كيف يغير اندماج دمشق و”قسد” المشهد الاقتصادي السوري؟

اندماج مؤسسات قسد والإدارة السورية

شهدت سوريا تطورًا لافتًا من شأنه أن يغير المشهد السوري خلال الفترة المقبلة، بعد أن وقّع “الرئيس الانتقالي” أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي، الإثنين، اتفاقا يقضي بدمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ “لإدارة الذاتية الكردية” في إطار الدولة السورية. 

من شأن هذا الاتفاق أن يُحدث تغييرًا فارقًا لواقع مشهد الاقتصاد السوري الذي عانى تدميرًا لأكثر من عقد، فمن شأنه دعم “الإدارة الجديدة” في خطتها لبناء اقتصاد البلاد، خاصة وأن المناطق التي تسيطر عليها “الإدارة الذاتية” ذات أهمية اقتصادية كبيرة، كونها تضم أكبر حقول الغاز والنفط إضافة إلى إسهاماتها في القطاع الزراعي. 

مرحلة جديدة 

الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري، أحمد الشرع، مع قائد “سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي، تناول العديد من البنود من بينها دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية مع العراق وتركيا والمطارات وحقول النفط والغاز، إضافة إلى ضمان عودة المهجّرين إلى كلٍّ من عفرين وتل أبيض ورأس العين، علما أن عددهم يتجاوز نحو 300 ألف. 

وبحسب الاتفاق، يتعين أن تعمل لجان تنفيذية على تطبيقه بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي. 

ومنذ وصول السلطة الجديدة إلى دمشق، أبدى الكُرد انفتاحا، معتبرين أن التغيير فرصة لبناء سوريا جديدة تضمن حقوق جميع السوريين، غير أنه جرى استبعادهم من الدعوة لـ “مؤتمر حوار وطني” حدد عناوين المرحلة الانتقالية. 

ويمهد الاتفاق لمرحلة جديدة يمكن أن تسهم في إعادة هيكلة القطاعات الإنتاجية في المناطق الشرقية والشمالية، عبر استعادة سيطرة الدولة على الموارد الطبيعية وإعادة إدماجها ضمن الخطة الاقتصادية الوطنية. 

وكان الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، أعلن عن خطته الاقتصادية لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري، والتي تتضمن مرحلة طارئة وهي الإسعافية ومرحلتين على المدّيين المتوسط والبعيد، حيث تركز مرحلتها الأولى على إعادة إحياء البنية التحتية مثل الخدمات المصرفية، والاتصالات، والطرق والمياه، ومن ثم تأتي السياسات الاقتصادية التي تستلزم إصلاح المؤسسات لضمان بيئة استثمارية جاذبة. 

الخطوات القادمة 

من شأن الاتفاق فتح الباب أمام تعزيز فرص إطلاق مشروعات جديدة في قطاعات مختلفة، بدعم من التفاهم السياسي الذي قد يخفف من حدة الاضطرابات الأمنية التي طالما أعاقت التنمية، وبما ينعكس ويمتد ليشمل مجمل الاقتصاد السوري، وحلحلة أزمات، مثل أزمة الكهرباء. 

وبحسب الرئيس المشترك للمكتب الاستشاري لـ “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد)، رياض درار، هناك كثيراً من التنازلات المطلوبة من الطرفين؛ حتى نحقق الاستقرار والأمن في جميع المناطق، ونتشارك في حماية سوريا من أي تدخلات خارجية أو تخريب داخلي، بحسب حديثه مع” CNBC” عربية. 

فيما يخصّ مشاركة الحكومة السورية في إدارة المناطق الحكومية في شمال شرق سوريا، بما في ذلك المطار في القامشلي وحقول النفط والغاز والمعابر، فإنه سيتم تشكيل لجان مشتركة للاتفاق على آليات العمل والتنسيق المشترك بين “الإدارة الذاتية” وممثلي “الحكومة في دمشق”. 

رياض درار

وأشار إلى أن هذا الاتفاق وفرحة السوريين به يبدو كأنه تتويج للنصر، لأنه يعطي إشارة إلى أن السوريين ماضون نحو مزيد من المشاركة في كل مفاصل الدولة السورية، كما أن نقاط الاتفاق تعكس هذه الإشارات. 

عوامل الأهمية الاقتصادية لمناطق “قسد” 

وصلت نسبة سيطرة “قسد” حتى قبل سقوط النظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد أواخر العام الماضي 2024، إلى نحو 30 بالمئة، أي مساحة بحجم 60 ألف كيلومتر تقريباً من مساحة البلاد المقدرة بـ 185 ألف كيلومتر، وتوّزعت على نطاق محافظة الحسكة في الشمال الشرقي، والرقة (التي كان يتخذها تنظيم داعش عاصمة له قبل سقوطه) علاوة على أجزاء من دير الزور وريف حلب الشمالي الشرقي. 

تتمتع تلك المناطق بأهمية استراتيجية وتمتاز بغناها الاقتصادي، لا سيما مع وقوع حقول النفط السورية في حزامها الرئيسي، حيث تضم المنطقة ما يصل إلى 95 بالمئة من الاحتياطي النفطي (البالغ 2.5 مليار برميل) والغازي للبلاد، بينما تشير بعض التقارير إلى أن عوائد النفط في المنطقة تقدر بنحو ما يصل إلى 3 مليارات دولار وفق “إنيرجي فويس”. 

ومن عوامل الأهمية الاقتصادية للمناطق التي تسيطر عليها “قسد” أيضًا، وقوع سدود على نهر الفرات في حزام سيطرتها، كما أن تلك المناطق تشتهر بالإنتاج الزراعي، ومن ثمّ عُرفت بكونها “سلة غذاء سوريا”. 

ثروات سوريا للسوريين 

يمثل الاتفاق طي صفحة جديدة من صفحات الخلاف على الأرض السورية، كما يقول المستشار الاقتصادي، الدكتور أسامة القاضي، مؤكدًا أنه يعزز بقاء ثروات السوريين للسوريين، بحسب حديثه خلال فيديو نشره عبر صفحته بموقع التواصل “فيسبوك“. 

الاتفاق سينعكس على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، فعلى سبيل المثال سيكون حجم إنتاج الغاز والنفط في الشمال الشرقي بالكامل لكل السوريين في جميع المحافظات، كذلك الأمر نفسه بالنسبة لإنتاج القمح والقطن والمياه. 

المستشار الاقتصادي، الدكتور أسامة القاضي

ويواجه قطاع النفط تحديات جسيمة بعد عقود من الدمار، وبعد تهاوي الإنتاج النفطي من 400 ألف برميل (بين 2008 و2010) إلى أقل من 15 ألفاً في 2015 (وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية)، ومن 30 مليون متر مكعب من الغاز قبل الثورة إلى نحو 10 ملايين، وهو ما يقل كثيراً عن الاحتياجات المحلية لتوليد الكهرباء والمقدرة بـ 18 مليون متر مكعب يومياً. 

وكان وزير النفط والثروة المعدنية في “حكومة تصريف الأعمال”، غياث دياب، أكد خلال تصريحات صحفية سابقة أن قطاع النفط في سوريا يعاني من عدة صعوبات وتحديات، تشكل عائقاً في تأمين المشتقات النفطية، على رأسها استمرار عدد من الآبار النفطية خارج إدارة الدولة السورية. 

هذا بينما قال وزير الزراعة، محمد طه الأحمد، إن المخزون الحالي من القمح الموجود من الاستيراد يكفي لموسم الحصاد، وبعده يمكن أن يكون الاكتفاء أقل من 20 بالمئة، مشيرًا إلى أن أبواب التعاون مع “قسد” ما زالت مفتوحة بشأن القمح، وبدلاً من الاستيراد، يمكن تسويق القمح للمزارعين المتواجدين في مناطق سيطرتها الواقعة شمال شرقي سوريا. 

انعكاسات محتملة

 رجّح المستشار الاقتصادي، أن تنتهي أزمة الكهرباء على إثر توقيع الاتفاق بالقريب العاجل، كما توقع أن يتوفر دخل جديد وإيرادات إضافية للموازنة السورية تمكن “الإدارة الجديدة” من إعادة توزيعها على باقي المحافظات، وهو ما ينعكس عليها لتنهض من جديد، ويوفر موارد لتمويل مشروعات إعادة الإعمار. 

وأكد أن الاتفاق بمثابة خطوة جيدة باتجاه رفع العقوبات قريبا عن سوريا بالنسبة لـ”المصرف المركزي السوري”، حيث تدخل سوريا منظومة السويفت العالمية، وتبدأ الاستثمارات تتدفق على البلاد، لافتًا إلى أن هناك الكثير من المستثمرين المفتوحة شهيتهم للاستثمار على سوريا من السوريين أو العرب. 

ومن شأن وضوح الإطار القانوني والإداري لهذه المناطق بعد الاتفاق أن يشجع رجال الأعمال والمستثمرين على ضخ رؤوس أموال في مشاريع الطاقة، بما يعزز فرص التشغيل ويحفز الحركة الاقتصادية، خاصة في المحافظات الشرقية التي عانت طويلاً من العزلة والتهميش. 

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم