بعد الأميركي.. جثة أكاديمي فرنسي تفضح حجم العنف الطائفي في السويداء

السويداء

عُثر في مدينة السويداء جنوب سوريا، على جثة الأكاديمي الفرنسي ذو الأصول السورية فراس أبو لطيف، محترقة ومدفونة تحت أنقاض منزل العائلة الذي كان يحتمي به من نيران الحرب، في مشهد يلخص المدى الذي بلغه العنف الطائفي في البلاد، حتى باتت حياة المدنيين، بمن فيهم العائدين من الخارج، مرهونة بصراع لا يرحم.

فراس، أستاذ جامعي وباحث في مجال البرمجة المعلوماتية، جاء من منطقة النورماندي الفرنسية حيث يقيم مع أسرته، لقضاء عطلة قصيرة مع والده في مسقط رأسه السويداء، لكنه وقع ضحية لحالة الانفلات الأمني التي تشهدها المحافظة منذ اندلاع مواجهات دامية بين مقاتلين محليين من أبناء الطائفة الدرزية ومسلحين من عشائر بدوية تدعمهم قوات موالية للحكومة السورية.

رواية العائلة

في رواية شقيقته ميسا، التي تحدثت إلى وكالة “فرانس برس” من داخل المدينة، بدا واضحًا أن زيارته العائلية لم تكن مبرمجة إلا كفصل صغير من حياة رجل علمي قضى سنواته في أوروبا، بعيدًا عن دوامات السياسة.

فراس، البالغ من العمر 48 عامًا، وصل إلى سوريا مطلع تموز/يوليو برفقة زوجته وطفليه، الذين يحملون الجنسية الفرنسية، ومع تصاعد الاشتباكات قرب منزل العائلة، اضطرت شقيقته وزوجته وأطفاله إلى المغادرة، لكن فراس بقي مع زوج شقيقته.

تقول ميسا إن مجموعة مسلحة اقتحمت المنزل لاحقًا، وحاولت اعتقال الرجلين، اللذين حاولا على الأرجح المقاومة، قبل أن يُقتلا برصاص مباشر، ويُقصف المنزل لاحقًا بالقذائف ليحترق بالكامل.

لم يكن فراس يحمل سلاحًا، ولم ينخرط في أي نشاط سياسي أو عسكري، حسب ما أكده قريبه أيمن ظريفة من فرنسا.

وتشير رواية العائلة إلى أن استهدافه جاء على خلفية طائفية صريحة، كونه درزيًا، هذا الاتهام ليس استثناءً، بل يتقاطع مع ما أعلنه “المرصد السوري لحقوق الإنسان”، الذي أكد أن معظم ضحايا الأيام الماضية في السويداء هم من أبناء الطائفة الدرزية، مشيرًا إلى أن عدد القتلى فاق 1300 شخص في أقل من أسبوع، في معارك بدأت بين مجموعات مسلحة محلية وعشائر بدوية، ثم تحوّلت إلى حرب شاملة تورطت فيها قوات حكومية ومليشيات قبلية.

الموقف الفرنسي

في فرنسا، لا تزال زوجة فراس وأطفاله بانتظار تدخل دبلوماسي من وزارة الخارجية الفرنسية لتأمين ممر آمن يسمح لهم بمغادرة المنطقة، لكن هذا التدخل لم يحصل حتى الآن، وسط مشاعر صادمة بالخذلان عبّرت عنها العائلة، التي ترى في الصمت الدولي جزءًا من المشكلة، لا مجرد نتيجة لها.

فحين تُترك العائلات المستهدفة، ذات الجنسيات المزدوجة، لمصيرها تحت القصف، دون مساءلة أو حماية، تصبح مواطَنتهم في الدول الغربية ورقةً رمزية لا قيمة لها في زمن الحروب.

فرنسا كانت علقت في السابق على الأحداث في السويداء، حيث حثت من خلال وزارة خارجيتها على احترام وقف إطلاق النار في محافظة السويداء بسوريا، والتحقيق في الإجراءات المتخَذة ضد الأقليات، داعية السلطات السورية إلى ضمان أمن وحقوق جميع مكوّنات الشعب السوري، بناء على ما التزم به الرئيس أحمد الشرع.

جريمة سابقة

ليست هذه هي الجريمة الوحيدة التي دوّنها أهالي السويداء في ذاكرة الأيام الأخيرة، في خضم الفوضى، حيث وثّقت الكاميرات حادثة أخرى راح ضحيتها المواطن الأميركي ذو الأصول السورية حسام سرايا، الذي ظهر في مقطع مصور وهو يُجبر على السير مع مدنيين آخرين أمام مسلحين يرتدون الزي العسكري، قبل أن يُقتلوا جميعًا رميًا بالرصاص وسط هتافات طائفية.

وعلقت على الواقعة وزارة الخارجية الأميركية حيث أكدت مقتله دون تقديم تفاصيل إضافية عن الجهة المسؤولة، بينما لم يصدر أي موقف واضح من السلطات السورية بشأن ما يحدث في المدينة من تجاوزات، باتت توصف على نطاق واسع بأنها “تطهير طائفي صامت”.

مقتل فراس وسرايا ليسا حادثتين معزولتين، بل عرض لحالة انهيار ممنهج، تضرب المدن السورية واحدة تلو الأخرى، وتجرّد مؤسسات الدولة من دورها في الحماية والعدالة، وتُقوّض ما تبقى من فرص التعافي.

وقد سمح فشل الإدارة السورية المؤقتة في حماية المدينة، وغياب أي استراتيجية واضحة لنزع فتيل الصراع، بتحول السويداء إلى ساحة مكشوفة أمام كل الاحتمالات، حيث تتداخل فيها الحسابات العشائرية مع النزعات الطائفية، وتُختبر فيها حدود التمثيل السياسي الهش الذي أعقب انهيار النظام السابق.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم