مفاوضات واشنطن وطهران.. هدنة هشّة أم تمهيد لجولة حرب جديدة؟

مفاوضات واشنطن وطهران.. هدنة هشّة أم تمهيد لجولة حرب جديدة؟

بعد حرب استمرت نحو أربعين يوماً، بدا إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران وكأنه لحظة فاصلة يمكن أن تفتح الباب أمام التهدئة، لكن الوقائع على الأرض تقول شيئاً مختلفاً تماماً.

فبينما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تعليق القصف لمدة أسبوعين بوساطة باكستانية، كانت الهجمات على عدة محاور لا تزال مستمرة، إذ إن الغارات الإسرائيلية على لبنان تصاعدت بشكل كثيف، وخلال وقت قصير أودت بحياة 250 شخص وأكثر من ألف جريح.

هذا التصعيد الإسرائيلي على لبنان، حذت إيران من أنها قد تستهدف إسرائيل مجداً، لكن إيران لم تفعل، وأكتفت بقصف منشآت نفطية في الخليج، في ذات الوقت بقي مضيق هرمز عملياً خارج الخدمة رغم الحديث عن السماح بمرور محدود للسفن بعد موافقة طهران، وتمسك إيران وواشنطن بذات المطالب التي سببت الحرب، يجعل من انهائها أمرا بعيد المنال في الوقت الحالي.

هدنة تحت النار

ورغم إعلان التهدئة الذي رحبت به دول إقليمية وعربية، إلا أن القتال استمر بوتيرة منخفضة لساعات بعد الإعلان، ما يوحي بأن الاتفاق لم يكن بهدف حقيقي لإيقاف الحرب بقدر ما هو محاولة لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، في ظل حفاظ إيران على مضيق هرمز مغلقاً.

ناقلات النفط بالقرب من مضيق هرمز ، وقد توقفت حركة المرور عبر المضيق تقريباً، مما أدى إلى إضعاف الاقتصاد العالمي (رويترز)
ناقلات النفط بالقرب من مضيق هرمز ، وقد توقفت حركة المرور عبر المضيق تقريباً، مما أدى إلى إضعاف الاقتصاد العالمي (رويترز)

وكشفت مصادر باكستانية مطلعة لـ “رويترز” أن جهود الوساطة لوقف الحرب على إيران كانت على وشك الانهيار قبل ساعات فقط من قيام باكستان بجهد دبلوماسي مكثف ​نجحت خلاله في تأمين وقف مؤقت لإطلاق النار ودفع واشنطن وطهران إلى الدخول في مفاوضات مباشرة.

وذكرت المصادر أن هذه الجهود كادت أن تنهار تماما بعد استهداف إيران لمجمع ‌بتروكيماويات في السعودية، مما أثار غضبا شديدا في الرياض وهدد بتقويض الدبلوماسية التي كانت مستمرة منذ أسابيع على نحو غير رسمي.

وذكر مصدر ثان أن إيران وافقت على وقف مؤقت لإطلاق النار دون شروط مسبقة والدخول في مفاوضات بعد عدة ساعات وصفها بأنها كانت “مكثفة ومرهقة” وكانت المحادثات خلالها “على وشك ​الانهيار”.

إلا أن إسرائيل تابعت هجومها على “حزب الله” رغم دعمها للهدنة، وأعلنت أن لبنان مستثنى من الاتفاق، لتشن هجوماً على لبنان وصف بأنها الأكبر منذ اندلاع الصراع مع “حزب الله” الشهر الماضي.

تفاوض تحت الضغط

في المقابل، تحاول واشنطن إيجاد حل لهذه الحرب، والخروج منها محققة أهدافها التي أعلنت عنها مرارا فيما يخص برنامج الصواريخ البالستية والملف النووي الإيراني، لكن هذا المفاوضات تجريها واشنطن تحت وطأة السلاح.

إذ أعلن ترامب أن “السفن والطائرات والعسكريون الأميركيون، بالإضافة ⁠إلى الذخائر والأسلحة الإضافية، ستبقى في مواقعهم عند إيران وحولها إلى حين الالتزام الكامل بالاتفاق”.

كما قالت الولايات المتحدة إنها أوقفت هجماتها على إيران، لكنها مستعدة لاستئناف القتال إذا فشلت الجهود الرامية إلى ⁠التوصل إلى سلام دائم.

من جهة أخرى، ما تزال إيران تحكم قبضتها على مضيق هرمز، ولا تسمح إلا لبعض السفن بمغادرته، ويرى محللون سياسيون أن الهدنة المؤقتة بين واشنطن وطهران لا تعكس تحولاً حقيقياً نحو إنهاء الحرب.

ويشير الأكاديمي حسن أحمديانفي جامعة طهران، إلى أن إيران تسعى إلى الحفاظ على مكاسبها العسكرية وتحويلها لاحقاً إلى مكاسب اقتصادية، مؤكداً أن “وقف إطلاق النار لن يوقف الحرب، بل سيغيّر شكلها وأدواتها”.

من جهة أخرى، يرى مدير برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي راز زيمت، أن فكرة وقف إطلاق النار المحدود زمنياً تنطلق من اعتبارات واقعية لدى الطرفين، موضحاً أن إيران لا تستطيع تحمّل هدنة مفتوحة بعد أن تعرّضت لهجمات مفاجئة مرتين خلال عام واحد.

وأضاف أن الولايات المتحدة، في المقابل، لا يمكنها القبول بوقف دائم لإطلاق النار دون الحصول على التزامات واضحة من طهران في الملفين النووي والصاروخي، وهو ما يجعل خيار التهدئة المؤقتة الأكثر ترجيحاً في هذه المرحلة.

وأشار إلى أن هذا النموذج من الهدن، الذي يشبه إلى حد كبير ما جرى في غزة بين عامي 2023 و2025، لا يهدف إلى إنهاء الصراع.

تضارب الروايات

ولا تبدو المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران تسير على نفس الخطى التي قد تصل في النهاية المطاف إلى بر الأمن، إذ تبادل الطرفان الاتهامات قبل خوض غمار المفاوضات.

إذ اتهم رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الولايات المتحدة بانتهاك 3 بنود رئيسية من مقترح النقاط العشر قبيل بدء المفاوضات، متمثلة في استمرار العمليات في لبنان، واختراق مسيرة للأجواء الإيرانية، وإنكار حق التخصيب، معتبراً أن هذه الخروقات تجعل الدخول في مفاوضات أو وقف إطلاق نار ثنائي أمراً غير منطقي في ظل انعدام الثقة تجاه الالتزامات الأميركية.

في المقابل، رد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، على بيان قاليباف قائلاً: “أتساءل حقاً عن مدى تمكنه من فهم اللغة الإنكليزية لأن ما ذكره قاليباف لم يكن منطقياً في سياق المفاوضات التي أجريناها”.

موضحاً أن “ملف لبنان لم يكن جزءاً من وقف إطلاق النار”، وبالنسبة لخرق الهدنة أكد أن اتفاقيات وقف إطلاق النار تتسم دوماً بالفوضى والاضطراب في بدايتها، وأن واشنطن تركز على أفعال إيران الميدانية لا على ما يدعون أن لديهم الحق في فعله كالتخصيب، مؤكداً أن “الخلاف حول 3 نقاط فقط يعني وجود توافق واسع على بقية المقترح.”

هذا التضارب لا يمكن تفسيره فقط كاختلاف تقني في الصياغة، بل يشير إلى أزمة أعمق تتعلق بانعدام الثقة بين الطرفين، ما يعني أن فشل المفاوضات، قد تشعل الحرب مجدداً بين الأطراف.

الملف النووي

وبالعودة إلى إحدى أكثر الملفات تعقيداً، والتي توصف بأنها إحدى دوافع الحرب الأميركية على إيران، يبرز الملف النووي باعتباره المحور الذي تدور حوله بقية التفاصيل، حتى وإن لم يُطرح دائماً في التصريحات العلنية.

وحسب وكالة “تسنيم” الإيرانية فإن بنود المقترح الإيراني هي 10 وتشمل: تعهد الولايات المتحدة من حيث المبدأ بضمان عدم الاعتداء، واستمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، والقبول بالتخصيب، ورفع جميع العقوبات الأولية، ورفع جميع العقوبات الثانوية، وإنهاء جميع قرارات مجلس الأمن.

بالإضافة لإنهاء جميع قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودفع تعويضات لإيران، خروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك ضد “حزب الله” في لبنان.

أما الطرح الأميركي في هذا السياق يبدو واضحاً في أهدافه، حتى لو كان غامضاً في تفاصيله. إذ يجري الحديث عن “3 متطلبات أساسية يجب تحقيقها: إزالة اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة من إيران، وتخفيف المواد المخصبة بنسبة 20بالمئة إلى مستوى منخفض، وتعليق تخصيب اليورانيوم لأطول فترة ممكنة”.

هذه الشروط الأميركية، التي تعد أحد أسباب الحرب وما نتج عنها من أزمة عالمية، بلا شك تراها طهران مساساً مباشراً بهامشها السيادي.

في المقابل، تحاول واشنطن تحقيق اختراق، عبر تسريبات أو مؤشرات غير مباشرة، من بينها القول إن “تلقينا مؤشرات على أنهم سيسلمون اليورانيوم المخصب”. غير أن مثل هذه التصريحات، حتى لو كانت دقيقة جزئياً، تعكس أيضاً محاولة لخلق انطباع بوجود تقدم، في وقت لا تزال فيه القضايا الجوهرية عالقة.

صراع على التخصيب

وتكمن المشكلة في البعد السياسي للملف النووي، حيث لا يتوقف الخلاف عند نسب التخصيب أو كمياته، بل يمتد إلى مبدأ التخصيب نفسه.

فتصريح ترامب الذي ينفي “حق إيران في التخصيب” لا يُقرأ في طهران كجزء من خطاب تفاوضي، بل كموقف استراتيجي يسعى إلى نزع أحد أهم عناصر القوة الإيرانية. وهنا تحديداً تتضح حدود أي اتفاق محتمل: فبينما ترى واشنطن أن الحد من التخصيب شرط أساسي للأمن الإقليمي، تعتبره إيران حقاً غير قابل للتفاوض.

وفيما يرتقب أن تعقد محادثات بين الوفدين الإيراني والأميركي في إسلام آباد، تعلن طهران تمسكها بحقها في تخصيب اليورانيوم، وهو ما رفضته الولايات المتحدة مراراً.

إذ قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية محمد إسلامي اليوم: “لن ينجح العدو في تقييد برنامج التخصيب الإيراني”، وفق ما نقلت وسائل إعلام إيرانية.

كما اعتبر أن “حماية حق طهران في تخصيب اليورانيوم ضرورية” لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة.

ومع تعنّت إيران في استكمال الملف النووي وتعارضها مع مطالب الإدارة الأميركية، يرى محللون أن ما يجري اليوم لا يشير إلى نهاية الحرب، بل إلى مرحلة جديدة منها، تُدار فيها المواجهة بشكل مختلف، فالتفاوض مستمر، لكن الإصبع ما زال على الزناد، والاتفاق يُبحث.

في المحصلة، فإن ملف مضيق هرمز والصاوريخ البالستية والملف النووي تعد ملفات حساسة في قلب الصراع الإيراني الأميركي ولا يمكن لأي طرف التنازل عنها، وإذا لم يتم التوصل إلى صيغة توافقية، فإن أي هدنة، مهما بدت متماسكة في ظاهرها، ستظل معرضة للانهيار عند أول اختبار جدي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم