الفيتو الروسي الصيني ضد فتح مضيق هرمز: حسابات النفوذ إذ يتجاهل أمن الاقتصاد العالمي

مضيق هرمز

أفشلت روسيا والصين، أمس الثلاثاء، محاولة دول الخليج إضفاء شرعية دولية على إعادة فتح مضيق هرمز، وذلك باستخدامهما حق النقض (الفيتو) ضد قرار أعدته البحرين باسم مجلس التعاون الخليجي.

 جاء ذلك بعد أن صوت 11 من أعضاء مجلس الأمن الـ15 لصالح المشروع المخفف، فيما امتنعت دولتان وصوتت دولتان (روسيا والصين) ضده.

إدانة أميركية وتحذيرات خليجية

من جهته أدان سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتس هذا الموقف، واصفاً إياه بأنه “انحدار جديد” وانحياز لـ”نظام يسعى إلى ترهيب دول الخليج وإخضاعها”، مضيفاً أن مثل هذا “الفيتو” يعكس تسامحاً مع “تهديد الاقتصاد العالمي بالقوة” من جانب إيران.

ومن جانبه حذر وزير خارجية البحرين من أن تجاهل مجلس الأمن لإغلاق المضيق يبعث برسالة خاطئة مفادها أن تهديد الملاحة يمكن أن يمر دون رد حازم، وأن إغلاق هرمز يعد انتهاكاً للقانون الدولي ومعاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، وأنه ليس من حق إيران إغلاق هذا الممر الحيوي أو حرمان العالم من موارده.

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني يترأس جلسة مجلس الأمن

ويُعتبر مضيق هرمز ممراً حيوياً للطاقة عالمياً، إذ يعبره نحو 11% من التجارة العالمية وأكثر من رُبع النفط المنقول بحراً، بما يعادل نحو 20 مليون برميل يومياً (أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط)، إلى جانب نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، وفق تقارير صحفية.

وقد أغلقت إيران المضيق بعد بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية في شباط/ فبراير الماضي، ما أدى إلى توقف معظم حركة الملاحة فيه واحتجاز عشرات الناقلات على جانبيه، علماً بأن طهران أعلنت أنها لن تسمح بمرور السفن “المعادية” بينما ستسمح بمرور السفن الأخرى مع التنسيق ودفع رسوم بعد انتهاء الحرب، ما نتج عنه ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز العالمية جراء تقييد الإمدادات.

أرقام تكشف عمق التشابك الاقتصادي

على الصعيد الاقتصادي، تبدو العلاقات التجارية مع الصين هي الأعمق لدى دول الخليج، فبحسب البيانات الرسمية بلغ حجم التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون والصين نحو 299 مليار دولار في 2024 (18.8 بالمئة من تجارة دول المجلس مع العالم)، وهو الأعلى بين الشركاء.

وتصدرت صادرات دول الخليج إلى الصين بـ137 مليار دولار (16.2 بالمئة من إجمالي صادرات المجلس)، بينما بلغت وارداتها من الصين 161 مليار دولار (21.8 بالمئة).

تعكس هذه الأرقام عمق التكامل الاقتصادي، فالرياض، على سبيل المثال، صدّرت إلى بكين 57 مليار دولار من النفط عام 2024 ، ما يمثل 80 بالمئة من صادراتها للصين، في حين استوردت من الصين أكثر من 50 مليار دولار من السلع، أبرزها الإلكترونيات والسيارات والطاقات المتجددة.

أما العلاقات الاقتصادية مع روسيا فهي أقل حجماً، وإن شهدت نمواً سريعاً مؤخرًا، فتشير البيانات إلى أن حجم التجارة بين روسيا ودول مجلس التعاون ارتفع سبعة أضعاف بين 2021 و2024، لكنه بقي متواضعاً مقارنةً بالشركاء الآخرين.

كان نصيب التجارة مع روسيا نحو 7.6 مليار دولار في 2021، قبل أن يقفز إلى مستويات تفوق 50 مليار دولار بعدما لجأت بعض دول الخليج لاستيراد النفط والقمح الروسيين المدعومين من العقوبات الغربية، ومع ذلك، تظل روسيا في مرتبة خلف الصين والاتحاد الأوروبي والهند ضمن شركاء الخليج التجاريين الرئيسيين.

لكن الفارق الكبير يبرز في المجال الأمني والعسكري، حيث تعتمد دول الخليج بوضوح على الولايات المتحدة وحلفائها كمزودين رئيسيين للسلاح، فخلال الفترة بين عامي  2020–2024 شكلت حصة الولايات المتحدة حوالي نصف واردات منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة، بينما بلغت حصة روسيا فقط 4.1 بالمئة ولا تتجاوز حصة الصين 1.2 بالمئة.

على سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة المزود الأول للسعودية بمعدات الدفاع بنسبة 74 بالمئة في ذات الفترة، تليها إسبانيا وفرنسا، وعليه، فإن أي تغير في العلاقات مع موسكو أو بكين من غير المرجح أن يجعلها بديلاً حقيقياً عن واشنطن أو حلفائها في مجال التسلح.

انحياز يكشف عمق التحالف مع إيران

من جانب آخر، اعتبر أستاذ العلوم السياسية الكويتي الدكتور عبد الله النفيسي أن “الفيتو” الروسي الصيني يشكل مؤشراً سياسياً بالغ الدلالة على طبيعة التحولات في موازين القوى الإقليمية والدولية، إذ كشف بوضوح أن مصالح موسكو وبكين الاستراتيجية مع إيران أعمق وأهمّ من مصالحهما مع دول “مجلس التعاون الخليجي”. وفقد تدوينة للنفيسي عبر منصة “إكس”.

ويبدو أن هذا التحول سينعكس مستقبلاً على توازنات النفوذ في الشرق الأوسط، ويدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم حساباتها الاستراتيجية في ظل واقع دولي أكثر تعقيداً وتشابكاً.

من جانبه، قال الدكتور عبد الخالق عبد الله، الأكاديمي والباحث الإماراتي إن الفيتو الروسي والصيني في “مجلس الأمن” ضد قرار أممي يدعو إلى ضمان حرية وسلامة الملاحة في مضيق هرمز “موقف مؤسف وبائس ومخزي وعدائي”، مشيراً إلى أن ذلك “يعكس استخفافاً خطيراً بأمن التجارة العالمية واستقرار الخليج العربي ويكشف عن تواطؤ روسيا والصين مع إرهاب إيران تجاه الاقتصاد العالمي”.

من جانبه، رأى الخبير العسكري والاستراتيجي الكويتي الدكتور ظافر العجمي عبر منصة “إكس” أن له تبعات جمّة، منها مخاطر إنسانية عالمية، إذ إن تعطّل الإمدادات يهدد الأمن الغذائي والطبي لملايين البشر، خاصة في الدول الفقيرة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم