انقسامات داخلية تشل القرار في طهران.. هل يقترب النظام من لحظة الانهيار؟

مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران شهرها الثاني، تزايدت المؤشرات من تصدع داخلي في بنية القرار الإيراني، في وقت تحاول فيه واشنطن استثمار هذه الانقسامات لدفع مسار التفاوض أو فرض وقائع جديدة على الأرض.

وألمح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى هذا الواقع بوضوح، مشيراً إلى وجود “انقسامات” داخلية، ومؤكداً أن بلاده تلقت رسائل إيجابية غير رسمية من أطراف داخل النظام، في إشارة إلى احتمال وجود قنوات تواصل موازية خارج الأطر التقليدية.

قيادة مرتبكة

تتوافق هذه التصريحات مع ما كشفته تقارير استخباراتية أميركية وغربية عن تراجع قدرة القيادة الإيرانية على اتخاذ القرار، في ظل صعوبات متزايدة في التواصل بين المسؤولين.

وبحسب ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز”، فإن القادة الإيرانيين باتوا يتجنبون الاجتماعات المباشرة أو حتى الاتصالات الهاتفية، خشية اختراقها أو استهدافهم، خصوصاً بعد مقتل عدد من القيادات العسكرية ونوابهم خلال الأسابيع الماضية.

وانعكس هذا الواقع مباشرة على أداء المؤسسات، إذ لا تزال الأجهزة الأمنية والعسكرية تعمل، لكن قدرتها على التخطيط الاستراتيجي أو صياغة سياسات جديدة تراجعت بشكل ملحوظ.

كما تشير التقديرات إلى صعود نفوذ التيار المتشدد داخل “الحرس الثوري”، على حساب القيادة السياسية، ما يعمق حالة التباين داخل مراكز القرار.

رسائل متضاربة

هذا التشتت الداخلي انعكس أيضاً في الموقف التفاوضي، حيث بدت طهران عاجزة عن تقديم رد موحد على المقترحات الأميركية.

وعبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن هذا الارتباك بوضوح، متحدثاً عن “رسائل متضاربة” من الجانب الإيراني، في وقت تواصل فيه واشنطن الضغط عسكرياً وسياسياً بالتوازي.

وتشير تقييمات استخباراتية إلى أن هذا الارتباك لا يعكس تكتيكاً تفاوضياً بقدر ما يكشف عن عجز حقيقي في تنسيق المواقف داخل النظام، خاصة مع تعدد مراكز القوة وتضارب أولوياتها.

تتحدث مصادر دبلوماسية عن صراع واضح بين التيارات السياسية والعسكرية، حيث يبرز تنافس بين مؤسسات الدولة الرسمية من جهة، والحرس الثوري من جهة أخرى، على إدارة المرحلة.

وتشير هذه المعطيات إلى تباين بين شخصيات مثل مسعود بزشكيان وعباس عراقجي، وبين قيادات أمنية وعسكرية أكثر تشدداً، في مقدمتها أحمد وحيدي، إلى جانب دور محمد باقر قاليباف في الاتصالات السياسية.

هذا التداخل في مراكز القرار يفسر بطء الرد الإيراني على المبادرات، ويعكس صعوبة التوصل إلى موقف موحد في لحظة حرجة.

اقتصاد تحت الضغط

بالتوازي مع الأزمة السياسية، يواجه الاقتصاد الإيراني ضغوطاً غير مسبوقة، مع تراجع صادرات النفط من أكثر من مليوني برميل يومياً إلى نحو 1.2 مليون، وانخفاض العائدات بشكل حاد.

وتشير تقارير إلى نقص السيولة، وتعثر دفع الرواتب، وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية، ما يضع الحكومة أمام تحديات داخلية متفاقمة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الضغط الاقتصادي، بالتزامن مع الاستنزاف العسكري، قد يدفع النظام إلى حافة الانهيار الوظيفي، حتى وإن لم يسقط سياسياً في المدى القريب.

لكن، رغم هذا التدهور، وفق تقديرات إسرائيلية، التي ترى أن طهران تعرضت لضربات قاسية لكنها لا تزال قادرة على الصمود.

وعبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن هذا التقدير، معتبراً أن النظام قد ينهار “من الداخل” في نهاية المطاف، لكنه شدد على أن الهدف الحالي هو إضعاف قدراته العسكرية والنووية، وليس إسقاطه مباشرة.

في المحصلة، تكشف المؤشرات المتقاطعة عن نظام يواجه أزمة مركبة، بين انقسامات داخلية، ضغوط عسكرية، وانهيار اقتصادي تدريجي.

لكن هذه الأزمة، رغم عمقها، لا تعني بالضرورة سقوطاً وشيكاً، بقدر ما تعكس مرحلة إعادة تشكل داخلية قد تدفع النظام إما نحو تسوية تحت الضغط، أو نحو مزيد من التشدد لإعادة ضبط توازناته.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم