تصعيد شعبي في الجنوب السوري.. احتجاجات عفوية أم أداة تفاوضية بيد دمشق؟

تصعيد شعبي في الجنوب السوري.. احتجاجات عفوية أم أداة تفاوضية بيد دمشق؟

لا يبدو أن المفاوضات بين دمشق وتل أبيب التي بدأت منتصف العام الماضي تسير بشكل جيد، أو توقفت إلى أجل غير مسمى كما قيل، خاصة في ظل الظروف التي تمر بها المنطقة اليوم، ففي الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، تحاول إسرائيل التركيز على عدوها الأكبر في المنطقة وعدم فتح جبهات إضافية.

وخلال زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع إلى بريطانيا، تطرق إلى إمكانية تطبيع العلاقات مع إسرائيل، قائلاً: “حاولنا إجراء حوار مباشر وغير مباشر، ووصلنا إلى نقاط جيدة، لكن إسرائيل غيّرت موقفها في اللحظة الأخيرة”.

وكانت إسرائيل قد كشفت مطلع العام الجاري أنها غير متحمسة لاستكمال المفاوضات مع دمشق لما وصفته بـ “إضاعة الوقت”، إلا أن المفاوضات عادت بعد ضغوط مباشرة مارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الطرفينـ بحسب ما أوردته القناة 12 العبرية.

احتجاجات في سوريا

وبعد تعثر قنوات التفاوض بين الطرفين، بدا الجنوب السوري وكأنه يستعيد دوره كأداة ضغط غير مباشرة، مع خروج احتجاجات في محافظة درعا ومحافظات أخرى، رفعت شعارات رافضة لقرار الكنيست الإسرائيلي عن إعدام الأسرى الفلسطينيين، في تحركات تثير الشكوك حول ما إذا كانت مجرد تعبير عفوي، أم رسالة سياسية تعيد إسرائيل لطاولة المفاوضات.

احتجاجات في سوريا على قرار الكنيست الإسرائيلي
احتجاجات في سوريا على قرار الكنيست الإسرائيلي

حيث شهدت عدة مدن ومحافظات سورية، منتصف الأسبوع الجاري، احتجاجات غاضبة رفضاً لقرارات إسرائيلية متعلقة بالأسرى الفلسطينيين، حيث تطورت تلك المظاهرات، وأصدرت مجموعات متفرقة عدة بيانات تهدد فيها إسرائيل.

المظاهرات شملت عدة محافظات سورية، لكن أبرزها محافظتي القنيطرة ودرعا جنوب سوريا، حيث شهدت الأخيرة اصدار مجموعات مسلحة لبيانات تتوعد فيها إسرائيل بـ7 أكتوبر جديدة.

جرى تداول مقاطع فيديو من بلدة كناكر، أظهرت مشاركين يتوعدون في بيان بالرد على إسرائيل بهجوم شبيه بهجوم 7 أكتوبر، في حال لم تتوقف عن ممارساتها بحق الفلسطينيين.

وفي فيديو أخر إعلان عشائر البدو في درعا النفير العام ضد إسرائيل، وسط أنباء عن توجه مجموعات منها نحو المناطق الجنوبية من المحافظة القريبة من مواقع القوات الإسرائيلية.

كما ظهر عدد الأشخاص من مدينة طفس في درعا، في فيديو وهم يدعون فيه إلى الوقوف في وجه أي تصعيد إسرائيلي، متوعدين بالرد على أي عدوان ومؤكدين دعمهم لموقف الحكومة الانتقالية في دمشق.

وتعقيبا على ذلك، قال المتحدث باسم كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس أبو عبيدة، في بيان: “من قلب غزة العزة، ومن بيت المقدس وأكنافه، نوجه التحية إلى شعب سوريا الأبي وجماهيره التي خرجت تهتف للأسرى”.

وأضاف: “وصلنا صوتكم، ونحن نفخر بكم، وآمالنا معقودة بعد الله عليكم وعلى كل الأحرار، ونثق بأن جماهير أمتنا ستلتحم يوما وتشق طريقها لتحرير المسرى (المسجد الأقصى) والأسرى”.

الجنوب كورقة ضغط

هذا التصعيد في طبيعة الخطاب، من الاحتجاج إلى التهديد المباشر، يجعلنا نتساءل عن الجهات التي تقف خلف هذه التحركات، خصوصاً في ظل تعدد الجهات التي أعلنت مواقفها، من مجموعات مسلحة إلى تجمعات عشائرية، ما يشير إلى أن الحراك يتجاوز كونه مجرد رد فعل شعبي إلى قرار سياسي.

كما أن صدور بيانات تحمل طابعاً عسكرياً، وأشخاص ملثمون يحملون السلاح، وتتضمن تهديدات بعمليات شبيهة بـ”7 أكتوبر”، يعكس مستوى من التنظيم أو على الأقل قابلية لفكرة إعادة هجوم مشابه، وهذا ما حذر منه مسؤولون إسرائيليون منذ استلام السلطة الحالية الحكم في دمشق.

ففي حين تعكس بعض الشعارات حالة غضب شعبي مرتبط بالقضية الفلسطينية، فإن طبيعة الخطاب في بيانات أخرى، لا سيما تلك التي تتبنى لغة عسكرية، أمام احتمال وجود مستويات مختلفة من التوجيه أو الاستفادة من هذا الحراك، كما أن بعض المشاركين أعلنوا صراحة دعمهم لموقف الحكومة الانتقالية في دمشق.

حوادث مشابهة

لا تبدو هذه الحالة منفصلة تماماً عن أحداث قريبة، إذ شهد العام الماضي خروج مظاهرة أمام المسجد الأموي وسط العاصمة دمشق، انتقدت موقف الحكومة المصرية من فتح معبر رفح، وأبدت تأييداً لحركة حماس، قبل أن تبادر الحكومة السورية في اليوم التالي إلى إصدار موقف رسمي تضمن اعتذاراً مباشراً للقاهرة.

كما شهدت شوارع دمشق خلال إحياء الذكرى الأولى لسقوط نظام السابق، هتافات اعتبرتها إسرائيل أنها “عبارات معادية”، حيث هتف جنود سوريون لغزة في الجيش السوري الجديد، خلال عرض عسكري.

“غزة، غزة، غزة شعار، نصر وثبات، ليل ونهار، طالعلك يا عدوي طالع، طالعلك من جبل النار، أعملك من دمي ذخيرة، وأعمل من دمك أنهار”.

وقالت مصادر إسرائيلية، إن هذه الشعارات تُعد “إشارة مقلقة” داخل المؤسسة الأمنية، إذ تتعارض مع الخطاب السياسي الذي يتحدث عن انفتاح محتمل بين تل أبيب ودمشق.

وبحث مسؤولون أمنيون إسرائيليون كيفية الرد على هتافات الجيش السوري الجديد وسط دمشق، ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مسؤولين أمنيين، أنه جرت مناقشات داخل المؤسسة الدفاعية، بمشاركة مسؤولين كبار، لبحث دلالات هذه الفيديوهات التي ظهر بها الجنود.

وعلق وزير الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، في تغريدة نشرها على حسابه بمنصة “إكس” مع إرفاق فيديوهات العرض، إن “الحرب مع سوريا حتمية”.

وبالرغم من الزخم الذي حملته الشعارات خلال العرض العسكري الذي حضره الرئيس الشرع، إلا أن السلطات السورية لم تعلق سلباً أو إيجاباً على الحدث، ما فُهم بأنه رسالة إلى الجانب الإسرائيلي.

ويعكس هذا التباين بين الخطاب الشعبي ورد الفعل الرسمي نمطاً مختلفاً، يُظهر إمكانية وجود مساحة مسموح بها للتعبير، تقابلها حدود واضحة تتدخل عندها السلطة لضبط الإيقاع السياسي، بما يتناسب مع حساباتها الإقليمية خاصة مع إسرائيل.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذه التطورات عن حالة الجمود التي شهدتها قنوات التفاوض بين دمشق وتل أبيب مؤخراً، إذ يرى مراقبون أن الجنوب السوري لطالما شكّل مساحة لإيصال الرسائل غير المباشرة، سواء عبر التصعيد الميداني أو من خلال تحركات محلية ذات طابع سياسي.

وبناء على ذلك، تبرز فرضية مفادها أن هذه الاحتجاجات، حتى وإن انطلقت بدوافع شعبية، قد تتحول إلى ورقة ضغط ضمن حسابات أوسع، خاصة في ظل غياب مسار تفاوضي فعّال، وحاجة الأطراف إلى أدوات بديلة لإعادة فرض شروطها على الطاولة.

كيف تقرأ إسرائيل المشهد؟

وفي هذا السياق، تحذر مراكز أبحاث إسرائيلية من أن “جنوب سوريا يتجه تدريجياً ليصبح ساحة مواجهة إضافية”، مشيرة إلى تنامي نشاط جماعات متعددة في المنطقة، وهو ما يعكس حساسية أي تحركات ميدانية، حتى وإن جاءت في إطار احتجاجي.

في نهاية العام الماضي حذر مركز أبحاث إسرائيلي مقرّب من دوائر صنع القرار في تل أبيب، من أن جنوب سوريا يتجه تدريجياً ليصبح ساحة مواجهة إضافية مع إسرائيل، في ظل تنامي نشاط جماعات متعددة في المنطقة.

واستند مركز القدس للدراسات الأمنية، في تحليله إلى تقارير تحدثت عن سعي جماعات مختلفة إلى ترسيخ وجود لها في جنوب سوريا، من بينها حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، وعناصر مرتبطة بجماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، إلى جانب خلايا لتنظيم “داعش”، وعناصر من الجماعة الإسلامية.

وفي تقييم صادر عن مركز “مئير عميت” للمعلومات الاستخباراتية والإرهاب، يُرجَّح أن ما يُعرف بـ”جبهة المقاومة” التي أعلنت عن نفسها مطلع العام الماضي، قد يمثل محاولة من قبل إيران و”حزب الله” لإعادة تفعيل بنى تحتية سبق أن أُنشئت خلال فترة حكم بشار الأسد، بهدف استهداف القوات الإسرائيلية العاملة في جنوب سوريا أو داخل إسرائيل.

ويشير التقييم الصادر عن مركز “مئير عميت” للمعلومات الاستخباراتية والإرهاب، إلى أن مثل هذا السيناريو قد يدفع إسرائيل إلى رد عسكري، ما قد ينعكس على مستوى الاستقرار الداخلي في سوريا.

في المقابل، يلفت التقرير إلى أنه، رغم الحضور الإعلامي اللافت لما يُنسب إلى هذه الجهة، لا تتوفر حتى الآن أدلة قاطعة على وجودها الفعلي كتنظيم منظم، أو امتلاكها قدرات عسكرية كبيرة، كما لم يُسجَّل إعلانها عن أي تحالفات مع فصائل أخرى داخل سوريا.

من جهة أخرى يرى مراقبون، أن ما يجري في سوريا اليوم، من احتجاجات لا يحمل رسائل سياسية، بقدر ما هو ردة فعل شعبية، خرجت بشكل عفوي اعتراضاً على القرار الإسرائيلي، بسبب الروابط بين الشعبين السوري والفلسطيني، بالإضافة كردة غاضبة على عمليات التوغل والاعتقال الإسرائيلية في سوريا التي بدأتها بعد سقوط نظام الأسد.

وتخلص مراكز أبحاث إسرائيلي إلى أن حل المعضلة بين سوريا وإسرائيل، يكمن في إيجاد خيار ثالث بين “السلام” و“الهدنة”، والتي قد تكون بإيجاد صيغة ترتيبات أمنية تتضمن أفقاً سياسياً، مثل التزام متبادل من قبل الدولتين بحل النزاعات المستقبلية بالطرق السلمية، والامتناع عن استخدام القوة، والسعي نحو اتفاق سلام دائم.

إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يعلّق على الاحتجاجات الأخيرة وما حملته من تهديد ووعيد، بالرغم من أن مراكز دراسات إسرائيلية كانت قد حذرت في وقت سابق، الرئيس الانتقالي أحمد الشرع من استغلاله لانشغال إسرائيل في حربها ضد إيران، وهذا ما قد تكون دمشق لجأت إليه اليوم، للعودة إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل بعد أن توقفت مطلع العام الجاري.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم