قدم قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، الأدميرال تشارلز برادفورد كوبر الثاني، إفادة مطولة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، كشف من خلالها النقاب عن تحوّل جوهري في مقاربة واشنطن للملف السوري.
وتمحورت الإفادة حول جعل استقرار سوريا وأمنها ركيزةً أساسيةً ترتبط مباشرةً مع الأمن القومي الأميركي الداخلي.
سوريا في قلب الاستراتيجية الأميركية
جاءت الإفادة التي أدلى بها الأدميرال كوبر، أمس الخميس، لتجسد رؤية استراتيجية جديدة، قوامها اعتبار سوريا “مركز الثقل” في الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، حيث تمثل مرحلة ما بعد انهيار نظام الأسد البائد، بالتزامن مع متغيرات غزة ولبنان، “لحظةً مفصلية” لإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

وترى القيادة المركزية أن الانتقال بهذه المنطقة من واقع الفوضى والصراع إلى نموذج قائم على أسس التجارة والاستقرار والازدهار لم يعد خياراً بل ضرورة حتمية لضمان الأمن الإقليمي والدولي.
وفي إطار هذا التوجه، كشفت الوثيقة عن توسع براغماتي في التعاون بين الولايات المتحدة والحكومة السورية الجديدة في مجال مكافحة الإرهاب، والتي تجسدت ذروته بانضمام دمشق رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي.
تحذيرات من عودة التنظيم
رغم هذا التطور الدبلوماسي الملحوظ، تضمن التقرير تحذيرات أميركية، مفادها أن رقعةً واسعةً من الأراضي السورية ما زالت تقع خارج سلطة الدولة المركزية، مما يجعل الدعم الخارجي ضرورة ملحّة لدرء أي محاولة من التنظيم لاستعادة نفوذه.
أفادت المعطيات أن التنظيم فقد سيطرته الإقليمية على العراق وسوريا منذ العام 2019، وشهد عدد هجماته تراجعاً بنسبة سبعين بالمئة منذ 2023، غير أن الإفادة عادت لتحذر من أن التنظيم لا يزال يمتلك القدرة على شنّ هجمات نوعية، مستشهدة بالهجوم الدامي الذي وقع في مدينة تدمر في كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، والذي أودى بحياة عنصرين من القوات الأميركية ومترجم مدني.
ولم يقف التهديد عند حدود النشاط المباشر للتنظيم، بل امتد ليشمل تداعيات الانسحاب غير المنسق لـ “قوات سوريا الديمقراطية” من مخيم الهول تحت ضغط الحكومة السورية، وهو ما أفضى بحسب الوثيقة إلى حالة من الفوضى وتشتت أعدادٍ من النازحين، الأمر الذي تعتبره واشنطن كارثةً أمنية قد توفر بيئة خصبة لإعادة تنشيط خلايا التنظيم النائمة.
الأولوية الأميركية
من هنا، ركزت رؤية “سنتكوم” على أن استقرار سوريا ومنع انزلاقها مجدداً نحو حربٍ أهلية طويلة الأمد، لم يعد مجرد هدف إنساني، بل شرطاً مسبقاً وحاسماً لمنع إعادة تشكّل التنظيمات المتطرفة التي قد تحولّ أنظارها مستقبلاً لاستهداف الداخل الأميركي.

ولم يكن هذا المسار التعاوني بين واشنطن ودمشق وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لتحول استراتيجي بدأ يتشكل عقب سقوط النظام السابق في كانون الأول/ ديسمبر من عام 2024.
ووجد هذا التوجه صدى له في تصريحات وزير الخارجية الأميركي، مايك روبيو، الذي أكد خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو في شباط/ فبراير الماضي، أن الإدارة الأميركية اختارت “العمل مع الحكومة السورية والرئيس الانتقالي أحمد الشرع لتفادي سيناريو التفكك والفوضى والحرب الأهلية”، موضحاً أن هذا الخيار، رغم ما يحمله من صعوبات، يبقى السبيل الأكثر واقعية لمنع عودة تنظيم “الدولة الإسلامية”.
زيارة دمشق ترسّخ التقارب
في خطوةٍ تاريخية تُجسّد هذا التحول، قام الأدميرال كوبر نفسه بزيارةٍ غير مسبوقة إلى العاصمة دمشق في أيلول/ سبتمبر الماضي، التقى خلالها بالرئيس السوري في قصر الشعب، وناقشا حينها آفاق التعاون في المجالين السياسي والعسكري، لتكون هذه الزيارة الأولى من نوعها لقائد القيادة المركزية الأميركية إلى سوريا منذ سنوات طويلة.
أعرب قائد “سنتكوم” والمبعوث الأميركي توماس براك عن شكرهما للرئيس الشرع على دعمه لجهود مواجهة التنظيم في سوريا، مؤكدين أن القضاء على تهديد “داعش” في سوريا سيحدّ بشكل كبير من إمكانية قيام التنظيم باستهداف الأراضي الأميركية.
كما أشاد الجانبان بدور سوريا في دعم جهود استعادة المواطنين الأميركيين المفقودين داخل البلاد، وأكدا التزامهما بمواصلة المساعي الداعمة للأهداف الأميركية في المنطقة، ومن ذلك الدفع نحو دمج مختلف الفصائل المسلحة في الجيش السوري النظامي.
الأمن الأميركي يبدأ من دمشق
من جانبها، أوضحت الرئاسة السورية أن اللقاء عكس أجواءً إيجابية وحرصاً متبادلاً على تعزيز “الشراكة الاستراتيجية”، وتوسيع قنوات التواصل بين البلدين على مختلف المستويات لخدمة المصالح المشتركة وترسيخ الاستقرار في المنطقة.

تستقرئ واشنطن مستقبل سوريا اليوم بأعين أمنية لا تفصل بين استقرار العاصمة دمشق وحماية الشارع الأميركي من مخاطر الإرهاب العابر للحدود، فمن خلال اعتبار سوريا مركز ثقل المعركة ضد “داعش”، والبناء على تعاون أمني براغماتي وشراكة متنامية مع الحكومة السورية الجديدة، تسعى إدارة ترامب إلى إعادة صياغة المعادلة السورية بما يضمن عدم تحول البلاد مجدداً إلى ملاذ آمن للتطرف والعنف.
ورغم التحذيرات المستمرة من بقاء التهديد قائماً والمخاوف من هشاشة الوضع في مناطق مثل مخيم الهول، فإن واشنطن تراهن على استمرار هذا الزخم التعاوني لترسيخ نموذج استقرار جديد يمنع عودة الإرهاب، ويعيد تشكيل مستقبل الشرق الأوسط وفق رؤية قائمة على التجارة والسلام بدل الفوضى والحرب.

