تهجير البدو من السويداء.. إجراء وقائي أم تغيير متعمّد؟

تهجير البدو من السويداء.. إجراء وقائي أم تغيير متعمّد؟

صباح الاثنين الماضي، خرجت أولى دفعات عوائل البدو من السويداء، وذلك بعد قرابة أسبوع على بدء أعمال العنف في المحافظة، والتي أسفرت عن مقتل المئات المدنيين والعسكريين، وعمليات متبادلة لاحتجاز مئات العوائل بين عشائر البدو وأهالي السويداء.

الحكومة السورية قالت آنذاك إنّ العملية تأتي في إطار “تهدئة النفوس”، بينما تشير وقائع الأرض إلى شيء أبعد من وقف الاقتتال، وربما أكثر خطورة.

خروج طوعي أم إجباري

وزير الداخلية أنس خطاب، قال في تصريح نقلته وكالة “سانا” إن “الهدنة ستسمح بالإفراج عن الرهائن والمعتقلين لدى الجانبين”، لكن لم يتضح ما إذا كانت هذه الهدنة تشمل ضمان عودة البدو الذين أُجبروا على الرحيل.

نزوح عشائر البدو من السويداء – إنترنت

وفي تصريح لوكالة “سانا” الحكومية، قال قائد الأمن الداخلي في محافظة السويداء العميد أحمد الدالاتي: إن “الحكومة معنيّة بإخراج المدنيين الذين لديهم رغبة بالخروج لتأمين أنفسهم بشكلٍ مؤقت”.

السلطات الرسمية تتحدث عن “إجلاء طوعي”، بينما الواقع على الأرض يشي بأنّ البدو أُجبروا على الرحيل تحت الضغط الأمني الذي مارسته الحكومة من جهة وفصائل حكمت الهجري من جهة أخرى.

وبحسب تقرير لوكالة رويترز، فقد تم نقل أكثر من 1500 شخص من البدو إلى خارج المحافظة، ويقول شهود عيان إن القوافل كانت تضم نساء وأطفالا وجرحى، بينما بقيت مشاهد الدمار في القرى البدو شاهدة على أيام من العنف المتبادل.

وفي حديث لرويترز، قال علي الحريم، وهو رجل بدوي نازح يبلغ من العمر 56 عاما: “6 من أقربائي قُتلوا في هجوم شنه فصيل درزي على شهبا، كنا نظن أننا سنكون آمنين بعد وعود وجهاء الدروز، لكن الفصيل لم يلتزم، وأجبرونا على الخروج”.

عشرات الآلاف من النازحين

شهادات من هذا النوع تتكرر، بعضها يصف عمليات قتل جماعي، وبعضها الآخر يتحدث عن طرد مباشر من المنازل، القاسم المشترك بينها، غياب الثقة بين الأطراف، وعدم قدرة الدولة على احتواء الموقف، والوقوف على قدر متساوي بين الجميع.

النازحون ليس كلهم من بدو السويداء، بل أن أغلبهم من القرى الدرزية التابعة للمحافظة، بعضهم لجأ إلى محافظة درعا، وبعضهم الأخر لجأ إلى السويداء هربا من أعمال العنف التي نفذتها، ميليشيا عشائر البدو، وعناصر من وزارتي الدفاع والداخلية.

إلا أن الحكومة السورية، غضت الطرف عن عشرات القرى والبلدات المهجرة المحيطة بالسويداء، والتي وثقت وسائل عالمية، حالات الحرق والنهب، وخلوها من السكان بشكل كامل، فيما رجح محلّلون أن عودة الحياة إلى تلك المناطق أصبح شبه مستحيل.

وفي هذا السياق، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أنّ أكثر من 93 ألف شخص نزحوا بسبب تصاعد الأعمال العدائية في محافظة السويداء، سواء داخلها أو باتجاه محافظتي درعا وريف دمشق.

وذكر المكتب في آخر تحديث له، أنّ المجتمعات المحلية في السويداء تستضيف معظم النازحين في 15 مركز استقبال على الأقل، كما تم افتتاح حوالي 30 مأوى جماعيا في درعا.

وأشار إلى أن هناك حاجة ماسة للمساعدات الإنسانية في السويداء، حيث خرج عدد من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، مما يزيد من تعقيد الوضع الإنساني في المحافظة.

وفي المقابل، يحمّل بعض ناشطي الطائفة الدرزية مسؤولية ما جرى للحكومة، ويتهمونها بتأجيج الانقسام. تقول لونا البسيط، ناشطة درزية من شهبا، لـ”رويترز”: “الناس قُتلوا في الشوارع وفي منازلهم، وأُهينوا، وكل ذلك كان باسم الدولة، أي حماية هذه؟”.

أحداث السويداء تفتح بابا واسعا للتساؤل عن حقيقة ما يجري: هل نحن أمام إعادة تموضع سكاني مؤقت لتجنب فتنة أهلية؟ كما تقول الحكومة السورية، أم أنّ هناك خطة أعمق لتغيير الخريطة الديموغرافية في الجنوب السوري؟

مفارقة المعايير

أكثر ما يثير غضب البعض هو “الانتقائية” التي تعاملت بها السلطة مع ملف التهجير. ففي وقت تُصوَّر فيه قضية بدو السويداء، على أنها “قضية أخلاقية يجب حسمها”، سكتت الحكومة عن تهجير قسري سابق طال قرى كاملة في أرياف حماة وحمص، وفقا لشهادات محلية.

ففي ريف حماة الشرقي وحده، تم تهجير سكان أكثر من عشرين قرية ذات أغلبية علوية، ومنعوا من العودة حتى اليوم.

من بين هذه القرى: البليل، الزغبة، الطليسية، معان، الفان الوسطاني، الفان القبلي، أبو منسف، المبطن، مريود، الطوبا، نوى، حلبان، الثورة، الشيخ علي كاسون، تلدهب، سباع، البويضة، الرويف، والشيحة.

وسكنت مكانهم عائلات أُحضرت من مناطق أخرى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ جرى استقدام شركة عقارية من إدلب لاستثمار أراضي المنطقة.

أما في ريف حماة الغربي، فجرى تهجير سكان قريتي العزيزية وأرزة بالكامل، بعدما ارتُكبت فيهما مجازر دامية، ليستقرّ بدلا منهم أهالي بلدة خطاب.

المشهد ذاته تكرّر في ريف حمص الشمالي، حيث أصبحت قرية تسنين ومحيطها شبه خالية من سكانها الأصليين.

هذا التباين في تعامل الحكومة مع ملفات التهجير لا يمكن عزله عن البعد الطائفي. إذ تُمنَح بعض المكونات “حق العودة”، فيما يُطوى ملف آخر وكأنه لم يكن. وهو ما يطرح سؤالا وجوديا: من يملك حق البقاء على هذه الأرض، ومن يُرسم له طريق الخروج؟

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم