وثّقت شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة ممارسات رافقت عملية التقدّم للحصول على الجنسية السورية في المحافظة، تمثّلت في تسجيل متقدمين/ات كُرد بصفة “عربي سوري” ضمن الاستمارات الرسمية.
وأضافت أن هذه الحالات، التي رُصدت ميدانياً، أثارت استياءً واسعاً بين المتقدمين/ات، وطرحت تساؤلات حول مدى الالتزام بالمرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي نصّ على الاعتراف بالكرد كجزء أصيل من الشعب السوري وعلى معالجة آثار السياسات التمييزية السابقة.
توثيق ميداني
وقالت الشبكة إنها وثّقت، من خلال متابعات ميدانية في مراكز تقديم طلبات الحصول على الجنسية السورية التابعة لوزارة الداخلية، حالات متكررة لتسجيل متقدمين/ات كُرد في الاستمارات الرسمية بصفة “عربي سوري”، مشيرةً إلى أن هذه الممارسات أثارت استياءً واسعاً بين المتقدمين/ات الكُرد.
وأضافت أن هذه الحالات جرى توثيقها في المراكز المعتمدة في القامشلي/قامشلو، الحسكة، المالكية/ديريك، الدرباسية، والجوادية/جل آغا، معتبرةً أن ما جرى يتعارض مع نص المادة (1) من المرسوم، التي أكدت أن “المواطنين السوريين الكرد جزءاً أساسياً وأصيلاً من الشعب السوري، وتعد هويتهم الثقافية واللغوية جزءاً لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية”.
وتعود قضية الحرمان من الجنسية في محافظة الحسكة إلى إحصاء عام 1962، الذي جرّد مئات الآلاف من الكُرد من الجنسية، حيث صُنّفوا إلى “أجانب الحسكة” و“مكتومي القيد”، ما حرمهم من الوثائق القانونية والحقوق الأساسية. وقد امتدت آثار هذا الحرمان عبر الأجيال، إذ وُلد أطفال بلا أوراق ثبوتية، وحُرموا من التعليم والعمل والملكية وحرية التنقل.
مخالفة قانونية
واعتبرت الشبكة أن إدراج توصيفات قومية غير دقيقة أو مفروضة يشكّل مخالفة لجوهر المرسوم ومبادئه، إذ يتناقض مع الهدف الأساسي منه المتمثل في إنصاف ضحايا سياسات التمييز السابقة، لا إعادة إنتاجها بصيغ إدارية جديدة، كما رأت أن ذلك يمسّ بحق الأفراد في تعريف هويتهم بحرية وكرامة.
وأضافت أن هذه الممارسات قد ترقى إلى مستوى التمييز الإداري غير المباشر، حيث تؤدي إجراءات شكلية موحّدة عملياً إلى تهميش الهوية الكُردية، رغم أن المادة (2) من المرسوم نصّت على التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، فيما شددت المادة (6) على حظر أي تمييز أو إقصاء على أساس عرقي أو لغوي.
وأشارت إلى أن منح الجنسية، بوصفه حقاً قانونياً أساسياً، يفترض أن يتم ضمن إطار حيادي بالكامل، دون أي إعادة تصنيف قسري أو ضمني للهوية القومية أو الثقافية. ويأتي صدور المرسوم رقم (13) في 16 كانون الثاني/يناير 2026 في سياق تطورات ميدانية وسياسية شهدتها مناطق شمال شرقي سوريا، عقب هجوم شنّته قوات حكومية وأخرى تركية على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وما رافق ذلك من جدل حول الالتزام باتفاق 10 آذار الذي تضمّن تعهداً حكومياً بعدم اللجوء إلى الحل العسكري.
تبعات “التعريب”
وحذّرت الشبكة من أن استمرار هذا النهج قد يقوّض ثقة الضحايا بالعملية الجارية ويحدّ من إقبالهم/ن على التقديم، كما قد يفتح الباب أمام الطعن في شرعية الإجراءات ونتائجها مستقبلاً.
وأضافت أن هذه الممارسات قد تؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط التمييز والإقصاء التي عانى منها الكُرد لعقود، إضافة إلى تفريغ المرسوم من مضمونه كخطوة إصلاحية وعدلية، رغم أن المادة (4) منه نصّت على إلغاء آثار إحصاء عام 1962 ومنح الجنسية للمواطنين من أصول كردية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم في الحقوق والواجبات.
وبلغ عدد المتضررين أكثر من 517 ألف شخص حتى عام 2011، ورغم صدور المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 2011، الذي أعاد الجنسية لغالبية “الأجانب”، بقي أكثر من 150 ألف شخص-معظمهم من مكتومي القيد-خارج إطار الجنسية، بحسب ما ورد في بيان إطلاق شبكة ضحايا انعدام الجنسية.
دعوات عاجلة
ودعت الشبكة الحكومة السورية الانتقالية إلى اتخاذ إجراءات فورية، تشمل تصحيح الاستمارات المعتمدة وإزالة أي توصيفات مسبقة، وإصدار تعميم إداري ملزم يمنع فرض أي توصيف قومي، مع اعتماد البيانات كما يصرّح بها أصحاب الطلبات.

كما طالبت بإنشاء آلية شكاوى مستقلة وفعالة، وضمان الشفافية في جميع مراحل العملية، بما في ذلك المقابلات وتثبيت البصمات وإعلان النتائج، إضافة إلى تعزيز الرقابة المستقلة عبر إشراك منظمات المجتمع المدني، انسجاماً مع المادة (7) من المرسوم.
وعلى المستوى الدولي، دعت الأمم المتحدة والمنظمات المعنية إلى متابعة تنفيذ المرسوم عن كثب، والضغط لضمان الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، خاصة مبدأ عدم التمييز، ودعم جهود التوعية القانونية للفئات الأكثر تهميشاً، والمساهمة في إنشاء آليات رقابة مستقلة.
الاعتراف القانوني
وأكدت شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة أن الحق في الجنسية هو حق أساسي غير قابل للتجزئة، ويرتبط بالاعتراف القانوني والتمتع بسائر الحقوق، محذّرةً من أن أي معالجة جزئية أو مشوّهة لهذا الملف لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الظلم.
وأضافت أن هذه اللحظة تمثّل اختباراً لمدى التزام السلطات بمبادئ العدالة الانتقالية والمواطنة المتساوية واحترام التعددية، مشددةً على أن نجاح العملية يبقى مرهوناً باحترام كرامة الضحايا وهوياتهم، وضمان عدم فرض أي تعريف قسري عليهم.
وكان قد أُعلن في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2025 عن تأسيس شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة كمبادرة يقودها المتضررون أنفسهم، بهدف التنسيق والدفاع عن الحق في الجنسية، والعمل على تمكين الضحايا من تمثيل قضيتهم ضمن مقاربة حقوقية تشمل الاعتراف وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار.
- روسيا ترفع حضورها النووي في إيران.. بناء وحدتين جديدتين في محطة بوشهر
- مطار المزة إلى الاستخدام المدني.. أسئلة حول المقابر الجماعية وحقوق الملكية المصادرة
- إيران و”كلود”.. كيف استغل الذكاء الاصطناعي في التجسس والدعاية؟
- حرب الممرات: لماذا تحارب إسرائيل تحول سوريا إلى بوابة جديدة للتجارة والطاقة؟
- “أنثروبيك”: الصين استخدمت الذكاء الاصطناعي للتجسس والتجنيد في سوريا

