تآكل المعيشة تحت وطأة الأرقام الموجّهة: قراءة في تراجع القدرة الشرائية وأزمة الإنتاج في إيران

في الأيام الأخيرة، بدا المشهد الاقتصادي في إيران أسير تناقض واضح بين الرواية الرسمية والواقع الميداني الصريح. فبينما تتحدث وكالات أنباء حكومية مثل إرنا وفارس، في تقارير منشورة، عن نمو الإنتاج وضبط السيولة، ترسم تغطيات وكالات عمالية وطلابية مثل إيلنا وإيسنا صورة مختلفة تمامًا: موائد خاوية واحتجاجات مطلبية. وتعكس هذه الفجوة العميقة إخفاق السياسات التي سعت، تحت شعار “المرونة الاقتصادية”، إلى تحميل الفئات الأضعف في المجتمع العبء الأكبر للعقوبات وسوء الإدارة. كما تشير التحليلات الدولية، المتسقة مع المشاهدات الداخلية، إلى أن قدرة المواطنين على التحمل الاقتصادي بلغت مستويات حرجة.

وتُظهر تقارير منشورة في وسائل إعلام معتبرة، مثل القسم الاقتصادي في ياهو فاينانس وصحيفة نيويورك تايمز، أن البنية الاقتصادية في إيران تواجه “انسدادًا داخليًا”. وتؤكد هذه المصادر أن الحكومة، رغم حديثها عن الالتفاف على العقوبات، أخفقت في تأمين الاحتياجات الأساسية للصناعات الأم والحفاظ على قيمة العملة الوطنية. وفي الوقت نفسه، أدى غياب التناسب بين معدل التضخم الحقيقي وزيادات الأجور إلى ترسيخ ظاهرة “فقر العاملين” بوصفها سمة ثابتة في المجتمع؛ وهي حالة لا يعود فيها حتى العمل بدوام كامل كافيًا لتجاوز خط الفقر.

أزمة في الأقطاب الصناعية؛ موجة تسريحات وموائد العمال على حافة الانهيار

ومن بين أكثر التطورات إثارة للقلق خلال الأسبوع الماضي، ورود تقارير عن عمليات تسريح واسعة في الوحدات الإنتاجية الكبرى. وقد تناولت صحيفة نيويورك تايمز، في تحليل مفصل، أوضاع المدن الصناعية في إيران، مشيرة إلى أن كثيرًا من المصانع لم تجد بدًا من تقليص الورديات وتسريح العمال بسبب عجزها عن توفير العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد القطع والمواد الأولية. وتتطابق هذه التقارير مع ما نشرته وكالة إيلنا عن تجمعات احتجاجية في محافظتي مركزي وأصفهان. فالعمال في هذه المناطق لا يحتجون فقط على انعدام الأمان الوظيفي، بل يشكون أيضًا من متأخرات أجور تمتد لأشهر عدة، وهي أجور تتآكل قدرتها الشرائية يومًا بعد يوم في ظل التضخم الحالي.

دعا الزعيم الجديد لإيران أصحاب الأعمال المتضررين إلى تجنب تسريح العمال

ولا تقتصر مشكلات قطاع الإنتاج على نقص السيولة؛ إذ إن التوقعات بانقطاعات متكررة للكهرباء في الصيف ونقص الغاز في الأشهر المقبلة أبطأت عجلة الصناعة. ووفقًا لتقرير وكالة مهر، حذر كثير من مديري الصناعات في القطاع الخاص من أن استمرار هذا المسار سيرفع الكلفة النهائية للسلع بشكل كبير. وهذه الزيادة في الكلفة تنتقل مباشرة إلى المستهلك النهائي، ما يفاقم الضغط على الشرائح الأدنى دخلًا. وبينما تحدث عبد الناصر همتي، وزير الشؤون الاقتصادية والمالية، في اجتماعاته الأخيرة عن ضرورة دعم القطاع الخاص، فإن السياسات الضريبية الهجومية التي تنتهجها الحكومة لتعويض عجز الموازنة تخنق فعليًا المنتجين الصغار والمتوسطين.

ماراثون التضخم والمأزق النقدي؛ معركة غير متكافئة للريال في مواجهة الدولار الأمريكي

وفي مجال السياسات النقدية، لا تزال تقلبات سوق الصرف تؤدي دور المحرك الأساسي للتضخم. وأشار “ياهو فاينانس” في تقرير تحليلي إلى أن “المرونة الاقتصادية” في إيران تعني الإزالة التدريجية للطبقة الوسطى ودفعها إلى ما دون خط الفقر. ورغم أن محمد رضا فرزين، محافظ البنك المركزي، يتحدث باستمرار عن الاستقرار في سوق الصرف والسيطرة على الأسعار، فإن الوقائع المتداولة في قنوات تلغرام الإخبارية وشبكات التواصل الاجتماعي مثل إكس تشير إلى ارتفاع متواصل في سعر الدولار الأمريكي، وما يترتب على ذلك من قفزات في أسعار السلع. وهذا التناقض بين السعر الرسمي وسعر السوق الحرة خلق ريعًا ضخمًا لا تستفيد منه إلا مجموعات محددة مرتبطة ببنية السلطة، فيما يُترك عامة الناس في مأزق معيشي خانق.

أشخاص داخل متجر للبيع بالجملة في طهران – New York Times

وتناولت وكالة إيسنا، في تقرير لها، أسعار المواد الغذائية خلال الأسبوع الماضي، مشيرة إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار البروتينات ومنتجات الألبان. وتُظهر هذه التقارير أن كثيرًا من الأسر الإيرانية اضطرت إلى حذف مواد غذائية أساسية من نظامها الغذائي. أما السياسات الانكماشية التي تنفذها الحكومة بهدف كبح التضخم، فقد أفضت عمليًا إلى ركود عميق لم يؤدِّ إلى خفض التضخم، بل وسّع دائرة البطالة فحسب. ويعبّر مستخدمون إيرانيون عن انتقادات حادة لما يسمونه “الضرائب الخفية” وارتفاع أسعار الخدمات الحكومية. وهم يرون أن الحكومة، بدلًا من إصلاح البنى الفاسدة وخفض النفقات غير الضرورية للهيئات الخاصة، تسعى إلى تمويل موازنتها من جيوب مواطنين لم يعد لديهم ما يتحملون به مزيدًا من الضغوط.

تآكل رأس المال البشري وأفق قاتم للتوظيف في القطاع الخاص

والنتيجة المباشرة لهذا الوضع الاقتصادي هي تآكل غير مسبوق في رأس المال البشري في البلاد. وقد أشارت وكالتا إيسنا وإيلنا، في تقارير ميدانية، إلى تزايد الرغبة في الهجرة، ليس فقط بين الأطباء والمهندسين، بل أيضًا بين العمال الفنيين والكوادر الماهرة. فعندما يرى متخصص أو عامل متمرس أن راتبه الشهري لا يكفي حتى لإيجار شقة صغيرة في أطراف المدينة، فإنه لا يجد سبيلًا للنجاة سوى مغادرة البلاد. وهذه الظاهرة، التي وصفتها تقارير نيويورك تايمز أيضًا بأنها “استنزاف القدرة الإنتاجية لإيران”، ستوجه ضربة لا يمكن تعويضها إلى المستقبل الاقتصادي للبلاد.

بسبب هجرة الممرضين، تواجه مستشفيات إيران نقصًا حادًا في الكوادر

ومع تجاهل الحكومة لهذه التحذيرات وتركيزها على الأرقام الورقية، فإنها تبدو عاجزة عن استيعاب عمق حالة السخط. وفي حين تحاول وسائل إعلام مثل وكالة فارس إظهار الأجواء على أنها هادئة عبر نشر أخبار عن خطط الدعم والإعانات، فإن الواقع هو أن المبالغ الزهيدة لهذه الإعانات تآكلت عمليًا أمام موجة الغلاء. وتمتلئ الأجواء العامة على تلغرام وإكس باحتجاجات تظهر أن ثقة الناس بالوعود الاقتصادية للمسؤولين هبطت إلى أدنى مستوياتها. وقد تحول هذا انعدام الثقة بحد ذاته إلى عامل إضافي في زيادة الاضطرابات الاقتصادية، إذ يندفع المواطنون، حفاظًا على القيمة القليلة لما يملكونه، نحو الأسواق غير المنتجة مثل العملات الأجنبية والذهب بدلًا من الاستثمار في قطاع الإنتاج.

وتفيد مجمل تقارير وكالات الأنباء المحلية وتحليلات وسائل الإعلام الدولية خلال الأسبوع الأخير بأن الاقتصاد الإيراني عالق في حلقة مدمرة من التضخم والركود وسوء الإدارة. فالسياسات الحالية، التي صيغت على أساس توقعات غير واقعية ونظرة مجردة إلى معيشة الناس، لم تفشل فقط في حل الأزمة، بل تحولت هي نفسها إلى عامل لتعميق الفقر. إن الفجوة بين الأرقام الحكومية وموائد الناس تمثل جرس إنذار خطيرًا للاستقرار الاجتماعي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم