تتزايد أعداد السوريين العائدين إلى بلادهم عقب تحرير البلاد من قبضة نظام الأسد البائد، بعد سنوات من النزوح بسبب الحرب، ووصلت أعداد العائدين منذ سقوط الأسد في كانون الأول/ ديسمبر إلى 1,4 مليون سوري وهو رقم مرشح للزيادة خلال الفترة القادمة.
وتطرح هذه العودة الجماعية تساؤلات جوهرية حول قدرة الاقتصاد السوري المنهار، والذي تقلص بنسبة 84 بالمئة منذ 2010 على استيعاب هذا العدد الكبير من العائدين في ظل استمرار التحديات الاقتصادية التي خلفتها الحرب والعقوبات الأميركية والغربية الخانقة.
تقديرات رسمية للاجئين والنازحين السوريين
منذ عام 2011، اضطر أكثر من 14 مليون سوري ما بين لاجئ ونازح، إلى الفرار من ديارهم بحثًا عن الأمان، نتيجة حملة قمع حكومية عنيفة على المظاهرات الشعبية آنذاك، ودخول البلاد في حرب أهلية أجبرت ملايين العائلات السورية على الفرار من ديارهم.
ولا يزال أكثر من 7.4 مليون سوري نازحين داخل بلادهم، حيث يحتاج 70 بالمئة من السكان إلى مساعدات إنسانية، ويعيش 90 بالمئة منهم تحت خط الفقر، كما يعيش أكثر من ستة ملايين لاجئ سوري في دول مجاورة لسوريا، بما في ذلك تركيا ولبنان والأردن والعراق، وفقًا للأمم المتحدة.

بحسب استطلاع أجرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فإن أكثر من 80 بالمئة من اللاجئين يأملون في العودة إلى سوريا، وهو تحول كبير عن الاستطلاع السابق الذي أُجري في نيسان/ أبريل 2024، والذي أشار إلى أن 57 بالمئة فقط أعربوا عن أملهم في العودة.
ذلك بعد أن أحيا التغير الكبير في المشهد السوري آمالًا لدى السوريين بالاستقرار وإعادة الإعمار بعد سنوات الصراع، حيث تجذبهم العودة بعد التحسن الملحوظ في الوضع الأمني عقب سقوط نظام الأسد، فعادة ما يبحث الفارون من مثل تلك الأوضاع عن الأمن والسلامة المرتبطان بانتهاء الصراع، هذا إلى جانب بعض الدوافع العاطفية المتعلقة بالرغبة العميقة في العودة إلى الوطن، ولم شمل العائلات، واستعادة الشعور بالانتماء.
وصل عدد العائدين من الدول المجاورة من لبنان وتركيا والأردن والعراق نصف مليون عائد، بينما عاد 1.2 مليون نازح داخلي إلى مناطق سكنهم، وهناك تقديرات بأن من المتوقع أن يصل عدد العائدين بنهاية عام 2025 الجاري إلى 3 مليون تشمل النازحين الداخليين واللاجئين.
مخاوف من العودة
رغم ما قد تحمله عودة السوريين من رأس مال بشري وتحويلات مالية، إلا أن هناك مخاوف من أن لا تكون البلاد مُهيأة حاليًا لذلك، وأن تضع العودة الجماعية ضغوطًا هائلة على اقتصاد منهار يعيش فيه 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر، ما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والبنيوية الحادة في سوريا، بدلاً من أن تكون محفزاً للتعافي، وذلك بسبب نقص الموارد الكافية والتحديات الهيكلية القائمة.
على مدى ما يقرب من عقد ونصف من الصراع، تحولت سوريا من دولة ذات دخل متوسط في عام 2010 إلى دولة تواجه أزمات اقتصادية وإنسانية عميقة، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إجمالي خسائر الناتج المحلي الإجمالي وصل إلى حوالي 800 مليار دولار أميركي على مدى 14 عامًا من الصراع، كما تظهر التوقعات لعامي 2024 و2025 استمرار الانكماش، حيث يُتوقع انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.0 بالمئة في عام 2025.
هذا وتظل معدلات البطالة مرتفعة، حيث تقدر بحوالي 13.5 بالمئة في عام 2023 و13.00 بالمئة في عام 2024، وتشير التوقعات إلى أنها قد تصل إلى 15.00 بالمئة بحلول نهاية عام 2025، كما تشير التقديرات إلى أن واحداً من كل أربعة سوريين عاطل عن العمل حاليًا.
آثار الحرب والدمار
تمثل هذه الفترة منعطفًا حاسمًا، إذ هناك واقعًا قاسيًا يعكسه الحالة التي عليها البلاد التي تم تدميرها على مدار عقد ونصف من الحرب والانهيار الاقتصادي، فبخلاف الوضع الاقتصادي المتردي، فإن الصراع ترك أيضًا البنية التحتية الأساسية في سوريا في حالة تدهور شديد، مما يعيق بشكل كبير أي آفاق للتعافي والعودة المستدامة.
وتعاني سوريا من نقص في مياه الشرب بنسبة 40 بالمئة عما كانت عليه قبل عقد، كما انخفض إنتاج الطاقة بنسبة 80 بالمئة، مع تضرر أكثر من 70 بالمئة من محطات الطاقة وخطوط النقل، وتقلصت قدرة الشبكة الوطنية بأكثر من ثلاثة أرباع طاقتها.

وتشير المسوحات إلى أن ما يقرب من نصف منازل العائدين إما دمرت بالكامل أو غير صالحة للسكن، وأن 40 بالمئة منهم يفتقرون إلى إثبات الملكية، ولا تزال أحياء بأكملها في المدن الكبرى مثل حلب ودمشق في حالة خراب.
وبالنسبة لأنظمة الرعاية الطبية فإنها تصارع الانهيار بسبب النقص الحاد في الوقود والأدوية، ويعمل 37 بالمئة فقط من مراكز الرعاية الأولية و57 بالمئة من المستشفيات بكامل طاقتها.
مفارقة المساعدات الإنسانية
تأتي كل هذه التحديات الداخلية تزامنًا مع ما باتت تعانيه منظمات الإغاثة الدولية، من حالة استنزاف لمواردها بسبب التخفيضات العالمية، حيث لم تعد قادرة على توفير الدعم الصحي والتعليمي ودعم سبل العيش الذي اعتمدت عليه العديد من المجتمعات، في ظل احتياج أكثر من 16.7 مليون شخص في سوريا إلى مساعدات إنسانية، أي ما يعادل 70 بالمئة من السكان.
في كانون الثاني/ يناير، قالت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إنها ستحتاج إلى 575 مليون دولار لمساعدة 1.5 مليون لاجئ على العودة وإعادة توطين مليوني شخص آخرين نازح داخل سوريا، ولم يتم التعهد سوى بـ71 مليون دولار بحلول شهر نيسان/ أبريل.
ونوهت الوكالة بأن 42 بالمئة من المراكز المجتمعية البالغ عددها 122 والتي تدعمها قد تضطر إلى الإغلاق بحلول الصيف بسبب تخفيضات التمويل، منها على سبيل المثال مركز غصن الاجتماعي في منطقة الشيخ مسكين بمحافظة درعا الجنوبية.
تأثيرات إيجابية
في هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي، ماجد المصطفى، خلال تصريحات خاصة لـ”الحل نت”، إن سنوات الحرب الطويلة وسياسة التهجير والتغيير الديموغرافي الذي طبق بحق السوريين أثروا جميعًا على سوق العمل بشكل مباشر وعلى الاقتصاد السوري أيضًا.
وأضاف أنه بعد التحرير وفي ظل عودة شريحة واسعة من السوريين المهجرين وخاصة من دول الجوار ودول الخليج، وكذلك العودة الجزئية لشريحة من السوريين المقيمين بشكل دائم في بعض الدول العربية والأوروبية، سيكون هناك تأثيرات ملحوظة على الاقتصاد السوري، وأوضح:

هناك جانبًا إيجابيًا بالنسبة للعائدين، يتمثل في نقل بعض الخبرات المكتسبة في دول الاغتراب، وهو ما سيؤثر على سوق العمل حال تم الاندماج بشكل جيد.
رفد السوق السوري بمدخرات تستثمر في المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر التي من شأنها أن تخلق فرص عمل جديدة ومهمة.
عودة شريحة من المهجرين والمبُعدين والعودة الجزئية لبعض السوريين كزيارات دورية في العطل، من شأنه أن يُحفز قطاعات اقتصادية مختلفة، لأنهم سيمثلون قوة شرائية لتنعش بدورها قطاعات التجزئة والخدمات والسكن والنقل.
في ظل الاتفاقيات الاستثمارية الصخمة التي توقعها الحكومة السورية سيحتاج السوق إلى كوادر بشرية ذات مهارة لتغطية الاحتياج للعمالة ولن يستطيع تأمينها إن لم يتم تسهيل عودة هؤلاء.
تأثيرات سلبية
هذا ورأى أيضًا الخبير الاقتصادي أن هناك تأثيرات سلبية لعودة السوريين السريعة في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به بلادهم، وخاصة العودة الدائمة للمهجرين واللاجئين، مستعرضًا أبرز تلك السلبيات، وأوضح أنها تتمثل في:
الضغوطات على الخدمات المتهالكة والبنى التحتية المدمرة التي لن تستطيع مجاراة عودة اللاجئين، وخاصة المدارس والمستشفيات والكهرباء التي مازالت في طور التنظيم للاتفاقيات، التي من المتوقع أن لا تشهد استقرارًا قبل عامين.
الخبير الاقتصادي ماجد المصطفى
الطلب الكبير الذي حدث ومازال مستمرا على الوحدات السكنية التي تعاني نقصا حادا في ظل الأحياء التي دمرتها آلة الحرب، ما سيؤدي لارتفاع أسعار الإيجارات بشكل كبير، ولوحظ ذلك في المدن الرئيسية مثل دمشق وحمص وحماه وحلب بعد عودة جزئية للاجئين، وستزيد في فترة الصيف بعد انتهاء المدارس.
واستبعد توافر فرص عمل جديدة على المدى القريب في ظل الظروف الراهنة، خاصة وأنه لم يبدأ بعد تنفيذ الاستثمارات الجديدة التي تخلق تلك الفرص وتغطي الطلب من قبل اللاجئين.
نقص الكوادر
أشار الخبير الاقتصادي، إلى أنه من الملاحظ أن الكثير من الشباب يرغب بالالتحاق بالوظائف الحكومية وتلبية الطلب من قبل الجيش والأمن وغيرها، على الرغم من أن الرواتب منخفضة جدا تتراوح بين 150 إلى 200 دولار، وهو مبلغ لا يكاد أن يكفي إيجار السكن للعوائل في المدن الرئيسية.

وأوضح أن السوق السوري شهد نقصا في الكوادر المهنية والحرفية، بينما الكوادر المتواجدة اليوم غير مدربة ذات خبرات غير كفئة لاستلام الأعمال وتغطية النقص الذي سيحتاجه السوق، وخاصة في قطاعات مثل البناء والطاقة والتعليم والزراعة.
وأوضح أن من أهم القطاعات التي تعاني نقصًا في الكوادر ذات الخبرة والكفاءة هو قطاع التكنولوجيا والاتصالات، وحتى يشهد انتعاشا ونقلة نوعية لابد من عودة بعض الخبرات، وإعادة الحكومة النظر في رواتب بعض الوظائف في هذه القطاع من أجل توطين هذه الصناعة، مشيرًا إلى أن ما يعرض حاليات من رواتب لا تزيد عن 500 دولار لن تشجع الخبرات في العودة.
أهم التحديات أمام الحكومة
أكد أن فتح الآفاق وتشجيع شركات التدريب وشركات التكنولوجيا على نقل خبراتها إلى سوريا سيخلق سوقا للعمل الحر عن بُعد، من شأنه أن ينافس دولا أخرى مثل الهند ومصر، لكن تحقيق هذا مشروطًا بتغيير القوانين.
وقال إن أهم تحدٍ أمام الحكومة اليوم هو تذليل عقبات الاستثمار لتشجيع المستثمرين على الاستثمار في سوريا، وأن تجد الحلول الرقمية لكثير من الإجراءات التي ستنعش بعض القطاعات مثل الإسكان والتعليم والتدريب المهني والخدمات اللوجستية المرتبطة بذلك، وكيفية ايجاد الأسس الأكثر استدامة المرافقة لها عبر حزم إصلاحات ودعم دولي وإقليمي والتناغم في بين هذه القطاعات والاستثمارات.
هناك ضرورة أن تسارع الحكومة السورية الانتقالية بإجراء تغييرات قانونية على نظام الاستثمار وتذليل العقبات أمام الاستثمار لصغار المستثمرين وإلغاء البيروقراطية والإجراءات الإدارية المعقدة التي أوجدها النظام السابق، مع التأكيد على أهمية الاستقرار الأمني.
الخبير الاقتصادي ماجد المصطفى
وأكد على أن المسارعة من قبل الحكومة على إطلاق الأنظمة الحكومية الخاصة بوزارة الداخلية للسجلات المدنية، وإصدار الثبوتيات والهويات لتسهيل إجراءات أخرى مرتبطة بذلك يتطلبها الاستثمار
بينما تمثل عودة السوريين فرصة تاريخية لإعادة بناء البلاد، فإن التحديات الاقتصادية والهائلة قد تحول هذه الفرصة وتحويلها إلى تحدٍ جديد يثقل كاهل الحكومة والمواطنين السوريين الذي يأملون أن تتحسن ظروفهم المعيشية بعد زوال حكم الأسد.
- “لا يوجد لدينا سويفت”.. تصريح لوزير الطاقة يناقض إعلانات سابقة للمركزي
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء

