انعكاسات فورية.. كيف تأثرت الأسواق السورية بعد تصعيد طهران وتل أبيب؟

الأسواق السورية

شهدت الأسواق السورية حالة من الاضطراب على إثر التصعيد العسكري المفاجئ بين إيران وإسرائيل، والذي انطلق فجر الجمعة الماضي ويستمر حتى الآن، وانعكس بدوره على قيمة العملة الوطنية وأسعار الذهب، وهو ما أثار المخاوف بين السوريين من حدوث أزمة اقتصادية جديدة تمس أوضاعهم المعيشية وتثقل كاهلهم.

وعلى الرغم من أن الأراضي السورية لم تكن ميدانًا مباشرًا لهذا التصعيد، إلا أن التأثير كان فوريًا وواضحًا في الأسواق، التي تتسم بالهشاشة وعدم الاستقرار، وهو ما خلق حالة قلق من الانزلاق إلى مواجهات إقليمية أوسع، من شأنها أن تعمق العزلة الاقتصادية للبلاد وتضغط أكثر على الأسواق.

صعود قياسي للذهب

في مؤشر أولي على تصاعد المخاوف، سجلت أسعار الذهب في سوريا ارتفاعًا ملحوظًا عقب بدء التصعيد، مدفوعة بارتفاع سعر الأونصة عالميًا من جهة، وتزايد الإقبال المحلي على المعدن الأصفر كملاذ آمن من جهة أخرى.

ووفق النشرة الرسمية لأسعار الذهب في دمشق، الأحد، فقد بلغ سعر جرام الذهب من عيار 21 قيراطًا نحو 1,255,555 ليرة سورية، بزيادة تزيد عن 20 ألف ليرة مقارنة بمستويات ما قبل التصعيد، حيث كان يتراوح السعر حينها حول 1,233,000 ليرة.

أما الأونصة الذهبية فقد وصلت إلى 44,630,977 ليرة سورية، وذلك بالتوازي مع ارتفاع سعرها العالمي إلى 3,432.50 دولارًا بعد أن سجلت خلال التداولات مستوى مرتفعًا بلغ 3,446.90 دولارًا، وفق بيانات منصة GoldBursa.

يعكس هذا الارتفاع، الذي بلغ أكثر من 1.5 بالمئة خلال 48 ساعة فقط، القلق المتصاعد لدى السوريين من تفاقم الأوضاع في المنطقة، إذ يلجأ الكثير من المواطنين، في ظل غياب الثقة بالعملة المحلية وتذبذب سعر الصرف، إلى الذهب كخيار آمن للحفاظ على القيمة الشرائية لمدخراتهم، خصوصًا في غياب البدائل الاستثمارية الآمنة داخل البلاد.

تراجع الليرة

في سياق موازٍ، واجهت الليرة السورية ضغوطًا متزايدة، حيث شهد سعر صرف الدولار في السوق الموازية ارتفاعًا ملحوظًا منذ اندلاع التوترات، ففي اليوم الأول للتصعيد الإيراني الإسرائيلي سجلت الليرة السورية تراجعاً أمام سعر صرف الدولار في تداولات  السبت 14 حزيران/ يونيو، ووصل سعر صرف الدولار أمام الليرة السورية 11,598 للشراء 11,719 مبيع بحسب موقع “الليرة اليوم”، مقارنة بمستوى 9,800 ليرة قبل التصعيد.

ورغم تمسك المصرف المركزي بسعر الصرف الرسمي دون تغيير، محافظًا على تسعيرة 11,000 ليرة للشراء و11,110 ليرة للبيع، فإن الفجوة بين السعرين الرسمي وغير الرسمي آخذة بالاتساع، ما يعكس عمق الانفصال بين الواقع الاقتصادي الميداني والسياسات النقدية الرسمية، ويزداد هذا الانفصال حدة مع ازدياد الطلب على الدولار، سواء من قبل الأفراد لحماية مدخراتهم، أو من قبل المستوردين الذين يجدون أنفسهم أمام ارتفاع غير مسبوق في تكاليف الاستيراد في ظل التضخم العالمي المتزامن مع الأزمات الجيوسياسية.

على الرغم من أن “المصرف المركزي” لم يُقدم حتى الآن على اتخاذ إجراءات استثنائية لامتصاص التذبذبات، مثل التدخل في السوق أو تعديل سياسة الحوالات، إلا أن استمرار التصعيد الإقليمي قد يدفعه قريبًا إلى اتخاذ خطوات تهدف إلى تخفيف الضغط على الليرة، سواء عبر تسهيلات استيراد أو تخفيضات جمركية أو حتى توسيع هامش تداول العملات الأجنبية.

التوقعات حال استمرار التصعيد

من المتوقع حال استمر التوتر الإيراني الإسرائيلي دون احتواء، فمن المرجح أن تستمر أسعار الذهب بالارتفاع، وقد تصل خلال الأسابيع المقبلة إلى 1,500,000 ليرة سورية للجرام عيار 21، خاصة إذا تجاوز سعر الأونصة عالميًا حاجز 3,500 دولار.

أما سعر الدولار في السوق الموازية فقد يشهد ارتفاعًا تدريجيًا ليصل إلى 10,500 أو حتى 11,000 ليرة في حال استمرار الطلب وعدم تدخل المركزي.

آثار التصعيد في المنطقة لا تقتصر على البيانات والمؤشرات المالية فقط، بل تمتد لتطال حياة المواطن اليومية، فصعود الدولار عادة ما يؤدي تلقائيًا إلى زيادة أسعار السلع في الأسواق خاصة المستوردة، التي يعتمد عليها السوق السوري بشكل شبه كلي، بدءًا من المواد الغذائية الأساسية، وصولاً إلى المحروقات وقطع الغيار.

وهو ما يعني أن مزيدًا من السوريين قد يجدون أنفسهم أمام موجة جديدة من الغلاء، في وقت يعانون فيه أصلاً من تآكل الرواتب وثباتها على مستويات غير متناسبة مع الواقع المعيشي، وهو ما يرجح أن يؤدي ذلك إلى تقليص القوة الشرائية، وارتفاع نسب الفقر التي تخطت 90 بالمئة بين السوريين.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم