شهدت ساحة باب توما في العاصمة السورية دمشق، اليوم الأحد، اعتصامًا شعبياً سلمياً شارك فيه العشرات، في مشهد يعيد إلى الواجهة الجدل المتصاعد حول قرار إداري يتعلق بتنظيم بيع المشروبات الكحولية في المدينة.
وجاء هذا التحرك، الذي جرى تحت حماية قوات الأمن العام، تعبيراً عن رفض قطاع من المواطنين لما وصفوه بالمساس بالحريات الفردية، وسط حالة من النقاش المجتمعي الواسع الذي أثارته تفاصيل القرار الصادر عن محافظة دمشق، منذ ما يزيد على أسبوع.
شعارات المواطنة والحريات
رفع المعتصمون شعارات أكدت أن “سوريا تحتضن جميع مكوناتها”، وطالبوا برفض التمييز بين المواطنين، معتبرين أن “الحريات الفردية جزء من كرامة الإنسان”، مشددين خلال وقفتهم الاحتجاجية، التي جاءت في إطار مدني سلمي، على أن تحركهم لا يحمل أي طابع تصعيدي، بل يهدف إلى الدفاع عن الحريات العامة ورفض أي توجه يُنظر إليه على أنه يفرض قيودًا غير مبررة على الخيارات الشخصية.

كما عبّروا عن رفضهم القاطع لأي محاولات لفرز الأحياء على أساس طائفي، محذرين من أن مثل هذه المقاربات تشكل تهديداً لوحدة المجتمع السوري وتنوعه، وتتعارض مع مبدأ المواطنة المتساوية الذي كرسه الإعلان الدستوري.
يأتي هذا التحرك الشعبي في سياق حالة من الجدل المتصاعد عقب إعلان محافظة دمشق، في بيان صدر الاثنين الماضي، قراراً يقضي بـ”منع تقديم المشروبات الروحية في المطاعم والملاهي الليلية في مدينة دمشق”، وذلك استناداً إلى ورود شكاوى وطلبات من المجتمع المحلي، وبهدف “التخلص من الظواهر المخلة بالآداب العامة”.
انتقادات للتخصيص الجغرافي
غير أن القرار أثار حساسية إضافية حين نص على أن السماح ببيع المشروبات الروحية سيكون “حصراً” في مناطق باب توما والقصاع وباب شرقي، وهي مناطق تُعرف بتركيبتها السكانية ذات الأغلبية المسيحية، على أن يكون ذلك في المحلات المخصصة بأساس رخصة البناء التجاري.

كما تضمن القرار ضوابط مكانية تحدد بيع الكحول بمسافات لا تقل عن 75 متراً من دور العبادة والمدارس والمقابر، و20 متراً من مراكز الشرطة والمكاتب الحكومية، مع منح المتاجر مهلة ثلاثة أشهر للامتثال.
أمام هذا التباين في القراءات، سعت محافظة دمشق إلى احتواء الموقف عبر توضيحات متتالية، ففي بيان صدر مساء السبت، أكدت المحافظة أن القرار لم يشمل المحال والفنادق التي تحمل رخصة بيع الكحول من وزارة السياحة، معربة عن استعدادها لاستقبال المقترحات المتعلقة بالمطاعم “التي لها خصوصية سياحية” ودراستها.
محاولات لاحتواء الأزمة
اعتذرت المحافظة عما وصفته بـ”ما أسيء فهمه من القرار والذي تم تداوله في غير محله”، مشددة على أن مناطق باب توما والقصاع وباب شرقي “تعتبر جزءاً من قلب العاصمة السورية النابض”، ومؤكدة أنها ستعيد النظر في المناطق الثلاث المذكورة في القرار بما لا يسيء لأي مكون من المكونات.

ويعكس استمرار الجدل حول هذا القرار، وفق المشاركين في الاعتصام، أبعاداً تتجاوز النص التنظيمي إلى إشكاليات أعمق تتعلق بطريقة التطبيق والتفسير على الأرض، ففي الوقت الذي تؤكد فيه الجهات الرسمية أن الإجراءات ذات طابع تنظيمي عام ولا تستهدف فئة أو منطقة بعينها، يرى منتقدون أن التخصيص الجغرافي الوارد في النص الأولي للقرار، وتوقيته، يمثلان مدخلاً غير محسوب النتائج لإثارة حساسيات اجتماعية وطائفية، في مرحلة تعتبر فيها سوريا في أمس الحاجة إلى ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية بعيداً عن أي فرز مجتمعي.

