بينما يترقب الجميع الوضع الميداني والدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، تعمل الأخيرة على تعميق انخراط لبنان، أو بالأحرى “حزب الله”، في قلب المعركة والصراع، فيما تحرص واشنطن على تنظيم جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب لفكّ الارتباط العضوي بين لبنان وإيران، وسط استمرار الحرب المفتوحة على الحدود الجنوبية.
وتظهر تقارير ميدانية حديثة أن جولات التفاوض بين لبنان وإسرائيل، التي تُعقد برعاية أميركية في واشنطن، تأتي ضمن محاولة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك على الحدود الجنوبية بلبنان، في وقت تشير فيه بيانات دولية إلى استمرار العمليات العسكرية رغم الإطار التفاوضي، ما يعكس هشاشة أي تسوية قيد التشكل.
يبقى الرهان على نجاح الفاعلين في الداخل اللبناني، بعيداً عن “حزب الله” ومرجعه في طهران، في تمكين الدولة اللبنانية من نزع مراكز القوى التابعة للحزب، فضلاً عن نزع سلاحه، وإبقاء الجيش اللبناني القوة الرئيسية والمركزية، بحيث يكون السلاح حصراً بيد الدولة والجيش الوطني.
وفي هذا الصدد، عدَّ منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان، عمران ريزا، اليوم الجمعة أن المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل تمثل “فرصة حاسمة” لوقف الأعمال القتالية، في ظل استمرار التصعيد الميداني، معرباً عن أمله في أن تمهّد الجهود الدبلوماسية الطريق نحو حل سياسي، محذّراً في الوقت نفسه من “واقع مقلق للغاية” على الأرض، مع استمرار الغارات الجوية وعمليات الهدم التي توقع خسائر كبيرة في صفوف المدنيين وتلحق أضراراً بالبنية التحتية، وفق ما نقلته وسائل الإعلام.
مفاوضات وهشاشة الوضع الميداني بلبنان
منذ اندلاع الحرب في غزة عقب هجمات حركة “حماس” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، ضد إسرائيل، وما تبعها من فتح جبهة جنوب لبنان بين “حزب الله” وإسرائيل، يغرق لبنان في متاهة الفوضى الإقليمية، حيث يعيش مرحلة سياسية وميدانية تتأرجح بين خطوط الحرب ودبلوماسية الهدنة؛ فلا مواجهة شاملة ولا أفق سياسي واضح.
واليوم يبدو أن الميدان والمفاوضات هما عنوان المرحلة وحقيقتها؛ إذ تنعقد هذه الجولة على وقع تصاعد العمليات العسكرية، مع استمرار الغارات الإسرائيلية وعمليات الاغتيال التي امتدت من جنوب لبنان إلى البقاع ومشارف بيروت. على المقلب الآخر، يواصل “حزب الله” هجماته على القوات والمواقع الإسرائيلية في جنوب لبنان وداخل إسرائيل.
والتقى مفاوضون لبنانيون وإسرائيليون في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، الخميس، في محاولة لمنع انهيار وقف إطلاق النار الهش قبل انتهاء مدته الأحد المقبل، وسط استمرار التباعد بين الجانبين حول القضايا الجوهرية.
ووصفت الولايات المتحدة المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن بأنها “مثمرة وإيجابية”، مؤكدة استمرارها الجمعة، في ثالث جولة تفاوضية بين الجانبين منذ تصاعد المواجهات الأخيرة جنوب لبنان.
وبحسب مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، تركز المباحثات على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع التصعيد، ونزع سلاح “حزب الله”، والدفع نحو تفاهمات أمنية أوسع، فيما طالبت بيروت بجدول زمني لانسحاب إسرائيل من أراضيها. وجاءت المحادثات على وقع تصاعد ميداني مستمر، رغم الهدنة التي أُبرمت برعاية أميركية في نيسان/أبريل الماضي.

وبالتالي، ومع استضافة العاصمة الأميركية واشنطن، جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توسيع مسار التفاهمات بين لبنان وإسرائيل، وذلك عبر وضع “خريطة طريق” تقود إلى اتفاق سلام مستقبلي بين الجانبين.
وبحسب التقديرات، تنظر واشنطن إلى “حزب الله” باعتباره العقبة الأساسية أمام أي تسوية، فيما تربط الإدارة الأميركية بين تثبيت التهدئة وتعزيز دور الدولة اللبنانية أمنياً وسياسياً. كما ثمة مساعٍ أميركية لفصل المسار اللبناني الإسرائيلي عن المفاوضات مع إيران، مع الحفاظ على نوع من “التزامن السياسي” بين الملفات الإقليمية المختلفة.
وبينما أعلن الرئيس ترامب أكثر من مرة الهدنة منذ اندلاع المواجهات العسكرية، فإن التصعيدات العسكرية في لبنان تحديداً لم يعرف الهدوء أبداً، إذ لم تتوقف الأعمال القتالية بشكل كامل، لا سيما في جنوب لبنان.
وتسببت المواجهات الأخيرة بنزوح أكثر من 1.2 مليون مدني لبناني، عقب أوامر إخلاء إسرائيلية شملت نحو 15 بالمئة من الأراضي اللبنانية. وفيما أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف مخازن أسلحة تابعة لـ”حزب الله”، قال الأخير إنه نفذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد مواقع إسرائيلية عدة.
مسار التفاوض يهدد سردية “المقاومة” لدى “الحزب”
تبدو الأعمال العسكرية في لبنان أعمق من مجرد مناوشات يقودها “حزب الله” أو ارتباط مباشر بالجانب الأمني الإسرائيلي، بل إنها تعبّر بوضوح عن مشهد إقليمي معقد ومضطرب، تتشابك فيه مختلف الخيوط السياسية والعسكرية والأمنية.
إذ تبدو النقاشات الدائرة حول التفاوض مع إسرائيل مؤشراً إلى تحولات لافتة في المشهد اللبناني، تتمثل في الانتقال التدريجي من مبدأ “المواجهة المفتوحة” إلى البحث عن تسوية أمنية وسياسية تقلّل كلفة الصراع على الدولة والمجتمع. غير أن هذا التحول، رغم واقعيته ووجود قوى مؤيدة له، يصطدم بقوى أخرى ترى أن أي مسار تفاوضي يهدد سردية “المقاومة” ودورها الإقليمي، وهو ما يفسر استمرار التوتر السياسي والعسكري المحيط بالمفاوضات.
إن محددات المشهد، سواء ميدانياً أو سياسياً، في مختلف أرجاء لبنان، ولا سيما مناطق الجنوب، لم تعد محصورة داخل الأفق اللبناني فحسب، بل تجاوزت ذلك ارتباطاً بحسابات إقليمية أوسع، الأمر الذي يثير سؤالاً منطقياً حول مدى إدراك اللبنانيين للمسافات الفاصلة بين مصالحهم الوطنية ومصالح ما يُعرف بمحور المقاومة.
ومن هنا، قد يبدو منطقياً أن تهتم واشنطن، على هامش أي مفاوضات مرتبطة بطهران وتل أبيب، بأولوية وقف إطلاق النار، لكنها تنظر أيضاً بعين الاهتمام الاستراتيجي إلى مقاربة يُفترض أن تفضي إلى الانتقال من زمن الساحات المفتوحة إلى زمن الدولة الوطنية المستقلة، ومن منطق المحاور والأذرع العقائدية إلى منطق المصلحة اللبنانية المباشرة.
مغامرات إيران بشعوب المنطقة عبر أذرعها
ثمة تزامن لافت مع ملامح جهود سياسية على مختلف المواجهات العسكرية، سواء بين طهران وواشنطن أو بين تل أبيب وبيروت، وقد نجح الجميع في خلط الأوراق وربطها بمصير واحد، في مشهد معقد ومتناقض إلى حد كبير؛ حيث صاغت إيران في الأصل جدارية الأمان الخاصة بها بحزام عقائدي يمتد عبر جغرافيا دول المحور، غير أن التطورات الأخيرة أقحمت إيران وجغرافيتها وقياداتها في خانة الحرب، وباتت الأذرع العقائدية مسارات وظيفية تُشغّل حسب الحاجة وتُعمّق حسب الضرورة. وتذهب الدول والشعوب حيث تريد.
من خلال ذلك، تتحرك آليات “حزب الله” في الداخل اللبناني على المنوال نفسه، باعتباره جزءاً أصيلاً من المشروع العضوي العدائي لإيران في إقليم الشرق الأوسط.
وفي المقابل، تجابه تل أبيب هذا التوجه، بل وربما ترفضه، وهو ما يفسر استمرار العمليات العسكرية الميدانية لإسرائيل على طول نهر الليطاني وما بعده، ويضع الدولة اللبنانية ومؤسساتها أمام معضلة حقيقية.

وعليه، يبدو أن الدولة اللبنانية ماضية في مسار المفاوضات، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن “حزب الله” قد لا يكون قادراً على تعطيل المسار التفاوضي نفسه، لكنه قد يتحرك نحو تعطيل مخرجاته.
وفي ضوء ذلك، قد يكون من المنطقي انخراط الوفد اللبناني في طرح ملفات تتعلق بانسحاب إسرائيل من الجنوب، وعودة النازحين إلى قراهم، إضافة إلى ملف الأسرى، وفي الوقت نفسه لن تدع الولايات المتحدة وإسرائيل أي تقدم في مسار المفاوضات دون ربطه بملف سلاح “حزب الله”.
وفي غياب مؤشرات حاسمة على نجاح المفاوضات في إنتاج تهدئة مستقرة، يبقى لبنان عالقاً بين حرب لم تنتهِ فعلياً، وهدنة لم تنجح حتى الآن في فرض الاستقرار.
في سياق متصل، تتعمد إيران إرباك الموقف الاستراتيجي في المنطقة برمتها من خلال صياغة ردها على المقترح الأميركي حول ورقة التفاوض بينها وبين واشنطن.
ولذلك تهدف طهران، عبر ردها الرافض للمقترح الأميركي، إلى خلط ساحات التفاوض كما هي ميدانياً، ومن ثم تعقيد المشهد الإقليمي لصالح الحفاظ على برنامجها النووي ومصالحها الاستراتيجية بأي وسيلة، عبر إقحام ملفات بعيدة عن أزماتها الأساسية مع واشنطن.
“الرهان على الدولة اللبنانية”
حاولت الحكومة اللبنانية العام الماضي حصر السلاح بيد الدولة ونزع سلاح “حزب الله” ضمن خطة مدعومة أميركياً، وسط نتائج وُصفت بالمتفاوتة. كما أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية تقديم شكوى إلى مجلس الأمن ضد “التدخل المباشر والصارخ” لإيران في شؤون البلاد ودعمها “للحزب”، بجانب خطوات دبلوماسية تصعيدية شملت طرد السفير الإيراني.
ويقول مراقبون إن “حزب الله لم ولن يندم على ما فعله بلبنان”، في إشارة إلى عمق التحولات التي فرضها “الحزب” على المشهد اللبناني.
وبحسب هؤلاء، ومن بينهم الكاتب اللبناني حنا صالح، فإن انعقاد جولة مفاوضات جديدة في واشنطن ي تعكس محاولة لإعادة فتح مسار سياسي وأمني يهدف إلى وقف التصعيد، عبر تثبيت وقف الهجمات، والانسحاب، وتبادل الأسرى، وعودة النازحين، إلى جانب ضبط الحدود في إطار القرارات الدولية، وصولاً إلى صيغة “هدنة موسعة” تمهّد لاحقاً لتسوية أوسع.
ومن ثم، فإن نجاح هذا المسار، كما يطرحه صالح، يرتبط بمدى قدرة الدولة اللبنانية على تعزيز سلطتها وحصر السلاح بيدها، معتبراً أن أي إخفاق في هذا الاتجاه سيجعل فرص الاستقرار محدودة.
إذن، يبقى الرهان على نجاح الفاعلين في الداخل اللبناني، بعيداً عن “حزب الله” ومرجعه في طهران، في تمكين الدولة اللبنانية من نزع مراكز القوى التابعة للحزب، سواء اقتصادياً أو سياسياً، فضلاً عن نزع سلاحه، وإبقاء الجيش اللبناني القوة الرئيسية والمركزية، بحيث يكون السلاح حصراً بيد الدولة والجيش الوطني. ويشكّل ذلك التحدي الأبرز نحو أفق التأسيس الجديد للدولة اللبنانية.

