تشير الضربات الأخيرة التي قضت على مسؤولين إيرانيين بارزين إلى أن البلاد دخلت مرحلة مفصلية، بعد أن قُتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني وقائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني في هجمات نسبتها إسرائيل إلى نفسها، وهو ما عمّق الشلل في مركز القرار وأدخل النظام الإيراني في دوامة انعكاسات عميقة على المستويين السياسي والعسكري.
وجاءت هذه التطورات بعد موجة أصابت قمة هرم السلطة الإيرانية قبل أسابيع، حيث قتل المرشد الأعلى السابق بهجوم واسع النطاق في 28 شباط/فبراير الماضي ، ما اعتبرته واشنطن وتل أبيب ضربة استراتيجية تهدف إلى تدمير قدرات القيادة العليا، وهو ما عكسته تصريحات أميريكية وإسرائيلية تؤكد سعيهما إلى تقويض مؤسسات النظام.
اغتيال يتجاوز الرمزية
يمثل اغتيال لاريجاني أحد أهم التطورات في الحرب الإيرانية الدائرة، وربما يحمل تأثيراً عملياتياً أعمق من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، ففي حين أثارت وفاته صدمة واسعة على المستوى العالمي، واعتبرت ضربة رمزية للجمهورية الإسلامية، فإن اغتيال لاريجاني يمس أمراً أكثر أهمية.

وتصور إسرائيل اغتيال كبار المسؤولين الإيرانيين على أنه تمهيد لإسقاط الجمهورية الإسلامية أو انهيارها، فقد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد الإعلان عن مقتل لاريجاني: “نحن نقوّض هذا النظام على أمل منح الشعب الإيراني فرصة لتقرير مصيرهم بأنفسهم”.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على الحرب، تواصل إسرائيل استهداف قواعد الحرس الثوري الإسلامي، القوة القتالية الأكثر نخبة في النظام، بل إنها استهدفت نقاط تفتيش في شوارع طهران تديرها قوات الباسيج، ففي غارة منفصلة، أعلنت تل أبيب مقتل قائد ميليشيا الباسيج، غلام رضا سليماني، وهي قوة شبه عسكرية تُستخدم لقمع الاحتجاجات، إضافة إلى نائبه.
النظام بين التفكك والصمود
في إطار ذلك برز تساؤل جوهري ليفرض نفسه عقب تلك التطورات، هل هذه الاغتيالات أدت إلى تفكك النظام واستطاعت أميركا وإسرائيل فعلاً تحقيق هدفهما المعلن بـ”القضاء على النظام الإيراني”؟ أم أن الجمهورية الإسلامية تمتلك قدرة على الصمود؟.
منذ مقتل خامنئي، سارعت السلطات الإيرانية إلى ترسيخ استقرار السلطة، بتعيين آية الله السيد مجبتى حسيني خامنئي، نجل المرشد الراحل علي خامنئي، قائدا ثالثا للثورة، وأنشأت مجلساً قيادياً وأعادت توزيع الصلاحيات بين مؤسسات مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، واستمرت العمليات العسكرية دون اضطرابات تُذكر، إذ تحولت هياكل القيادة إلى نمط أكثر لا مركزية.
ويؤكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن النظام مصمم لاستيعاب مثل هذه الصدمات، قائلاً في مقابلة مع قناة الجزيرة: “ليس لدينا شخص أهم من القائد نفسه، وحتى القائد استشهد، ومع ذلك استمر النظام في العمل ووفّر بديلاً على الفور”.
مرونة بنيوية رغم الضربات
يعزز هذا الموقف تقييمات استخباراتية أميركية، إذ كشف تقرير سري لمجلس الاستخبارات الوطنية الأميركية، كانت حصلت عليه صحيفة “واشنطن بوست” قبل اندلاع الحرب، أن حتى شن هجوم عسكري واسع النطاق ضد إيران “من غير المرجح” أن يؤدي إلى الإطاحة ببنية السلطة العسكرية والدينية فيها، مشيرًا إلى أن النظام الإيراني يتمتع بنموذج حكم متعدد الطبقات ومؤسسي وقائم على الفصائل، مما يجعله مصمماً ليتحمل حتى فقدان قائده الأعلى.

غير أن اغتيال لاريجاني يختلف في طبيعته، فوفقاً لمصادر مقربة من النظام، فإن غيابه يُضعف قدرة مراكز القوى المتعددة في إيران على العمل بتناغم، مما يزيد من خطر سوء التقدير، وعلى عكس القائد الرمزي، الذي يمكن استبداله بسرعة، يعمل المنسق من خلال العلاقات والثقة واتخاذ القرارات في الوقت الفعلي، وكلها أمور يصعب تكرارها.
ويخلق هذا فجوة خطيرة، خاصة في زمن الحرب حيث يعتمد الفرق بين التصعيد وضبط النفس على التنسيق السريع والمركزي، فبدون شخصية مثل لاريجاني، قد يصبح صنع القرار أبطأ وأكثر تشتتاً، بل وحتى متناقضاً، لا سيما بين كيانات مثل الحرس الثوري والقيادة السياسية والوكلاء الإقليميين.
اختراق أمني وتغوّل عسكري
في هذا الصدد، يرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عبد الرحمن الحدادي، أن المشهد الإيراني الراهن يعكس اتجاهاً متسارعاً نحو تغوّل “الحرس الثوري” وتقلص الخيارات السياسية أمام صانع القرار، في ظل الضربات المتتالية التي استهدفت قيادات الصف الأول منذ حزيران/ يونيو الماضي، وما تلاها من اغتيالات نوعية طالت شخصيات محورية، من بينها قيادات في الباسيج وعلي لاريجاني.
أوضح خلال لقاء تلفزيوني مع قناة “سكاي نيوز عربية”، أن هذا النمط من الاستهداف لا يشير فقط إلى تفوق عملياتي، بل يكشف أيضاً عن اختراق أمني عميق داخل بنية النظام، خاصة مع تكرار استهداف اجتماعات أمنية مغلقة، ما يعكس هشاشة غير مسبوقة في منظومة الحماية والاتصال.
وأضاف أن النظام، مع تضاؤل خياراته، يسعى إلى إعادة تدوير شخصيات ذات خلفيات عسكرية–سياسية مثل محسن رضائي ومحمد باقر قاليباف وسعيد جليلي وعلي أكبر أحمديان، إلا أن هذه الأسماء، رغم خبرتها، لا تمتلك الثقل ذاته الذي كانت تمثله القيادات المغيّبة، ما يفاقم أزمة القيادة ويضعف القدرة على إنتاج قرار متماسك.
أزمة اتصال تهدد السيطرة الميدانية
كما لفت الحدادي إلى أن التحدي الأخطر يتمثل في تآكل قنوات التواصل داخل هرم السلطة، ما يهدد بحدوث حالة ارتباك ميداني، خاصة في ظل اعتماد إيران على نموذج “الدفاع الموزاييك” القائم على وحدات منتشرة جغرافياً، قد تجد نفسها معزولة عن القيادة المركزية.

وأكد أن استمرار الاغتيالات يطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام على الصمود، لكنه في الوقت ذاته قد يدفع الحرس الثوري إلى تصعيد الرد وتوظيف كامل أدواته العسكرية لفرض معادلات ردع جديدة، مختتمًا بالإشارة إلى أن الحديث عن إنهاء سريع للحرب لا يزال بعيداً عن الواقع، في ظل تمسك كل طرف بأهدافه الاستراتيجية، ما ينذر بإطالة أمد الصراع وتعقيد مساراته.
فيما يرى الباحث أحمد رمضان أن إيران تعيش اليوم حالة ارتباك استراتيجي غير مسبوقة، يمكن تشبيهها بسفينة تتلاطم بها الأمواج بعد فقدان ربانها، في ظل غياب واضح لبوصلة القرار وتآكل القدرة على تحديد المسار.
مخاوف من التشدد
يوضح رمضان عبر منصة “إكس” أن خوض مواجهة مفتوحة بهذا الحجم يتطلب قيادة مركزية تمتلك رؤية استراتيجية، لا مجرد إدارة يومية للأزمات، مشيراً إلى أن ما جرى خلال فترة وجيزة يعكس نجاحاً أميركياً إسرائيلياً في استهداف وإضعاف البنية العميقة لصنع القرار، بما يشمل العقلين العسكري والسياسي اللذين رافقا نشأة النظام منذ عام 1979 وأدارا مجمل صراعاته.
تشير التقديرات إلى أن الخليفة المرجح لعلي لاريجاني هو الدبلوماسي المتشدد والمفاوض النووي السابق، سعيد جليلي، وهو معروف بمواقفه الأيديولوجية الصلبة وإدارته “المواجهة بدل التوازن”، وهناك مخاوف من صعوده أو غيره من المتشددين، حيث سيعكس ذلك اتجاهاً داخل بنية النظام نحو إدارة المواجهة بدل إدارة التوازن، مما سيكون له انعكاسات مزدوجة، داخلياً، مزيد من الانغلاق السياسي وتزايد الاحتقان الاجتماعي؛ وإقليمياً، نمط أكثر حدة في السلوك الإيراني يراهن على تعظيم كلفة الخصوم.
في المحصلة، لم تُسقط الضربات الأميركية الإسرائيلية النظام الإيراني، لكنها كسرت تماسكه وأعادت تشكيله تحت ضغط غير مسبوق، وبينما لا يزال قادراً على الصمود، فإنه يدخل مرحلة أكثر اضطراباً، حيث يصبح خطر سوء الحسابات والتصعيد هو العامل الأكثر ترجيحاً في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
- فاتورة التخرج بالملايين.. كيف حوّلت الجامعات الخاصة التعليم في سوريا إلى “امتياز للأثرياء”؟
- منظمات حقوقية: “الحوثيون” يحيلون 8 من موظفي المنظمات الإغاثية للمحاكمة
- “فجر اليمن”.. القوات الحكومية تتقدم غرب وجنوب تعز وتوسّع عملياتها ضد “الحوثيين”
- “ذاكرة إبداعية” يوقف معرض “معتقلون ومغيبون” في الرقة بسبب ضغوطات أمنية
- استقالة مدير التربية وتقييم 307 مدارس يكشفان حجم أزمة التعليم في دير الزور

