سوّقت الدبلوماسية العُمانية لسنوات سياسة “الحياد الإيجابي”، وقدمت مسقط بوصفها قناة اتصال قادرة على مخاطبة أطراف لا تتواصل في ما بينها. لكن العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضد إيران في أواخر شباط/فبراير 2026، وما تبعها من هجمات إيرانية على بنى تحتية خليجية، وضعت هذه السياسة أمام اختبار مختلف.
فلم يعد السؤال يتعلق بقدرة عُمان على الوساطة، بل بالحد الذي يمكن أن تحافظ فيه على قنواتها مع طهران من دون أن ينعكس ذلك على التزامها داخل منظومة الدفاع الخليجي.
مسار مستقل لعُمان
ففي 1 آذار/مارس 2026، أكد مجلس التعاون، في بيان رسمي، أن “أمن دول المجلس غير قابل للتجزئة”، وربط هذا المبدأ باتفاقية الدفاع المشترك وبالحق في الدفاع الفردي والجماعي.
لكن عُمان واصلت في الوقت نفسه التمسك بمسار خفض التصعيد والحوار مع إيران، هذا المسار العُماني لا يجعل ذلك خرقاً قانونياً للاتفاقية، لكنه يفتح سؤالاً سياسياً وأمنياً، هل يستطيع عضو في تحالف دفاعي جماعي أن يحتفظ بمسار مستقل مع مصدر التهديد للجماعة، من دون أن يضعف وضوح الردع والثقة بين الشركاء؟
ونقلت قناة “الحرة” في تقرير لها عن اللواء الركن المتقاعد محمد صالح الحربي قوله إن اتفاقية الدفاع المشترك “تُنشئ التزاماً قانونياً واضحاً”، لكن تفعيلها “يبقى رهناً بالقرار السياسي لكل دولة”. وأضاف أن النص قائم، إلا أن تنفيذه يخضع لحسابات كل عاصمة وظروفها الخاصة.
هنا تظهر الفجوة بين الالتزام المكتوب والقدرة على تنفيذه. فاتفاقية الدفاع المشترك، التي وُقّعت في قمة المنامة عام 2000 وصادقت عليها عُمان بمرسوم سلطاني عام 2001، لا تمنح المؤسسات العسكرية الخليجية تفويضاً مستقلاً للتحرك بعيداً عن قرارات العواصم. النص يحدد مبدأ التضامن، لكنه لا يلغي الحسابات السياسية لكل دولة عند تحديد الخطر أو اختيار شكل الرد.
هرمز وممر جماعي
وبالنظر للتباين بين دول التعاون الخليجي اليوم، نرى أنه ليس محصوراً في الخطااب السياسي أو في بيانات الإدانة، فهو يظهر أيضاً بشكل مباشر في مضيق هرمز.
وسلطنة عُمان تعد شريكاً في مضيق هرمز، إذ تقع شبه جزيرة مسندم على الضفة الجنوبية للمضيق، ويمر نظام فصل حركة الملاحة المعتمد دولياً عبر مياه عُمانية وإيرانية.
لكن أهمية الممر تتجاوز مصالح مسقط وطهران؛ فدول الخليج تعتمد عليه في تصدير النفط والغاز والتجارة، كما أن أي اضطراب فيه ينعكس مباشرة على أمنها البحري واقتصاداتها.
في 23 حزيران/يونيو 2026، أعلنت مسقط وطهران، عقب محادثات في العاصمة العُمانية، تشكيل مجموعة عمل مشتركة من وزارتي الخارجية لبحث الإدارة المستقبلية للملاحة والخدمات البحرية والتكاليف المرتبطة بها. وأكد البيان التزام الطرفين بسلامة الملاحة وحرية المرور والقانون الدولي، مع الحديث عن إشراك دول المنطقة والأطراف المعنية.
لكن المسار يثير تساؤلات داخل الإطار الخليجي، لأنه يتعلق بممر لا يخص دولتين فقط. فلا تصبح المحادثات العُمانية-الإيرانية مشكلة لمجرد انعقادها، بل حين تبدو كأنها تسبق توافقاً خليجياً واضحاً حول قواعد الملاحة والأمن والرد على أي محاولة لفرض نفوذ أحادي على المضيق.
في تقرير مشترك أصدره معهد دراسة الحرب الأميركي ومشروع التهديدات الحرجة في 24 حزيران/يونيو 2026، رجّح الباحثون أن طهران تستخدم النقاشات التي نصت عليها مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية للوصول إلى ترتيبات مع دول الخليج تمنحها “نفوذاً مستداماً حول المضيق” في مرحلة ما بعد الحرب. وأضاف التقرير أن إيران قد توسع محادثات إدارة هرمز إلى نقاشات أوسع حول تقليص النفوذ الأميركي أو الإسرائيلي وشراكاتهما في الخليج.
لكن مسار التفاوض لا يبدو بسيطاً أو متفقاً عليه بين مسقط وطهران. ففي 29 حزيران/يونيو 2026، ذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن إيران رفضت مقترحاً لمسار جنوبي قريب من الساحل العُماني طُوّر مع المنظمة البحرية الدولية. وبعد مهاجمة سفينة سنغافورية استخدمت هذا المسار في 25حزيران/يونيو 2026، تخلت المنظمة عن الخطة.
وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي قال إن مسقط لا تؤيد “فرض رسوم على المرور عبر مضيق هرمز”، معتبراً ذلك محظوراً دولياً، لكنها تناقش مع إيران رسوماً مقابل خدمات ملاحية محددة.
غير أن هذا الفرق لا يبدد المخاوف السياسية من أن تتحول الخدمات والرسوم إلى مدخل لمنح إيران دوراً دائماً في تنظيم حركة الممر.
وفي منشور على منصة “إكس”، انتقد الباحث في الشؤون الخليجية والأمن الإقليمي مهران هاغيريان ما نُقل عن إدراك عُمان منافع نظام رسوم إيراني، وشكك في إمكان أن تسوّق مسقط الفكرة لدى دول المجلس وواشنطن.
وقال “مصالح عُمان مرتبطةٌ باستمرار عمل مضيق هرمز دون انقطاع. فاقتصادها يعتمد عليه، وعلاقاتها الإقليمية تعتمد عليه، ومصداقيتها الدبلوماسية تعتمد عليه. وأي اتفاق يشترط أو يُسيّس المرور من شأنه أن يُعرّض كل ذلك للخطر. لذا، لا ينبغي اعتبار الانخراط، في هذا السياق، تأييدًا لها”.
ويبقى ما يتشكل هنا ليس تحالفاً رسمياً بين عُمان وإيران، بل تفاوضاً ثنائياً حول ممر جماعي. وهذه هي نقطة التوتر التي تشكل خللا في المنطقة فبالنظر لها على أنها دولة عضو في منظومة دفاع خليجية في الوقت ذاته تبحث مع إيران ترتيبات تخص ممراً تعتمد عليه بقية دول المجلس، فيما تعتبر عواصم خليجية أخرى طهران مصدراً مباشراً للتهديد.
الحياد بلا حصانة
إلا أن الصواريخ الإيرانية التي طالت دول الخليج هي الأخرى طالت مسقط، وأظهرت الحرب حدود الفكرة التي تقوم عليها سياسة “الحياد العُماني”.
دراسة للمعهد البولندي للشؤون الدولية “PISM”، نُشرت في 29 حزيران/يونيو 2026، أشارت إلى استهداف إيران منشآت للطاقة وموانئ عُمانية، رغم استمرار دور مسقط في الوساطة. وذهب المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية “ISPI” إلى تفصيل أكبر، مشيراً إلى تضرر ميناءي صلالة والدقم جراء “هجمات متعددة” طالت قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية في السلطنة.
صحيح أن حجم الأضرار في عُمان بقي أقل مما أصاب مرافق في دول خليجية أخرى. كما أن وقوع عدد من موانئها الرئيسية خارج مضيق هرمز منحها مرونة نسبية وخفف من أثر الاضطراب الملاحي. لكن هذه ميزة جغرافية، لا ضمانة أمنية. فالدقم وصلالة، اللذان تراهن عليهما السلطنة في خططها اللوجستية والاقتصادية، تحولا خلال الأزمة إلى منشآت قابلة للاستهداف.
وفي مارس/آذار 2026، خلص معهد الشرق الأوسط “MEI” إلى أن عُمان قد تواجه انكماشاً محدوداً في ناتجها المحلي رغم موقعها المحمي نسبياً، لافتاً إلى أنها كانت هدفاً لضربات إيرانية طالت بنية الموانئ. العلاقة مع طهران لم تمنح مسقط حصانة، بل خففت، في أفضل الأحوال، حجم الضرر مقارنة بغيرها.
الردع الخليجي
وكتب توماس جونو، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى تشاتام هاوس، في تعليق نُشر في 11 حزيران/يونيو 2026، أن إيران ستسعى، أياً كان الاتفاق الذي ينهي الحرب، إلى إعادة بناء ردعها حول التهديد الذي تمثله لمضيق هرمز ودول الخليج.
وبعد ستة أيام، كتبت نيتيا لاب، زميلة أكاديمية شفارتسمان في برنامج الأمن الدولي لدى تشاتام هاوس، أن إيران ستحتفظ بالقدرة على إغلاق المضيق مجدداً، وأن “مجرد التهديد بالإغلاق قد يكون كافياً لردع حركة الشحن وإحداث اضطراب كبير، من دون كلفة كبيرة على طهران”.
هذه القراءة تشير إلى أن الخطر لا يقتصر على الإغلاق الفعلي للممر. فإبقاء احتمال التعطيل قائماً يرفع كلفة التأمين والنقل، ويدفع شركات الشحن والدول المعتمدة على الممر إلى التعامل مع هرمز بوصفه منطقة مخاطرة مستمرة.
في هذا السياق، يصبح السؤال ماذا تساوي اتفاقية الدفاع المشترك حين يختلف أعضاؤها على مصدر التهديد؟ وتتآكل هذه الثقة بين الأعضاء عندما تتجه دولة عضو إلى ترتيبات ثنائية في ملف يمس الأمن الجماعي، من دون أن يكون واضحاً كيف تتصل تلك الترتيبات بموقف خليجي موحد.
في 1 تموز/يوليو 2026، قال تقرير صادر عن منصة “Tactical Report” الاستخباراتية إن عدداً من دول مجلس التعاون أبلغ الإدارة الأميركية، عقب توقيع مذكرة التفاهم مع إيران، عدم ثقته بالتزام طهران وقف الهجمات، وطالب بـ”ضمانات أكثر جوهرية”.
وفي هذا السياق جاءت جولة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على الإمارات والكويت والبحرين، قبل مشاركته في الاجتماع الوزاري الأميركي-الخليجي في المنامة يوم 25 حزيران/يونيو 2026.
وكالة رويترز هي الأخرى نقلت في 25 حزيران/يونيو 2026، أن الحلفاء الخليجيين أبدوا “مخاوف جدية” من الاتفاق، وطالبوا بإطلاعهم على كل خطواته، بما فيها البنود المتعلقة بمضيق هرمز. كما أكد البيان الأميركي-الخليجي المشترك دعم “حرية الملاحة غير المشروطة وغير المقيدة” في المضيق، من دون رسوم أو محاولات لفرض السيطرة عليه.
وأشار كريستيان كوتس أولريخسن، الزميل غير المقيم في مركز أبحاث واشنطن، في تحليل نشره في 19 مارس/آذار 2026، إلى أن مبادرات الأمن الجماعي الخليجية تعثرت تاريخياً بسبب التردد في تجميع الموارد، وتفضيل العلاقات الثنائية مع الشركاء الأمنيين الخارجيين، وغياب تصور موحد للتهديد.
مسقط على طاولتين في يوم واحد
“الحياد العُماني” لا يتسبب بهذه الهشاشة من لا شيء، لكن اللافت هنا أن دولة عضو تفاوض إيران في ملف هرمز، بينما تنظر عواصم خليجية أخرى إلى طهران بوصفها مصدر الخطر الرئيسي.
وهذه الهشاشة لا تتعلق بقدرة المجلس على امتلاك السلاح أو بناء مراكز العمليات، بل بقدرته على التصرف كمنظومة واحدة عندما يتعرض أحد أعضائه للخطر. ومن هنا، لا يصبح النقاش حول الحياد العُماني نقاشاً نظرياً في السياسة الخارجية، بل مسألة تمس فاعلية اتفاقية الدفاع المشترك نفسها.
في 25 حزيران/يونيو 2026، أكد البيان الأميركي-الخليجي المشترك على دعم “حرية الملاحة غير المشروطة وغير المقيدة” في هرمز،”ويشترط أن تكون أي تجارة أو استثمار مع إيران مرتبطة بالتزامها بوقف الأنشطة المزعزعة للاستقرار”، وفي اليوم ذاته، كانت مسقط جالسة مع طهران تتفاوض على رسوم الخدمات البحرية في المضيق نفسه.

