رغم إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، تكشف التطورات الميدانية في لبنان عن مسار مغاير، حيث تتواصل الغارات الإسرائيلية بوتيرة مكثفة، مستهدفة مناطق واسعة، في وقت تتصاعد فيه الخسائر البشرية وتتجه المنظومة الصحية نحو الانهيار.
وأعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ نحو 100 ضربة خلال دقائق، فيما طالت الغارات أحياء سكنية في بيروت والجنوب والبقاع، وسط سقوط مئات القتلى والجرحى، وفق بيانات رسمية وتقارير ميدانية.
بالتوازي، وصف الصليب الأحمر الوضع بـ”الصعب جداً”، مع تشغيل عشرات سيارات الإسعاف بشكل متواصل، في حين دعت وزارة الصحة إلى فتح الطرق أمام فرق الإنقاذ.
لكن خلف هذا التصعيد، يبرز سؤال يتجاوز الأرقام، لماذا تتصاعد الضربات في لبنان تحديداً، رغم الحديث عن تهدئة إقليمية أوسع؟
جبهة مفتوحة.. رغم الهدنة
اللافت أن الضربات الإسرائيلية تزامنت مع إعلان تفاهمات أولية بين واشنطن وطهران، ما دفع مراقبين إلى اعتبار أن “الهدنة” لم تشمل فعلياً الساحة اللبنانية.
بل على العكس، تبدو هذه الجبهة الأكثر اشتعالاً، في وقت تراجعت فيه وتيرة المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، ما يطرح فرضية إعادة توزيع ساحات الضغط.

في المقابل، يواصل “حزب الله” عملياته العسكرية، معلناً استهداف مواقع إسرائيلية وإطلاق صواريخ باتجاه الجليل، ما يعكس استمرار انخراطه الكامل في المواجهة.
غير أن هذا الانخراط يجري في ظل غياب أي مؤشرات على غطاء سياسي إيراني مباشر يوازي حجم التصعيد، خصوصاً مع انتقال طهران إلى مسار تفاوضي، يتضمن شروطاً تتعلق بمضيق هرمز والعقوبات.
ووفقاًُ لمراقبين، هذا التباين بين المسارين التصعيد في لبنان والانفتاح السياسي الإيراني، يدفع إلى تساؤلات حول موقع الحزب في معادلة التهدئة.
استهدافات واسعة لـ”حزب الله”
في السياق، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن “الضربة التي تعرض لها حزب الله اليوم هي الأكبر”، مضيفاً أن إسرائيل “أصرت على فصل الحرب مع إيران عن القتال في لبنان بهدف تغيير الواقع الأمني وإزالة التهديدات في الشمال”.
تحدثت تقارير إسرائيلية عن استهداف موقع يعتقد أنه يضم الأمين العام للحزب نعيم قاسم، بينما نفت وسائل إعلام إسرائيلية رسمية أن يكون هدفاً مباشراً للغارات.
وقال كاتس في أحدث تعليق، إن إسرائيل كانت قد حذرت نعيم قاسم من أن “حزب الله” سيدفع الثمن باهظاً لمهاجمته إسرائيل نيابة عن إيران.
في المقابل، أفادت مصادر مقربة من الحزب بمقتل الشيخ صادق النابلسي في غارة استهدفت مجمع الزهراء في صيدا، وهو شخصية دينية قريبة من الحزب وشقيق مسؤول إعلامي سابق اغتالته إسرائيل عام 2024.
غارات “الأعنف منذ بدء الحرب”
ميدانياً، أدت كثافة الغارات إلى موجات نزوح واسعة، وزحمة خانقة أعاقت وصول سيارات الإسعاف، في مشهد يعكس ضغطاً إنسانياً متزايداً يتجاوز القدرة المحلية على الاستجابة.

ونقلت وكالة “رويترز” عن مصدر أمني لبناني قوله إن هذه الجولة من القصف “هي الأعنف منذ بدء الحرب”.
كما أفادت مصادر في الدفاع المدني اللبناني بسقوط عشرات القتلى والجرحى. وقال شهود عيان لوكالة “رويترز” إن مصابين اضطروا لترك سياراتهم في شوارع بيروت المزدحمة والتوجه سيراً إلى المستشفيات، والدماء تغطي أجسادهم.
في الأثناء، ناشدت المستشفيات المواطنين التبرع بالدم، وسط تحذيرات طبية من تفاقم الضغط على القطاع الصحي مع استمرار الغارات.
ويرى محللون أن استمرار الضربات في لبنان، بالتزامن مع مسار تفاوضي بين طهران وواشنطن، قد يشير إلى محاولة “فصل المسارات”، بحيث يتم احتواء المواجهة المباشرة، مقابل إبقاء الضغط عبر الساحات الإقليمية.
لكن هذا النمط يضع “حزب الله” في موقع المواجهة المفتوحة، دون ضمانات واضحة، ما يعزز فرضية استخدام الجبهة اللبنانية كورقة تفاوض غير مباشرة.
- 6993 قتيلاً و363 مجزرة.. حصيلة 9 سنوات من التدخل الروسي في سوريا
- إيران تتحرك بين موسكو والدوحة مع تصاعد الضغوط الأميركية
- بعد رفع قيود الاستيراد.. هل تخسر سوريا مصانعها لصالح المنتجات الأرخص؟
- بعد الانسحاب الأميركي.. العراق أمام فصل أمني جديد عنوانه “نزع السلاح والحفاظ على الأمن”
- الليرة السورية تفقد 4% من قيمتها.. هل اقتربت لحظة الانفلات؟

