مقارنة تكشف زيف التوافق بين تقرير الأمم المتحدة وتقرير دمشق في أحداث الساحل

مقارنة تكشف زيف التوافق بين تقرير الأمم المتحدة وتقرير دمشق في أحداث الساحل

في مطلع آذار/مارس، شهد الساحل السوري واحدا من أكثر فصول العنف دموية، قرى وأحياء تحولت إلى مسارح لعمليات قتل جماعي، وبيوت أُحرقت على أصحابها، وأسر بكاملها شُرّدت تحت وقع الرصاص والنار.

خلفت الأيام الثلاثة تلك مئات القتلى وآلاف النازحين، وفتحت جروحا طائفية واجتماعية عميقة ما زالت تنزف حتى الآن.

في مثل هذه اللحظات الحرجة، تصبح تقارير التحقيق المستقلة، سواءً كانت صادرة عن الأمم المتحدة أو عن لجان وطنية، ضرورة لا بد منها، لمعرفة الحقيقة ومحاسبة الجناة.

لكن بينما وثّقت لجنة الأمم المتحدة وقائع وانتهاكات على نطاق واسع ومنهجي، خرجت وزارة الخارجية السورية لتقول إن هذا التقرير “يتطابق” مع ما توصلت إليه اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل.

فهل نحن أمام توافق حقيقي في النتائج، أم أن الأمر مجرد محاولة لطمس الفوارق الجوهرية وتلميع صورة التقرير المحلي؟ هذا ما تحاول المقارنة بين الوثيقتين أن تكشفه.

اختلاف في التوصيف

تقرير الأمم المتحدة الصادر في 14 آب/أغسطس، خلص بوضوح إلى أن أحداث آذار تضمنت عمليات قتل وتعذيب وانتهاكات أخرى “على نطاق واسع ومنهجي”.

نزوح عائلات سورية بعد أحداث متفرقة في الساحل وحمص - إنترنت
نزوح عائلات سورية بعد أحداث متفرقة في الساحل وحمص – إنترنت

في لغة القانون الدولي، عبارة “واسع ومنهجي” ليست توصيفا عابرا؛ بل هي مؤشر على وجود سياسة أو أوامر عليا، مما يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب.

في المقابل، يصر تقرير لجنة تقصي الحقائق السورية، الصادر في 22 تموز/يوليو، على أن الانتهاكات، رغم اتساعها، لم تكن منظمة. فالشهادات (وفق ما أوردته اللجنة) أظهرت “سلوكاً متبايناً للمجموعات وللأفراد ضمن المجموعة الواحدة”، ما يعني، برأي اللجنة، أن ما جرى كان فوضويا ومدفوعا جزئيا بدافع الانتقام، لا خطة ممنهجة.

الجمع بين هذين الاستنتاجين وتقديمهما على أنهما متطابقان هو تضليل صريح، فالفرق بين “منهجي” و”عشوائي” هو الفرق بين جريمة فردية وانتهاك مؤسسي منظم.

تسمية الفاعلين أم إخفاؤهم؟

على الرغم من أن الأمم المتحدة لم تتهم الحكومة السورية بشكل مباشر، لكن اعتبرتها مسؤولة بحكم القانون الدولي عن حماية المدنيين ومنع الانتهاكات بصفتها السلطة الحاكمة.

ولم تكتفِ الأمم المتحدة بالحديث عن “جهات خارجية” أو “فلول”، بل أشارت بوضوح إلى أن بعض الجرائم ارتكبتها عناصر من فصائل مدمجة حديثاً في قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة، وأخرى نفذها مقاتلون موالون لبشار الأسد.

كما يربط تقرير الأمم المتحدة الطابع المنهجي للجرائم بهذه الوحدات الميدانية، وهو ما يعني أن قادتها، الذين كانوا يعملون ضمن هيكل وزارة الدفاع وقت الأحداث، يتحملون مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة.

من بين هؤلاء القادة المعروفين للرأي العام السوري، والتي سمتهم لجنة الأمم المتحدة بأسمائهم وهم محمد الجاسم (أبو عمشة) قائد الفرقة 62، سيف بولاد (سيف أبو بكر) قائد الفرقة 76، محمد خير حسن شعيب (أبو الخير تفتناز)، وهو نائب وزير الدفاع وقائد الفرقة 400 (ألوية سابقة لهيئة تحرير الشام)، وكلهم قادة في الجيش السوري الجديد.

تقرير لجنة تقصي الحقائق السورية، في المقابل، يوجّه اللوم الأساسي إلى “الفلول” الموالين لنظام الأسد، متحدثا عن “مجموعات متمردة” خططت لفصل الساحل عن سوريا.

أما عن القوات الحكومية والفصائل المدمجة، فقد اكتفى بالإشارة إلى أن بعض أفرادها “خالفوا الأوامر العسكرية” وارتكبوا تجاوزات، ولا يوجد ذكر صريح للوحدات أو القادة، ولا تحديد للمسؤولية المؤسسية.

إن لم يكن هذا إخفاءً متعمدا للمسؤولين العسكريين، فهو على الأقل انتقائية في السرد تهدف إلى حماية شخصيات نافذة من التحقيق العام.

الشفافية الغائبة

في فقرة صريحة، يدعو تقرير الأمم المتحدة السلطات السورية المؤقتة إلى نشر التقرير الكامل للجنة الوطنية لتقصي الحقائق “لتمكين التدقيق والمتابعة”، وهذا المطلب يعكس إدراكا دوليا بأن الاكتفاء بملخصات، خالية من المنهجية والأدلة التفصيلية، يحرم الخبراء القانونيين من تقييم النتائج بموضوعية.

ويتجلى ذلك في قول المفوض هاني مجلي: “نحثّ على سرعة نشر تقريرهم الكامل، وتنفيذ التوصيات، والالتزام بالإسراع في إصلاح القضاء لضمان محاكمات تراعي حقوق الإنسان لجميع المتهمين”.

لكن اللجنة الوطنية اكتفت بنشر ملخص، عرض أرقاما وأسماء أعداد المشتبه بهم دون نشر قائمة الأسماء أو الأدلة، وهذا النهج، الذي يمكن وصفه بـ “ثق بي”، يتنافى مع أبسط معايير التحقيقات المستقلة، خاصة في قضايا تتعلق بجرائم حرب.

تباين في سرد السياق

تقرير الأمم المتحدة يرى أن أحداث آذار، جاءت كنتيجة مباشرة لعملية اعتقال في 6 من الشهر ذاته، أعقبها رد دموي من مقاتلين موالين للحكومة السابقة، ثم تحولت إلى موجة من العنف الممنهج ضد المدنيين، مع استهداف واضح للطائفة العلوية على أساس الهوية.

أما تقرير اللجنة الوطنية، فيرسم سردية تبدأ بهجوم من “الفلول” على مقرات الجيش والأمن، تلاه اندفاع عشوائي لقوات حكومية وفصائل وفزعات شعبية لاستعادة السيطرة.

وبينما يعترف التقرير بوقوع “انتهاكات جسيمة واسعة” خلال 7-9 آذار، إلا أنه يربطها بظروف ميدانية مرتبكة وبنية تنظيمية غير مكتملة للقوات المدمجة.

ادعاء الاستقلالية

أحد أكثر الجوانب التي تثير الشكوك في تقرير اللجنة الوطنية هو ادعاؤها الاستقلالية. ففي مؤتمر صحفي بتاريخ 22 تموز/يوليو، قال ياسر الفرحان، رئيس اللجنة، إن “الدولة زودتنا بجميع المعلومات التي طلبناها عن المشتبه بهم”. وبعد دقائق، أكد أن “أي جهة حكومية لم تكن على علم بهويات أو خلفيات هؤلاء الأشخاص قبل تقديم التقرير”.

هذا التناقض لا يمكن تفسيره إلا بغياب الشفافية، ويطرح تساؤلات جدية حول مدى تدخل الدولة في التحقيقات، أو على الأقل مدى اعتماد اللجنة على مصادر رسمية قد تكون طرفا في النزاع.

إصلاحات غائبة

الأمم المتحدة، في ختام تقريرها، أوصت بإبعاد المشتبه بهم فورا عن مهامهم، وتوسيع نطاق عمليات التدقيق الأمني لضمان عدم تجنيد مرتكبي الانتهاكات مستقبلا، مع إصلاحات هيكلية في قطاع الأمن.

تقرير اللجنة الوطنية لم يذهب في هذا الاتجاه. اكتفى بإحالة الأسماء المشتبه بها إلى النائب العام، دون الدعوة إلى إبعادهم الفوري أو مراجعة آليات الدمج الأمني. وهذا يعني عملياً أن أشخاصاً يشتبه في ارتكابهم فظائع قد يواصلون أداء مهام أمنية أو عسكرية إلى أن يُثبت العكس، إن ثبت أصلا.

هل يمكن تبرير الانتهاكات؟

الخبير في القانون الدولي معتصم الكيلاني، يقول في لقاء متلفز إن حجم التقاطعات كان جيدا بين التقريرين، ولكن هناك أيضا، العديد من الاختلافات، موجودة بينهما، والأهم من كل ذلك أن ننتقل إلى سياسة جديدة في سوريا، وهي منع الإفلات من العقاب في سوريا الجديدة، اليوم الحكومة السورية المؤقتة أمام تحدي كبير، في أول تعامل بعد 14 عاما مع الأمم المتحدة”.

ويتابع الكيلاني “من المهم أيضا أن يتم دمج ما صدر من توصيات من لجنة تقصي الحقائق الوطنية، مع ما صدر من حقائق استطاعت استنتاجها لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة عما دار من أحداث الساحل.

يجب أن يكون هناك تحرك فوري من قبل الحكومة السورية والاعتراف بحجم الانتهاكات الواردة في تقرير الأمم المتحدة، ويجب أن يكون هناك تعليق فوري لعمل الأفراد والوحدات المشتبه بتورطها في مجازر الساحل مع أوامر خطية تمنع وجودهم ضمن مسارح العمليات أو مواقع الاحتكاك.

الخبير في القانون الدولي معتصم الكيلاني

وتابع الكيلاني أنه من المهم أن يتم اتخاذ تدابير حماية مدنية عاجلة في بعض المناطق، لأن التقرير أشار إلى وجود موجة نزوح واسعة، وعمليات النزوح والتهجير ترتقي لجرائم الحرب.

وأشار الكيلاني إلى أن التقريرين قدّما تبريرا للانتهاكات التي حدثت في الساحل، ويرى أن تقرير الأمم المتحدة اتبع منهجية خاطئة، إذ قدم، ولو جزئيا، مبررا للأحداث على أنها جاءت نتيجة عمليات اعتقال غير قضائية، ويضيف “هذا منهج خاطئ، لأن من الخطأ منح أي غطاء أو مبرر لتمرد عسكري أو للانتهاكات التي ارتكبتها السلطات”.

التضليل كعائق للعدالة

في الختام يمكننا القول إن الفارق بين التقريرين ليس مجرد اختلاف في التفاصيل، بل هو اختلاف في المنهجية والغرض، تقرير الأمم المتحدة يسعى إلى بناء سردية قائمة على الأدلة والتحقيقات الميدانية، ويعترف بالتورط الرسمي للوحدات الميدانية.

في المقابل تقرير اللجنة الوطنية، يوجه اللوم الأكبر إلى “الفلول”، ويقدّم الانتهاكات كحوادث عشوائية منفصلة عن القرار السياسي أو القيادي.

تقديم هذين التقريرين المتعارضين على أنهما متطابقان، كما فعل وزير الخارجية السوري، هو تضليل يعرقل مسار العدالة، ويؤخر المساءلة، ويمنع المجتمع السوري والمجتمع الدولي من فهم حجم وخطورة الجرائم المرتكبة، وهذا ما رأيناه في مجازر السويداء مؤخرا، حيث وجّهت اتهامات.

إن أي محاولة لإغلاق ملف مجازر الساحل عبر خطاب التوافق المزعوم بين التقريرين هي في حقيقتها محاولة لدفن الحقيقة، وحماية مرتكبي الانتهاكات من المساءلة، فالعدالة لا تُبنى على الملخصات المبتورة ولا على التوصيفات المواربة، بل على كشف الأسماء، وتحليل الأدلة، ونشر التقارير كاملة، بلا انتقائية ولا إخفاء.

5 1 صوت
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم