احتكار السلطة يهدد حكم الشرع في سوريا

احتكار السلطة يهدد حكم الشرع في سورياعرض المزيد

بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، استطاعت سوريا تحقيق تقدم في الملفات الخارجية ككسر العزلة وفتح قنوات مع الغرب، وتأمين دعم سياسي بمساعدة حلفاء جدد لسوريا كتركيا والسعودية وقطر، إلا أن هذا التقدم الخارجي لا يعكس بالضرورة واقع الداخل السوري.

إذ تتصاعد مؤشرات التوتر في البيئة الحاضنة للنظام الجديد، وسط تساؤلات متزايدة حول طبيعة النظام السياسي الذي يتشكل، وحدود قدرته على استيعاب التنوع السوري وضبط التحديات الأمنية، والملفات العالقة.

تركيز السلطة داخل دائرة ضيقة

وفي هذا السياق، نشرت مجلة “فورين أفيرز”، الصادرة عن مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، مقالاً بعنوان “بوادر أزمة تتشكل في سوريا”، أشارت فيه إلى أن التحول الدولي الذي حققه الشرع كان أمراً يصعب تخيله قبل عام فقط.

احتجاجات العلويين في الساحل السوري - رويترز
احتجاجات العلويين في الساحل السوري – رويترز

لكن المجلة ترى أن هذه النجاحات الدبلوماسية تخفي خلفها تحديات داخلية عميقة، فالأسلوب الذي مكّن “هيئة تحرير الشام”، بقيادة الشرع، من الوصول إلى دمشق، بات اليوم يعيق عملية بناء الدولة.

وتتمثل أولى هذه الإشكاليات في تركيز السلطة داخل دائرة ضيقة، إذ يظل القرار السياسي والأمني محصوراً في مجموعة محدودة من قيادات الهيئة السابقة، فيما تبدو المؤسسات الرسمية، كالحكومة والبرلمان، موجودة شكلياً لكن تأثيرها الفعلي محدود.

كما تغيب آليات واضحة لتوزيع السلطة أو محاسبة القيادة، في ظل غياب رؤية سياسية متكاملة لمستقبل البلاد.

قلق الأقليات

ولا يقل ملف الأقليات حساسية عن ذلك، فالأقليات الدينية والإثنية، إلى جانب شرائح من الأغلبية السنية، لا تزال غير مطمئنة لموقعها في سوريا الجديدة، وسط مخاوف من هيمنة توجه سياسي واحد.

وقد ظهرت هذه التوترات بوضوح في شمال شرق البلاد، مع دخول قوات الحكومة الانتقالية إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” لأكثر من عقد.

ورغم أن الاتفاق الأخير بين الطرفين، والذي يمهد لدمج “قسد” في مؤسسات الدولة، قد يخفف من حدة التوتر، إلا أن المجلة تؤكد أن هذا المسار لا يزال هشاً ويحتاج إلى استكمال.

وتحذر من أن تعثر المرحلة الانتقالية قد يعيد إنتاج دوامات العنف، ما يهدد المكاسب التي تحققت على مستوى الدعم الدولي.

انتقال هش

ورغم نجاح الشرع في توحيد عشرات الفصائل المسلحة ضمن جيش واحد دون اندلاع صراعات داخلية، وهو إنجاز لافت، إلا أن الانتقال السياسي لا يزال هشاً.

وتشير الصحيفة إلى أن السلطات الجديدة، وأن لم تفرض أجندة إسلامية متشددة، بل ركزت على بناء المؤسسات، وشكّلت حكومة وبرلماناً يضمان شخصيات متنوعة، من بينها نساء وشخصيات من المجتمع المدني، لكن خلف هذا التنوع الظاهري، تتركّز السلطة فعلياً بيد دائرة ضيقة من قيادات الهيئة السابقة.

كما تم حل جميع الأحزاب، دون السماح بتأسيس بدائل، ما يعزز المخاوف من نشوء نظام سلطوي جديد.

تحديات أمنية

وتفاقمت هذه المخاوف مع استخدام القوة بشكل مفرط في بعض العمليات الأمنية، كما حدث في الساحل والسويداء، حيث سقط مئات المدنيين، وبرزت توترات ذات طابع طائفي.

كما لا تزال الدولة عاجزة عن فرض الأمن الكامل، في ظل نشاط شبكات إجرامية وفصائل مسلحة في عدة مناطق.

في المحصلة، ترى المجلة أن جوهر المشكلة يكمن في أن المرحلة الانتقالية لا تزال غير مكتملة، فالمؤسسات الجديدة لم تنجح حتى الآن في إقناع السوريين بأنها تمثلهم فعلياً أو تحمي مصالحهم، كما أن القيادة، رغم بعض الخطوات التكتيكية، لم تقدم تنازلات سياسية حقيقية، ولم تطرح تصوراً واضحاً لكيفية توزيع السلطة.

وقد جرى التعامل مع إعادة بناء الدولة باعتبارها مسألة إدارية، في حين أن البعد السياسي والاجتماعي لا يقل أهمية.

الطريق إلى الاستقرار

وتخلص المجلة إلى أن أي استقرار طويل الأمد في سوريا يتطلب انفتاحاً سياسياً حقيقياً، يقوم على توسيع قاعدة المشاركة، وتفعيل دور المؤسسات، والسماح بتعددية سياسية، ودمج مختلف المكونات، بما في ذلك الأكراد، بشكل متساوٍ.

وترى الصحيفة أن التشبث بالسلطة، وفق هذا الطرح، قد يؤدي إلى فقدان الشرعية الداخلية، ويقوض المكاسب التي تحققت خارجياً، ويبقى مستقبل سوريا مرهوناً بقدرة قيادتها على إقناع السوريين بأن الدولة الجديدة تمثلهم جميعاً، لا أن تكون حكراً على فئة محددة.

أما البديل، فهو دولة تحظى باعتراف دولي، لكنها تعاني انقساماً داخلياً، ما يجعلها عرضة لأزمات متكررة وربما صراعات جديدة.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم