.
بالتوازي، تتجه الجماعة “الحوثية” إلى توسيع برامجها التعبوية، مع التحضير لإطلاق موسم جديد من “المراكز الصيفية”، التي تٌستخدم – وفق تربويين – لاستقطاب الأطفال وإدماجهم في أنشطة ذات طابع فكري وعسكري.
وتشير مصادر محلية، إلى أن إنهاء العام الدراسي مبكراً في مناطق سيطرة “الحوثيين” يرتبط جزئياً بإفساح المجال لهذه البرامج، التي تترافق مع حملات إعلامية وخطاب ديني في المساجد، لحث الأسر على إرسال أبنائها.
ويرى مراقبون أن هذه الأنشطة تشير إلى محاولة لتعويض النقص في المقاتلين، وتعزيز الجاهزية في ظل احتمالات التصعيد، سواء داخلياً أو على خلفية التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران.
تصعيد ميداني ومخاوف مدنية
على الأرض، لا يقتصر أثر هذا التصعيد على التحشيد، ففي مديرية حيران بمحافظة حجة، أسفر سقوط صاروخ قبل يومين، عن مقتل 13 مدنياً، بينهم أطفال، في حادثة أثارت صدمة واسعة.

وتشير مصادر محلية، إلى أن الصاروخ ربما أُطلق باتجاه البحر قبل أن يسقط في منطقة سكنية.
وفي قراءة تحليلية، يرى الباحث اليمني مصطفى ناجي، أن تريث جماعة “الحوثي” في الانخراط المباشر في المواجهة الإقليمية لا يعكس حياداً، بقدر ما يكشف عن طبيعة الدور الذي تؤديه داخل اليمن.
ويشير ناجي إلى أن الجماعة “الحوثية”، منذ نشأتها، خاضت ما يمكن وصفه بـ”حربها الخاصة” داخل الجغرافيا اليمنية، حيث ظل سلاحها موجهاً في الأساس إلى الداخل.
ويضيف أن استهداف مناطق مأهولة بالسكان، وسقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، يعيد طرح تساؤلات حول أولويات إدارة الصراع، ويكشف فجوة واضحة بين الخطاب المعلن حول القضايا الإقليمية، والواقع الذي يعيشه اليمنيون يومياً.
بين الحسابات العسكرية والواقع المعيشي
في خلفية هذه التطورات، يرى محللون أن جماعة “الحوثي” تحاول الحفاظ على توازن معقّد، بين رفع جاهزيتها العسكرية، وإدارة الضغوط الداخلية، دون الانزلاق الكامل إلى المواجهة الإقليمية.

وبينما يظل خطابها السياسي مرتفع النبرة، تجاه تطورات المنطقة، يبقى قرار الانخراط المباشر في أي مواجهة مرتبطاً، بحساباتها مع طهران، متجاوزة بذلك حسابات الداخل اليمني.
لكن على الأرض، لا تعني هذه الحسابات شيئاً لكثير من اليمنيين، فبين حرب تزداد اشتعالا كل يوم، وجوع يتمدّد، يجد ملايين المدنيين أنفسهم مرة أخرى، في قلب معادلة قاسية، وحدهم من يدفع الثمن فيها.

