4 أشهر في جنح الليل.. كواليس المهمة الأميركية السرية لإزالة ألغام هرمز

بينما تبادلت الولايات المتحدة وإيران الضربات في مضيق هرمز خلال الأشهر الماضية، كانت القوات الأميركية تنفذ مهمة أخرى بالغة السرية في مياه المضيق، تمثلت في البحث عن الألغام البحرية وتدميرها، في محاولة لإعادة فتح أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم أمام حركة الملاحة.

وبحسب تقرير لصحيفة “فايننشال تايمز”، أرسلت الولايات المتحدة، خلال ساعات الليل في الغالب، غواصين من قوات “سيل” التابعة للبحرية الأميركية، إلى جانب زوارق آلية ومركبات متخصصة للعمل تحت سطح الماء.

واستمرت المهمة نحو أربعة أشهر، وشملت عمليات لإزالة العبوات المتفجرة من الممرات المائية التي تستخدمها السفن التجارية، في وقت كان احتمال وجود الألغام واحداً من العوامل التي دفعت السفن إلى تجنب عبور المضيق منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في شباط الماضي.

مهمة تحت جنح الليل

تعد إزالة الألغام البحرية من أكثر العمليات تعقيداً حتى في أوقات السلم، إذ تتطلب مسح مساحات واسعة من قاع البحر، وتحديد مواقع الألغام، ثم الوصول إليها وتدميرها مع إبقاء أفراد الطواقم بعيداً قدر الإمكان عن الخطر.

لكن المهمة الأميركية في هرمز اتبعت أسلوباً يعتمد بدرجة أكبر على الأنظمة غير المأهولة والغواصين.

وعملت فرق صغيرة من غواصي البحرية الأميركية باستخدام زوارق ذات هياكل قابلة للنفخ، فيما تولت قوارب آلية ومركبات غاطسة مسح المياه وتحديد مواقع الأجسام المشبوهة.

ومن بين الأنظمة المستخدمة في عمليات البحث “السفينة السطحية المشتركة غير المأهولة” التابعة للبحرية الأميركية، والتي تعتمد على أجهزة سونار تُجر خلفها لمسح قاع البحر ورصد الألغام.

وتتيح أجهزة السونار ذات التصوير الجانبي رصد الأجسام الموجودة في قاع البحر بدرجة عالية من الوضوح، ما يسمح بتمشيط مساحات واسعة مع تقليل تعرض أفراد الطواقم للخطر.

الغواصون.. المرحلة الأخطر

لكن تحديد موقع اللغم لا يعني انتهاء المهمة، بل تبدأ بعد ذلك المرحلة الأكثر خطورة. وقال بيل هامبلِت، وهو نقيب متقاعد في البحرية الأميركية، إن العملية تتطلب عادة نزول غواص إلى الماء والاقتراب من اللغم، قبل وضع عبوة متفجرة عليه وتدميره.

وأضاف أن القوة المشاركة في عمليات إزالة الألغام تكون “صغيرة جداً وخفيفة الوزن”، ما يجعلها أكثر عرضة للمخاطر خلال العمل في منطقة قد تتعرض فيها السفن والطواقم لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة.

وبحسب التقرير، ربما نفذت بعض العمليات انطلاقاً من السفينة “يو إس إس ميغيل كيث”، وهي قاعدة عائمة متنقلة للبعثات الاستكشافية تابعة للبحرية الأميركية في الخليج.

كما يمكن استخدام مركبات غاطسة آلية للوصول إلى الألغام وتدميرها، فيما أشار برايان كلارك، خبير إزالة الألغام في معهد هدسون، إلى أن بعض الأنظمة المستخدمة في مثل هذه العمليات قد تشمل منظومة “سي فوكس” البريطانية أو المنظومة الأميركية “AN/ASQ-235 آرتشر فيش”.

نحو 80 لغماً في ممرات الشحن

منذ اندلاع الحرب، أعلنت إيران أنها زرعت ألغاماً في مضيق هرمز بهدف منع عبور السفن، فيما قدرت المنظمة البحرية الدولية وجود نحو 80 لغماً في ممرات الشحن الحيوية.

وأعلنت واشنطن لاحقاً أن أكثر من 200 جسم يشبه الألغام أزيل من الممر الرئيسي، لكن الفحص أظهر أن 11 منها فقط كانت ألغاماً فعلية، فيما كان عدد محدود منها موضوعاً بطريقة صحيحة، وفق مسؤولين أميركيين نقلت عنهم “أكسيوس” أواخر الشهر الماضي.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أيام، إن جميع الألغام البحرية أزيلت من “المياه الدولية” في المضيق، في إشارة على الأرجح إلى الممر الملاحي التقليدي الذي تستخدمه السفن التجارية.

لكن هذا الإعلان لم ينهِ المخاوف بالكامل.

ففي اليوم نفسه الذي أعلن فيه ترامب إزالة الألغام، قال “مركز المعلومات البحرية المشترك”، الذي تديره البحرية الأميركية، إن خطر وجود ألغام جرفتها المياه أو ألغام لم تحدد مواقعها لا يزال قائماً.

كما رفضت طهران التأكيدات الأميركية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، أواخر آب، إن “لا أحد يعرف مواقع هذه الألغام سوى إيران”.

ولا تقتصر المخاطر التي تواجه السفن في هرمز على الألغام، إذ تتزامن معها تهديدات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.

لكن مجرد احتمال وجود ألغام في المضيق كان كافياً لرفع مستوى المخاطر بالنسبة إلى شركات الشحن والتأمين، حتى في الحالات التي لا تكون فيها الألغام مرصودة بشكل مؤكد.

وبحسب “فايننشال تايمز”، ارتفعت تكلفة التأمين على السفن إلى نحو عشرة أضعاف مستويات ما قبل الحرب، وقد تصل تكلفة التأمين على ناقلة نفط عملاقة إلى نحو 10 ملايين دولار.

وهكذا تحولت الألغام إلى سلاح يتجاوز أثره قدرتها على إغراق السفن، إذ ساهم عدم اليقين بشأن مواقعها في رفع تكلفة الملاحة وإبقاء جزء من حركة التجارة بعيداً عن المضيق.

إيران تملك مخزوناً كبيراً من الألغام

تشير تقديرات عسكرية إلى امتلاك إيران آلاف الألغام البحرية من طراز “محم”، وهي ألغام صممت على غرار نماذج استخدمت خلال الحرب العالمية الثانية.

سفن بالقرب من مضيق هرمز، كما تُرى من مسندم، عُمان، 31 آب/أغسطس 2026. “رويترز”/سترينجر. صور اليوم من TPX.

وتعمل بعض هذه الألغام عند اصطدام السفن بأذرع استشعار مثبتة عليها، فيما تعتمد أنواع أخرى على رصد التغيرات في المجالات الكهرومغناطيسية الناجمة عن مرور السفن فوقها.

وفي أواخر آب/ أغسطس، شن الجيش الأميركي ضربة استهدفت منصات إطلاق صواريخ إيرانية قال إنها كانت تستعد لإطلاق ألغام بحرية داخل المضيق.

أربعة أشهر لإعادة فتح الطريق

استمرت عملية إزالة الألغام الأميركية نحو أربعة أشهر، ونفذت في جزء كبير منها ليلاً، في مهمة تجمع بين العمل الاستخباراتي والاستطلاع البحري والعمليات الخاصة.

ورغم إعلان واشنطن إزالة الألغام من الممرات الدولية، فإن استمرار التحذيرات من ألغام مجهولة أو جرفتها المياه يشير إلى أن إعادة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية لا تتعلق بالتطهير الميداني وحده.

فالسفن تحتاج أيضاً إلى ضمانات أمنية، وشركات التأمين تحتاج إلى خفض تقديرات المخاطر، فيما يبقى احتمال تجدد زرع الألغام أو استهداف السفن قائماً ما دامت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مستمرة.

ومع دخول الحرب شهرها السابع، تحولت السيطرة على مضيق هرمز إلى جزء أساسي من الصراع الاقتصادي والعسكري بين الطرفين.

 فبالنسبة إلى واشنطن، لا يتعلق الأمر فقط بمنع إيران من استخدام المضيق للضغط على حركة التجارة، وإنما بإعادة تأمين أحد أهم شرايين الطاقة العالمية؛ بينما تمثل القدرة على تهديد الملاحة بالنسبة إلى طهران ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الحصار البحري والعقوبات.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم