ما من سلطة تٌهاب في اليمن سوى سلطة “المشرف الحوثي”، ذاك الوافد من ظلام “الحكم الإمامي” البائد، الذي حلّ محل الدولة والقانون، وسحق في طريق صعوده كرامة اليمنيين، حيث لا مكانة لمسؤولي الدولة، ولا هيبة لشيخ القبيلة.
فمنذ اجتياح جماعة “الحوثي” العاصمة صنعاء، دخلت البلاد في زمن آخر، زمن يحكم فيه “المشرفون” القادمون من كهوف مران في صعدة، لا يعرفون القانون ولا مؤسسات الدولة، ولا حتى العٌرف القبلي المعهود في اليمن.
إنه زمن تٌدار فيه المدن والقرى اليمنية بالتوجيهات “الحوثية”، وتٌمنح فيه الحريات و”الكرامات” كامتيازات شخصية من قبل شخص لا يحمل أي صفة دستورية، لكنه يمتلك صلاحيات تفوق قدرات أعلى مسؤول حكومي في مناطق سيطرة “الحوثيين”.
“مشرف حوثي” يعلو على كل شيء
في مناطق سيطرة جماعة “الحوثي”، لا شيء يعلو فوق سلطة “المشرف”، هو الآمر الناهي في كل شيء، من التعيينات الإدارية، إلى فرض الجبايات، وحتى التدخل في تفاصيل الحياة الشخصية للناس.

ويتعامل “الحوثيون” مع “المشرف” بوصفه الممثل المباشر لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، وبهذا التوصيف، تتحوّل مخالفة أوامره إلى ما يشبه العصيان والخروج عن سلطة الجماعة.
ومن هذا المنطلق، تنبع كل تلك القداسة المصطنعة التي أحاطوا بها “المشرف الحوثي”، والذي تحول في الواقع إلى سيف إذلال مسلط على رقاب اليمنيين.
الكاتب السياسي عادل الأحمدي في تصريح خاص لـ”الحل نت” يقول في الحالة “الحوثية”، لم يعد للدولة أي معنى سوى كونها واجهة شكلية يغطي بها “المشرفون” سلطتهم المطلقة.
ويضيف “لقد أنشأ الحوثيون منظومة سلطوية بديلة تتجاوز المؤسسات والقوانين، وتستمد مشروعيتها من الولاء للسلالة لا من العقد الاجتماعي أو الأداء المؤسسي”.
انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة
“ما فعله الحوثيون منذ اجتياحهم صنعاء في 2014 هو إحلال سلطة فوق الدولة، وفوق القانون، وفوق المجتمع نفسه، لقد صادروا ما تبقى من مظاهر السيادة المؤسسية للدولة، واستبدلوها بشبكة أمنية – عقائدية تحكم الناس بالخوف والابتزاز”.
الدكتورة ميساء شجاع الدين، باحثة في الشأن اليمني
ولم تكن الدولة اليمنية، قبل الانقلاب “الحوثي”، مثالية أو مكتملة الأركان، لكنها كانت موجودة على كل حال، كان هناك مسؤولون بصلاحيات معروفة، ومؤسسات تتبع هياكل إدارية متدرجة، وقوانين يتم الرجوع إليها.

لكن منذ أن وضعت جماعة “الحوثي” يدها على مفاصل الحكم في اليمن، أٌطيح بكل تلك البٌنى دفعة واحدة، وحلّت مكانها سلطة موازية متمثلة في “المشرف”، لا تخضع لأي رقابة أو محاسبة.
من الوزير إلى المحافظ فالمدير العام، وحتى عاقل الحي، جميعهم موظفون بالاسم فقط، السلطة الفعلية في يد “المشرف الحوثي” المعين من صعدة، والذي لا يرتبط بأي مؤسسة مدنية، بل يتبع جهازاً سرياً يتلقى تعليماته من الحلقة الضيقة حول زعيم الجماعة.
في هذا السياق، يؤكد عادل الأحمدي “نحن أمام سلطة موازية لا تخضع لأي نظام معروف في إدارة الدولة، بل تٌدار وفق نزوات وخطاب طائفي يشرعن كل تجاوز باعتباره “جهاداً مقدساً” ضد أعداء مفترضين”.
ويشير السياسي اليمني إلى أن سلطة “المشرفين” هي نقيض الدولة، وسبب رئيسي في سحق كرامة اليمنيين، حيث يخضع الناس لسلطة شخص لا يمكن مساءلته، ولا تٌعرف حتى هويته الحقيقية.
إذلال المشايخ وتحطيم القبيلة
واحدة من أكثر ضربات “الحوثي” عنفاً كانت وما تزال موجهة نحو المشايخ القبليين، الذين شكّلوا لعقود طويلة ركيزة الحكم والنفوذ في اليمن، حيث كان بعضهم يٌعامل كرؤساء دول مصغرة، وجدوا أنفسهم فجأة يٌوبخون ويٌهانون علناً من قبل “مشرفين” عادة لا تتجاوز أعمارهم 25 عاماً.

أحد المشايخ الذين تحدثوا لـ”الحل نت”، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، قال “صرخ بي المشرف الحوثي أمام أهلي وعشيرتي قائلاً: (أنت مجرد تابع، ولا لك كلمة هنا)، حينها شعرت أنني بلا قيمة، وأن كرامتنا قد سحقت بالكامل”.
وقد جاءت جماعة “الحوثي” لتحطيم كل ما له جذور اجتماعية أو رمزية خارج الجماعة، وحتى أولئك المشايخ الذين انحنوا لسلطتها، طالتهم يد الإذلال والابتزاز.
وفي هذا الشأن، توضح الدكتورة ميساء شجاع الدين، فتقول إن القبائل التي كانت تشكّل صمام أمان تقليدي في المجتمع اليمني، تم ترويضها أو تفكيكها عبر الترهيب وتفجير المنازل، أما العقال، فتحولوا من وسطاء اجتماعيين إلى مخبرين لـ”الحوثيين”.
“أبو فردوس” نموذج لإجرام المشرفين
في مديرية عبس بمحافظة حجة اليمنية حيث الناس تحت رحمة الجلاد، لا يشير اسم “البيت الأبيض” إلى مبنى حكومي أنيق كما قد توحي واجهته البيضاء، بل إلى سجن مرعب تديره جماعة “الحوثي” بقبضة حديدة.
حيث يمارس فيه أحد أبرز مشرفي الجماعة، المكنى بـ”أبو فردوس”، كل أشكال الانتهاك والتنكيل بحق الناس، وصولاً إلى تحويل السجينات إلى جوارِ في إمبراطوريته الجهنمية.
الاسم الحقيقي لـ”المشرف الحوثي” هو سلمان الهدوي، لكن في عبس، يعرفه الجميع بلقب “أبو فردوس”، “المشرف” الأمني الذي لا يجرؤ أحد على ذكر اسمه علناً.
أرسلته جماعة “الحوثي” من صعدة قبل سنوات، ومنحته سلطة مطلقة على مديريتي حرض وعبس وقراهما، حتى بات بمثابة “الحاكم الأول”، الذي يتفنن في قمع السكان، ويدير سجوناً سرية أبرزها “البيت الأبيض” سيء السمعة.
ورغم صدور قرار من جماعة “الحوثي” بتغييره، إلا أنه ظل في موقعه، محصّناً بصلات قرابة نافذة مع قادة الجماعة في صعدة، ما منحه غطاء آمناً للاستمرار في جرائمه التي توزعت بين التعذيب، الاغتصاب، النهب، وتجارة المخدرات.
نظام المربعات.. “المشرف” حاضر بكل شيء
وحتى يٌحكم “الحوثيون” قبضتهم، قاموا بإعادة هندسة المدن والقرى بشكل أمني صارم، حيث قٌسمت كل منطقة إلى مربعات أمنية، على كل مربع “مشرف”، وعلى كل “مشرف” شبكة من “العٌقال” والمخبرين المحليين الذين تم اختيارهم بعناية لضمان الولاء.
وبذلك غدت كل حركة مرصودة، وكل زائر مسجّل، وكل أسرة تٌراقب على الدوام، حتى صار المواطن في أرضه غريباٌ، مراقباً في داره، ومهدداً في رزقه وكرامته.
كما تحولت تقارير “المشرفين” إلى أدوات انتقام وسحق للمعارضين، وأحيانا لتصفية الحسابات الشخصية، في حين لم تقتصر سلطة “المشرف” على الشأن الأمني، بل امتدت لتخترق جميع مجالات الحياة.
ففي المدارس، يقرر “المشرف” ما يٌدرس، ويشرف على الفعاليات الطائفية، ويراقب المعلمين، وفي السوق، يفرض “المشرف” الجبايات، ويتحكم بالأسعار، ويفرض “الخٌمس” لصالح الجماعة.
صعدة.. النموذج الأول لسلطة “المشرف”
في صعدة، معقل جماعة “الحوثي”، بدأ نموذج “المشرف” قبل سنوات من اجتياح صنعاء، حيث تفرض الجماعة هناك قبضة أمنية مشددة، والناس لا يثقون ببعضهم البعض، ولـ”المشرف” الكلمة العليا في كل شيء.

ولم يكن نموذج صعدة عارضاً، بل كان المخطط الذي استنسخ لاحقا لينتشر على بقية المحافظات اليمنية.
من عمران إلى حجة، ومن ذمار إلى إب، كل محافظة تحوّلت إلى نسخة مصغّرة من صعدة، تحكمها شبكة أمنية مغلقة، يراقبها “مشرفون” تم إعدادهم أيديولوجياً وتنظيمياً في دورات طائفية طويلة.
ارتباط “الحوثي” بإيران
وفي السياق، تؤكد الدكتورة ميساء شجاع الدين أن “ما نراه اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو تمرد مسلح، بل مشروع شمولي غايته كسر الإرادة الجمعية لليمنيين، وإعادة تشكيل الهوية الوطنية على مقاس جماعة مغلقة”
كما لا يمكن فهم دور “المشرف” دون الإشارة إلى الجهة التي تٌحرّكه، فالمشرفون ليسوا فقط أدوات أمنية، بل أذرع طائفية مرتبطة بـ”الحرس الثوري” الإيراني.

وقد تم إعدادهم فكرياً وسياسياً على أساس الارتباط العقائدي بولاية الفقيه الإيرانية، وليس بالهوية اليمنية.
من هنا، فإن كل هذا القهر الذي يٌمارس ضد اليمنيين، ليس فقط لإحكام السيطرة، بل أيضاً لإعادة تشكيل المجتمع على مقاس إيران، وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: أن تٌسحق كرامة شعب بأكمله لإرضاء مشروع طائفي خارجي.
مشروع يعيد صياغة العبودية
ما يحدث في مناطق سيطرة “الحوثيين” اليوم لا يمكن وصفه سوى بأنه عملية نسف ممنهجة لفكرة الدولة ذاتها، واستبدالها بمنظومة ولاء لا تنتمي للزمن الجمهوري ولا للعصر الحديث.

وبذلك تكون الجماعة “الحوثية” قد نجحت في تحويل اليمنيين من مواطنين إلى “رعايا”، يٌحكمون بالخوف لا بالقانون، وتٌدار شؤونهم لا من قبل مؤسسات رسمية، بل من قبل “مشرفين” عقائديين لا يعرفون سوى لغة القمع والجباية والتبعية المطلقة للقيادة “الحوثية”.
وما لم يٌكسر هذا النظام من جذوره، فإن اليمنيون سيظلون تحت رحمة سلطة لا تعرف سوى القمع والإرهاب، يذوقون معها مرارة العيش كل وقت وحين.

