في بلد يرزح تحت وطأة حرب دخلت عامها الثاني عشر، وأزمات معيشية تتسع رقعتها عاماً بعد آخر، تبدو احتفالات “يوم الغدير” في مناطق سيطرة جماعة “الحوثي” الموالية لطهران، حدثاً يتجاوز حدود المناسبة الدينية إلى فضاء فسيح يتعلق بالسلطة والهوية ومستقبل الدولة.
وخلال الأسابيع التي سبقت الثامن عشر من ذي الحجة، تغير ملامح المدن الخاضعة لسيطرة الجماعة “الحوثية”، وتكثفت الحملات الإعلامية، ورٌفع اللافتات في الشوارع والساحات، وخصصت البرامج والأنشطة المدرسية والثقافية للاحتفاء بالمناسبة التي تصفها الجماعة بـ”يوم الولاية”.
ويطرح هذا الحضور الكثيف سؤالاً يتكرر كل عام، لماذا يحتل “الغدير” هذه المكانة المركزية في مشروع جماعة “الحوثي”؟
أكثر من مناسبة دينية
يرتبط “غدير خم” بواقعة تاريخية تعود إلى السنة العاشرة للهجرة، عندما ألقى النبي محمد خطبة أثناء عودته من حجة الوداع، ورد فيها الحديث الشهير: “من كنت مولاه فعلي مولاه”.

وعلى امتداد قرون، ظل هذا الحدث، محل قراءات وتفسيرات مختلفة داخل التراث الإسلامي. غير أن جماعة “الحوثي” تتعامل مع المناسبة من زاوية تتصل مباشرة برؤيتها للسلطة والحكم، وهو ما منحها خلال السنوات الأخيرة حضوراً استثنائياً داخل خطاب الجماعة وممارساتها التعبوية.
ويرى باحثون أن صعود جماعة “الحوثي” من حركة دينية محدودة النفوذ، إلى سلطة أمر واقع في أجزاء واسعة من شمال اليمن، دفعها إلى البحث عن أدوات تمنح مشروعها السياسي مرتكزات فكرية وثقافية راسخة، وجاء “الغدير” في صدارة تلك الأدوات.
من الولاية إلى الشرعية السياسية
يقول الباحث اليمني نبيل البكيري، في تصريح خاص لـ”الحل نت”، إن مناسبة “الغدير” تمثل في جوهرها إحدى الركائز الفكرية التي تستند إليها جماعة “الحوثي” في إعادة إنتاج مفهوم الولاية بصيغته السياسية والدينية، مشيراً إلى أن الجماعة تنظر إلى المناسبة بوصفها أداة لتكريس ما تصفه بـ”الأحقية” في الحكم والقيادة.
ويضيف البكيري، أن الأهمية التي توليها الجماعة ليوم “الغدير” ترتبط بمنظومة فكرية تقوم على حصر الشرعية السياسية والدينية في فئة بعينها، وهو ما يفسر الحضور المكثف للمناسبة في الخطاب التعبوي والثقافي الذي تنتجه الجماعة بصورة مستمرة.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الاحتفال بعداً يتجاوز إحياء ذكرى تاريخية، فهذه المناسبة توفر إطاراً رمزياً يسمح لجماعة “الحوثي” بربط سلطتها الراهنة بسردية دينية وتاريخية، تمنحها مشروعية تتجاوز منطق القوة العسكرية أو السيطرة الميدانية.
ويرى مراقبون أن جماعة “الحوثي”، منذ سيطرتها على صنعاء في أيلول/ سبتمبر 2014، سعت إلى بناء مصادر متعددة للشرعية، بعضها يرتبط بالواقع العسكري، وبعضها الآخر يستند إلى خطاب ديني وثقافي، يعمل على إعادة تعريف السلطة ومصدرها وحدودها.
معركة على الوعي
لا يقتصر حضور “الغدير” على الفعاليات الجماهيرية والخطابات السياسية، إذ بات جزءاً من منظومة ثقافية وتعليمية واسعة، داخل مناطق سيطرة الجماعة “الحوثية”. ففي المدارس والجامعات والأنشطة الصيفية ووسائل الإعلام التابعة لها، تحضر المناسبة بوصفها “محطة سنوية” لإعادة تقديم مفاهيم “الولاية” و”الاصطفاء” والقيادة الدينية للأجيال الجديدة.

ويقول البكيري إن جماعة “الحوثي” تعمل على توظيف الموروث الديني والشعبي المرتبط بالمناسبة من أجل ترسيخ مفاهيم الولاية والاصطفاء داخل الوعي المجتمعي، مستفيدة من قدرة المعتقدات المتوارثة على التحول إلى مسلمات يصعب مساءلتها أو نقدها في بعض البيئات الاجتماعية.
ويضيف الباحث اليمني أن جماعة “الحوثي” تتعامل مع ما تسميه “يوم الولاية” باعتباره إحدى أدواتها الرئيسية في إعادة تشكيل المجال الثقافي والاجتماعي داخل مناطق سيطرتها، عبر تعزيز سردية سياسية ذات طابع ديني تسعى إلى “إضفاء شرعية مقدسة” على السلطة، وربطها بمفاهيم تاريخية ودينية تتجاوز الإطار السياسي التقليدي.
ويكتسب هذا المسار أهمية مضاعفة في ظل نشوء جيل كامل داخل بيئة الحرب، فملايين الأطفال والشباب الذين نشأوا خلال سنوات الصراع لم يعرفوا من اليمن سوى الانقسام والأزمات والتحولات التي رافقت صعود الجماعة، وهو ما يمنح الخطاب الثقافي والتعليمي تأثيراً أكبر في تشكيل تصوراتهم حول الدولة والسلطة والمجتمع.
لماذا يتصاعد حضور الغدير؟
يلفت باحثون إلى أن حضور “الغدير” داخل خطاب جماعة “الحوثي” ازداد بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، بالتوازي مع سعيها إلى ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات الدولة والمجتمع.
ولا يبدو ذلك أمراً عابراً بالنسبة لكثير من المراقبين، فالجماعات الأيديولوجية تميل عادة إلى تكثيف حضور المناسبات والرموز المؤسسة لهويتها، كلما انتقلت من مرحلة الحركة إلى مرحلة السلطة.
وفي الحالة “الحوثية”، يوفر “الغدير” مساحة واسعة لإعادة التأكيد على الأسس الفكرية التي يقوم عليها المشروع السياسي للجماعة، كما يمنحها فرصة لتجديد الولاء التنظيمي وحشد الأنصار، وإعادة إنتاج خطابها أمام الأجيال الجديدة.
ولهذا تبدو المناسبة أقرب إلى عملية تعبئة سياسية وثقافية متجددة، منها إلى احتفال موسمي محدود.
بين الأزمات المعيشية وأولويات “الحوثيين”
تأتي احتفالات “الغدير” في وقت يواجه فيه اليمن، واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم. وبينما يعيش ملايين اليمنيين تحت ضغوط معيشية متزايدة، تتراجع الخدمات الأساسية وتتقلص فرص العمل وتتسع دائرة الفقر أكثر فأكثر.
وفي المقابل، تشهد المناسبة سنوياً حملات تنظيم واسعة، تشمل مختلف المؤسسات والقطاعات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، مع تزايد الانتقادات الشعبية المرتبطة بالإنفاق على الفعاليات التعبوية، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
ويرى منتقدو جماعة “الحوثي” أن الاهتمام الاستثنائي بالمناسبات العقائدية يؤكد موقعها المركزي داخل مشروع “الحوثي”، حيث تحظى عملية ترسيخ الهوية الفكرية والسياسية، بأولوية متقدمة باعتبارها أحد الضمانات الأساسية لاستمرار النفوذ على المدى البعيد.
صراع على شكل الدولة
بعيداً عن الجدل الديني والتاريخي الذي يرافق المناسبة كل عام، يكشف “الغدير” عن واحد من أعمق الخلافات السياسية في اليمن المعاصر، فهذه القضية لا تتعلق فقط بقراءة حدث وقع قبل قرون، وإنما بالسؤال المرتبط بمصدر السلطة ومن يمتلك حق ممارستها.
وهنا يتقاطع “الغدير” مع النقاش الدائر حول شكل الدولة اليمنية ومستقبلها، بين رؤية تستند إلى مفاهيم الولاية والاصطفاء، وأخرى تقوم على المواطنة المتساوية والاحتكام إلى الإرادة الشعبية بوصفها مصدر الشرعية السياسية.
ولهذا لا تبدو المعركة حول “الغدير” معركة ذاكرة أو تاريخ فحسب، بل جزءاً من الصراع الدائر حول هوية الدولة، وطبيعة النظام السياسي الذي يسعى كل طرف إلى ترسيخه.
وفي هذا السياق، تتحول المناسبة إلى نافذة يمكن من خلالها فهم جانب مهم من المشروع الرجعي لجماعة “الحوثي”، وكيف تسعى إلى بناء شرعية تتجاوز السيطرة العسكرية، وتمتد إلى الوعي والثقافة والذاكرة الجماعية، باعتبارها ميادين لا تقل أهمية عن ميادين الصراع الأخرى.
- 4 أشهر في جنح الليل.. كواليس المهمة الأميركية السرية لإزالة ألغام هرمز
- فيديو متداول يثير الجدل.. العراق يكشف حقيقة عبور سوريين لحدوده
- 30 “حوثياً” في مواكب التشييع.. ماذا يحدث في تعز والساحل؟
- تقييمات إسرائيلية ترجح شن طهران هجوماً موسعاً على 4 جبهات
- مع انطلاق العام الدراسي.. كيف تحولت العودة للمدارس إلى عبء على الأسر السورية؟

