في خضم استهدافات محدودة متبادلة بين إيران والولايات المتحدة، حيث استهدفت طهران قاعدة جوية أميركية اليوم الخميس، عقب هجوم أميركي وصفته واشنطن بأنه غارات استهدفت عملية لطائرات إيرانية مسيّرة قرب مضيق هرمز، يبدو أن الطرفين بصدد التوصل إلى اتفاق وهو ليس اتفاقاً نهائياً على كل حال إنما بمثابة اتفاق إطاري أو كما يُوصف بـ”مسودة تفاهم”، الأمر الذي من شأنه أن يطوي صفحة الحرب التي اندلعت في نهاية شباط/فبراير الماضي. غير أن هذا الاتفاق المحتمل بقدر ما أنه سوف يسفر عن إنهاء الحرب وحلحلة الوضع المأزوم والانسدادي بين طهران وواشنطن، خصوصاً ما يرتبط بأزمة الطاقة وعسكرة ممرات الملاحة الدولية في مضيق هرمز، والتي لامست أطراف قوى إقليمية ودولية عديدة، إلا أن عتبة التصعيد العسكري التي توشك على الانتهاء سوف تفضي إلى إشكاليات أخرى أكثر تعقيداً، بينما ما تزال سيناريوهاتها مفتوحة على خيارات واحتمالات متفاوتة.
إذ إن هذا الاتفاق الإطار أو “مسودة التفاهم” قد يؤسس لمرحلة تهدئة، بينما يؤسس لمسار تتهيأ من خلاله البيئة الإقليمية والدولية لمرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ومن ثم، مناقشة أو محاولة حلحلة الملفات العالقة، سواء ما يرتبط بالملف النووي، أمن الملاحة الدولية وممرات التجارة في الخليج، والعقوبات الاقتصادية.
طبيعة التفاهم الجاري بين واشنطن وطهران
وثمة نقطة رئيسة تبدو غائبة ولافتة على نحو كبير، بل تمثل ركيزة رئيسة لما قد يترتب على هذا الاتفاق المحتمل، وهي ملف الصواريخ الباليستية وكذا الميلشيات الولائية لطهران. فغياب هذا الملف وذاك عن طاولة المفاوضات يؤشر إلى مخاطر عديدة، بفعل المخاطر الناجمة عن هذين الملفين. فالقوى العسكريتارية الميليشياوية لإيران التي تطوق بها المنطقة في العراق ولبنان واليمن، تكاد لا تختلف عن منظومة صواريخها الباليستية، بل إنها تبدو بمثابة منظومة ردع متكاملة بنيوياً وعلى مستوى الأهداف ضد خصوم “الولي الفقيه” إقليمياً ودولياً. ولطالما سعت طهران إلى اعتماد استراتيجية تصدير الأزمات للخارج. هذه الاستراتيجية التي طورتها طهران من خلال وكلائها وميليشياتها في العواصم العربية بغرض تنفيذ هجمات على المصالح الأميركية والإسرائيلية فضلاً عن اعتداءاتها على دول الخليج، لتوسيع نطاق الحرب وكلفتها. ولم تكن الصواريخ الباليستية بطبيعة الحال غائبة عن هذا المشهد المتخم بالتصعيد العسكري.

يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال الاتفاق المرحلي مع إيران إلى بدء خطوات إجرائية ومرحلية لإنهاء حالة التصعيد العسكري، وذلك من خلال إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري، فضلاً عن تخفيف القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية، مقابل التزام سياسي بتهدئة التوترات العسكرية في المنطقة، مع الأخذ في الاعتبار أن طبيعة هذه الترتيبات لا تزال محل خلاف بين الطرفين، خصوصاً في ما يتعلق بدرجة السيطرة والرقابة على الممر البحري الاستراتيجي.
ولهذا، تؤكد طهران أن المضيق سيبقى تحت إشرافها السيادي، مع السماح بعودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب خلال فترة انتقالية قد تمتد نحو شهر، مع الإبقاء على حقها في تنظيم العبور البحري بما يضمن الأمن الملاحي، وفق الرواية الإيرانية.
أما في الملف النووي، فتتضمن المسودة التزاماً إيرانياً بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي، إلى جانب الدخول في مفاوضات لاحقة حول مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وإمكانية تعليق عمليات التخصيب الجديدة. في المقابل، تتمسك طهران بأن أي نقاش تفصيلي بشأن برنامجها النووي لن يبدأ إلا بعد توقيع مذكرة إنهاء الحرب.
الاستقرار في العلاقة مع إيران “محل شكوك”
وثمة نقطة رئيسة هي أن إيران لم تقدم أي التزامات نهائية بشأن تسليم مخزوناتها من اليورانيوم أو تفكيك منشآتها النووية، وعليه، تبقى هذه النقطة من أبرز الملفات الخلافية التي تعيق التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي. كما يبرز ملف الأصول الإيرانية المجمدة كأحد العوائق الرئيسة بين الطرفين، إذ تطالب طهران بالإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المحتجزة في الخارج، مع وضع آلية واضحة تضمن استمرارية الإفراج التدريجي عنها، في حين لم تعلن واشنطن، حتى الآن التزاماً محدداً بشأن كيفية أو توقيت رفع التجميد.
ومع كل هذه التفاصيل، تحديداً ما يتعلق بالعقوبات التي تشير المعطيات إلى أن الجانب الإيراني يسعى إلى رفع شامل للقيود الاقتصادية المفروضة عليه، في حين ترى واشنطن أن من المبكر بحث هذا الملف في المرحلة الحالية، مع إمكانية ربطه بتقدم المفاوضات النووية لاحقاً، يظل الحديث عن تصور دائم للاستقرار في العلاقة مع إيران محل شكوك عميقة، وقد تعاود الحرب سيرتها من جديدة وتندلع في ظل بقاء شروط التهديد نفسها، سواء ما يرتبط بشبكة نفوذها الإقليمية أو مشروعها النووي العسكري والتسليحي بما في ذلك مخزونها من اليورانيوم، مع الأخذ في الحسبان أن الإطار الاتفاقي بين واشنطن وطهران ما زال يكشف عن تناقضات عنيفة مع الطرف الذي خاض الحرب جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة، وهو إسرائيل. وفي ما يبدو أن الأخيرة تقف على النقيض من هذا الاتفاق، وتهدف إلى ما هو أبعد من تلك التسوية التي تبدو مؤقتة.
وتهدف إسرائيل إلى تحييد إيران في المنطقة، ومنع نفوذها وتغلغلها وتوغلها بالمنطقة، من خلال تفكيك شبكاتها الإقليمية، ثم إنهاء تهديداتها النووية، وكذلك ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية. وبالتالي، ينظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ملف الميليشيا والباليستي وتراجعهما نسبيا عن صلب المفاوضات بمعارضة لا تبدو خفية. وثمة سوابق عديدة توثق للخلافات أو التوترات بين ترامب ونتنياهو في ما يخص إدارة الأزمة الراهنة.
ولا يزال مصير التوترات بين إيران وإسرائيل، ولا سيما في الساحة اللبنانية أيضاً والصدام مع “حزب الله”، خارج إطار التفاهمات الواضحة حتى الآن، خصوصا مع تضارب المؤشرات بشأن إدراجها ضمن أي اتفاق نهائي أو الإبقاء عليها كملف منفصل.
ورغم ما تعلنه التصريحات الإيرانية، بأن الهدف الأساسي من التفاهمات الجارية هو إنهاء الحرب على مختلف الجبهات الإقليمية، بما في ذلك لبنان، في حين تشير تقارير إلى أن واشنطن تدعم استمرار هامش التحرك العسكري الإسرائيلي في مواجهة التهديدات الأمنية المتواصلة، إلا أن الموقف الإسرائيلي يخرق هذا الطموح أو الرؤية السائدة في طهران، خصوصاً مع استمرار التصعيد في جنوب لبنان وتنفيذ الغارات على عدة مواقع وشن هجمات ضد البنى العسكرية لـ”حزب الله” ومنع إعادة تموضعه أو ترميم ترسانته العسكرية.
أبرز نقاط الخلاف المؤجلة
في ضوء كل ذلك، فإن الاتفاق المحتمل قد يشكل تحولاً مهما في مسار العلاقة بين واشنطن وطهران، لكنه لا يزال في مرحلة تفاوضية حذرة، وسيكشف عن تباينات عديدة بين أطراف المواجهة الإقليمية والدولية.
ويتعين الأخذ في الاعتبار أن واشنطن بمسارها وإطارها السياسي التفاوضي سوف لن تكون بالضرورة على المسافة ذاتها من مقاربة تل أبيب وأهدافها، وتلقيها الإعلان المحتمل عن التوصل لاتفاق، والأمر ذاته بالنسبة لدول الخليج التي تعرضت لهجمات من إيران بشكل مباشر أو من خلال وكلائها وخصوصاً عبر العراق.
وقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الاثنين الفائت، أن طهران توصلت إلى استنتاجات بشأن عدد من القضايا المطروحة ضمن مذكرة تفاهم محتملة مع الولايات المتحدة، مشدداً في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجانبين. وأوضح أن المباحثات الجارية تركز حالياً على إنهاء الحرب، وليس على الملف النووي، معتبراً أن التبدلات المتكررة في مواقف المسؤولين الأميركيين تعرقل فرص الوصول إلى تفاهم مستقر.

وبحسب ما أوردته وكالة “رويترز”، فإن المسؤول الإيراني أوضح أن ما جرى التوصل إليه حتى الآن يندرج ضمن إطار أولي وتفاهمات عامة، من دون أن يرقى إلى مستوى اتفاق وشيك أو مكتمل.
إذاً، تميل الأوضاع إلى خفض مستوى التصعيد للحدود التي تسمح بأن تسكت المدافع ويرتفع صوت السياسة ولو قليلا، حتى ظل في تغييب مقصود ومتعمد للملفات الخلافية. إذ يبدو الطرفان أمام لحظة اتفاق مبدئي يؤطر جملة أهداف، منها تجميد تخصيب اليورانيوم، مقابل رفع تدريجي للعقوبات الأميركية والإفراج عن أموال إيرانية مجمّدة، إلى جانب تخفيف القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز. وبحسب ما هو متداول، فإن مذكرة التفاهم، المؤلفة من 14 بنداً، يجري التفاوض بشأنها بين المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وعدد من المسؤولين الإيرانيين، بشكل مباشر وعبر وسطاء.
وفي حال إقرارها بصيغتها الحالية، تنص المذكرة على إعلان إنهاء الحرب وبدء مرحلة انتقالية تمتد 30 يوماً، يتم خلالها التفاوض على اتفاق تفصيلي يشمل الملف النووي، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ورفع العقوبات الأميركية. كما تتضمن الترتيبات تخفيفاً تدريجياً للقيود المفروضة على حركة الملاحة خلال فترة التفاوض، على أن تحتفظ واشنطن بخيار إعادة فرض الحصار أو استئناف العمليات العسكرية في حال انهيار المفاوضات.
اتفاق مؤقت لكنه مرحلي وضروري
ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أميركي مطّلع أن الاتفاق بات في مراحله شبه النهائية، رغم استمرار بعض الخلافات المتعلقة بصياغة عدد من البنود التفصيلية. ولم يخف الموقع الأميركي وجود اعتراضات داخل الأوساط السياسية الأميركية، خصوصاً من جانب تيار من الجمهوريين المتشددين، في حين يبدي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تشككاً واضحاً في مسار الاتفاق، ويدعو إلى خيار التصعيد العسكري بدلا من التسوية.
ورغم ذلك، أكد ترامب أن اتصاله بنتنياهو كان “جيداً”، مشيراً إلى أنه أجرى كذلك مشاورات مع قادة السعودية والإمارات وقطر ومصر وتركيا وباكستان، في إطار حراك دبلوماسي إقليمي واسع بشأن التفاهم المرتقب. وبحسب مصادر إقليمية، فقد دعت هذه الاتصالات إلى ضرورة إنهاء الحرب، مع تأكيد مشترك على أهمية التوصل إلى تسوية عاجلة تخدم استقرار المنطقة. كما أن الوسطاء يعملون على استكمال صياغة إطار اتفاق من صفحة واحدة، تمهيداً لإعلانه قريباً.
من هنا، تبدو أن الولايات المتحدة ستصيغ مقاربتها السياسية والدبلوماسية برغم كل الخلافات الداخلية والتباينات مع إسرائيل والأطراف في الخليج، على أساس خطوة مقابل خطوة، واختبار ما إذا كانت التهدئة ممكنة أو أن إيران تلتزم بتعهداتها وربما سلوكها مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية عنها، وفتح مسار اقتصادي مغاير على أساس علاقة قد تكون مختلفة وليست جذرية أو نهائية.
فبينما تتباين روايات الأطراف بشأن مستوى التقدم وحجم النقاط الخلافية وما إذا كان التفاهم جزئياً أو شاملاً، تشير المعطيات إلى أن ما يجري يقترب من كونه “إطار إدارة أزمة أكثر من كونه اتفاقاً نهائياً وحلحلة مكتملة وتامة للأزمة، في ظل استمرار الخلافات حول ملفات مركزية تتعلق بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي الإيراني والصواريخ الباليستية.
ولهذا تصف واشنطن المقترح والاتفاق الإطاري بأنه يقوم على مبدأ “التدرج مقابل التنفيذ”، بما يبرز تباين واضح مع الموقف الإيراني الذي يطالب برفع سريع وملموس للعقوبات، وضمانات دولية بعدم العودة إلى سياسة الضغط الأقصى. هذا التباين العميق في أولويات الطرفين، خصوصاً بشأن الملف النووي ومستقبل النفوذ الإيراني الإقليمي، يجعل من الاتفاق المرتقب إطاراً هشاً ومؤقتاً لكنه ضرورياً ومرحلياً أكثر منه تسوية نهائية للصراع.
- بعد تجدد المواجهات العسكرية.. ترامب يتوعد إيران بـ “ضربة قوية”
- تقرير حقوقي يوثق حالات اختفاء قسري واحتجاز سري في سوريا
- تحقيق عن كنوز “داعش” المدفونة.. أين أخفى التنظيم ملايين الدولارات والذهب؟
- توقيف صحفي سوري بعد مشادة مع شرطي مرور في دمشق
- الموازنة السورية تحت الضغط.. لماذا بلغ العجز مليار دولار رغم قفزة الإيرادات؟

