رصدت اللجنة الأمريكية للحرية الدينية الدولية (USCIRF)، في تقريرها السنوي لعام 2026، تدهوراً حاداً في أوضاع الحرية الدينية في سوريا خلال عام 2025، مؤكدة أن الفئات السكانية المتنوعة دينياً لا تزال تكافح للتعافي بعد نحو أربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية.
وذكر التقرير أن السلطات الانتقالية، “التي نصبت نفسها في الحكم”، رغم إعلانها رفض الطائفية التي ميّزت النظام الذي أطاحت به، “أظهرت تسامحاً ممنهجاً ومستمراً مع انتهاكات بالغة الخطورة للحرية الدينية طوال العام”، كما أخفقت في منع جرائم القتل الجماعي وعمليات الاختطاف وسائر الاعتداءات الجسيمة التي استهدفت العلويين والدروز والمسيحيين وغيرهم من الأقليات الدينية، والتي وقع العديد منها على أيدي أفراد يُزعم أنهم موالون للإدارة الجديدة.
موجة عنف تستهدف الأقليات
وأفاد التقرير بأنه في 7 مارس/آذار 2025 تحرك آلاف المقاتلين السنّة الموالين للسلطات الانتقالية أو العاملين ضمن وزارة الدفاع، استجابة لنداءات تعبئة عامة صادرة عن مسؤولين في الوزارة، بذريعة مواجهة تمرد علوي موالٍ للنظام السابق في الساحل السوري. وبحسب التقرير، نفّذ هؤلاء المقاتلون عمليات إعدام ميدانية من منزل إلى منزل بحق مدنيين علويين/ات في طرطوس واللاذقية وحماة، مستخدمين خطاباً طائفياً تحريضياً تضمن عبارات مهينة من بينها وصف الضحايا بـ“العلويين النصيريين الخنازير”، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 1500 شخص خلال اليومين الأولين، في أحداث صنّفها التقرير ضمن مستوى المجازر الطائفية.

وأضاف التقرير أنه في أبريل/نيسان أطلقت القوات المسلحة النار على سكان دروز في حي جرمانا بدمشق، عقب انتشار مزاعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتهم أحد القادة الدروز بالإساءة للنبي محمد، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات دامية استمرت عدة أيام. وأشار إلى أن الخطاب التحريضي المعادي للدروز لم يقتصر على الفاعلين المسلحين، بل امتد إلى وسائل إعلام رسمية، حيث اعتُبرت بعض الرسائل في التلفزيون الرسمي ومنصات إعلامية أخرى عاملاً مساهماً في تأجيج العنف وتحفيز المقاتلين.
وأشار التقرير إلى أن هجوماً انتحارياً استهدف كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في دمشق خلال يونيو/حزيران، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 25 مسيحياً أثناء قداس يوم الأحد. كما لفت إلى أنه في يوليو/تموز 2025 أدى اختطاف تاجر درزي في السويداء على يد قبائل بدوية إلى تفجر مواجهات دامية استمرت أسابيع، وسط تصاعد خطاب تحريضي ضد الدروز. وذكر أن القوات العسكرية التابعة للسلطات الانتقالية تدخلت ضد السكان المحليين، ما ساهم في تفاقم العنف ورفع حصيلة الضحايا إلى نحو ألفي قتيل. كما أشار إلى أن بعض المقاتلين المتورطين في مجازر آذار/مارس عادوا في يوليو/تموز لارتكاب انتهاكات مشابهة بحق الدروز.
تورط الأجهزة الأمنية وغياب المحاسبة
وكشف التقرير أن تحقيقات أجرتها جهات دولية، بينها الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، أثبتت تورطاً مباشراً لقوات تابعة لوزارتي الداخلية والدفاع في عمليات قتل خارج نطاق القانون استهدفت العلويين والدروز. كما وثّق تورط مسلحين في عمليات اختطاف وتعذيب وقتل طالت مئات الأشخاص من المجتمعات العلوية والمسيحية والدرزية.
وأشار التقرير إلى أنه رغم تشكيل لجان تحقيق عقب هذه الأحداث، فإن مسارات المحاسبة الرسمية اتسمت بالبطء وغياب الشفافية وعدم كفاية الإجراءات، وفي بعض الحالات عدم فرض أي عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات. كما لفت إلى “ضعف استجابة السلطات لحالات الاختطاف والاعتداءات الجنسية”، ومن بينها حادثة اغتصاب جماعي لامرأة علوية في محافظة حماة خلال سبتمبر/أيلول، حيث لم تتمكن الجهات الرسمية من تأكيد ما إذا كان الجناة ينتمون إلى جهاز الأمن العام أو كانوا ينتحلون صفته.

تهديدات في مناطق سورية متفرقة
وذكر التقرير أنه خلال عام 2025 بقيت إدلب، المعقل السابق للسلطات الانتقالية في شمال غرب سوريا، مركزاً للجهات المسلحة المسؤولة عن هجمات ذات طابع طائفي في أنحاء مختلفة من البلاد. كما بقيت مناطق واسعة من شرق سوريا بيئة غير مواتية للحرية الدينية جزئياً بسبب تنامي نشاط خلايا تنظيم داعش. وأضاف أن المجتمعات الدرزية والعلوية في السويداء والساحل السوري واجهت موجة مستمرة من التهديدات والهجمات الطائفية.
وفي المناطق ذات الغالبية الكردية والمسيحية والايزيدية في شمال وشرق سوريا، أشار التقرير إلى أن الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً واصلت العمل وفق نموذج تعددي.
غير أن تركيا، بحسب التقرير، واصلت زعزعة استقرار المنطقة عبر الضربات العسكرية ودعمها لفصائل مسلحة متهمة بالاعتداء على الايزيديين والمسيحيين والآشوريين؛ إذ أفادت مصادر مسيحية آشورية في مارس/آذار بأن ضربة تركية طالت كنيسة مار ساوا في قرية تل طويل، التي سبق أن دمّرتها ضربة مماثلة قبل ثلاث سنوات.

كما نقل التقرير عن منظمات حقوقية في يونيو/حزيران أن كثيراً من المقاتلين القادمين من فصائل موالية لتركيا لا يزالون ناشطين قرب كوباني. ولفت إلى أن ما لا يقل عن 2594 أيزيدياً لا يزالون في عداد المفقودين منذ عام 2014، في جرائم صنّفها التقرير ضمن إطار إبادة جماعية ارتكبها تنظيم “داعش”.
تحولات أمريكية متسارعة تجاه سوريا
وعلى صعيد السياسة الأمريكية، رصد التقرير سلسلة من التحولات، من أبرزها إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو/آذار رفع العقوبات عن سوريا، استناداً إلى ما وصفه بـ“الإجراءات الإيجابية” للحكومة الجديدة. وفي مارس/آذار، صرّح وزير الخارجية ماركو روبيو، تعليقاً على أحداث الساحل، بأن “الولايات المتحدة تقف إلى جانب الأقليات الدينية والإثنية في سوريا، بما في ذلك المسيحيون والدروز والعلويون والأكراد”.

كما أشار التقرير إلى أن روبيو أقدم في يوليو/تموز على إلغاء تصنيف “هيئة تحرير الشام” منظمةً إرهابيةً أجنبية. وفي أغسطس/آب، شهدت سوريا زيارة أول وفد برلماني أمريكي رسمي ثنائي الحزب منذ سنوات، ضم ناشطين في مجال الحرية الدينية وقادة مجتمعات محلية، من بينهم الطبيب الدرزي حمزة شاهين الذي تعرّض لاحقاً للاختطاف والتعذيب والقتل.
وذكر التقرير أنه في نوفمبر/تشرين الثاني استقبل ترامب الرئيس أحمد الشرع في البيت الأبيض في أول لقاء بين زعيمَي البلدين منذ عام 1946، أعقب ذلك إصدار قرار من وزير الخارجية بتعليق العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين. وفي ديسمبر/كانون الأول، وقّع ترامب على قانون تفويض الدفاع الوطني الذي يُلغي عقوبات قانون قيصر، مع اشتراط التحقق الدوري من اتخاذ سوريا خطوات فعلية لحماية الحرية الدينية، من بينها إبعاد المقاتلين الأجانب عن المناصب الرسمية وضمان حرية العبادة والتمثيل السياسي للأقليات.
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أنه في ديسمبر/كانون الأول قُتل جنديان أمريكيان ومترجم محلي على يد عنصر في تنظيم “داعش” كان يخدم ضمن قوات الأمن التابعة للسلطات الانتقالية، قبل أن تنفذ القوات الأمريكية لاحقاً ضربات ضد أهداف للتنظيم داخل سوريا.
توصيات للإدارة الأمريكية والكونغرس
وقدم التقرير مجموعة من التوصيات للإدارة الأمريكية، شملت تصنيف سوريا “دولة ذات قلق خاص” بموجب قانون الحرية الدينية الدولية، وفرض عقوبات مستهدفة تشمل تجميد الأصول ومنع الدخول بحق الجهات السورية المسؤولة عن الانتهاكات، وربط الانخراط مع السلطات الانتقالية بإحراز تقدم ملموس في ملف الحرية الدينية، بما يتضمن أحكاماً دستورية للمواطنة المتساوية وحماية الأقليات في الهيئات التشريعية والانتخابية، إضافة إلى تقديم تدريب متخصص للقيادات العسكرية والأمنية والمدنية لمكافحة الطائفية المؤسسية.
وأوصت الكونغرس، بإيفاد وفود برلمانية ثنائية من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى سوريا للاطلاع على واقع الحرية الدينية، وربط أي تخفيف للعقوبات بإثبات السلطات الانتقالية تحسناً فعلياً في هذا الملف، بما يشمل محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وإقصاء المقاتلين المتورطين من صفوف الجيش.
- فاتورة التخرج بالملايين.. كيف حوّلت الجامعات الخاصة التعليم في سوريا إلى “امتياز للأثرياء”؟
- منظمات حقوقية: “الحوثيون” يحيلون 8 من موظفي المنظمات الإغاثية للمحاكمة
- “فجر اليمن”.. القوات الحكومية تتقدم غرب وجنوب تعز وتوسّع عملياتها ضد “الحوثيين”
- “ذاكرة إبداعية” يوقف معرض “معتقلون ومغيبون” في الرقة بسبب ضغوطات أمنية
- استقالة مدير التربية وتقييم 307 مدارس يكشفان حجم أزمة التعليم في دير الزور

