تتجه الحكومة السورية المؤقتة نحو إصدار عملة جديدة للبلاد، في محاولة لإعادة هيكلة المشهد النقدي الذي اهتز بفعل سنوات من الصراع والانهيار الاقتصادي.
ويأتي هذا القرار، الذي كشف عنه “مصرف سوريا المركزي” في بيان رسمي، كجزء من خطة إصلاحية أوسع تهدف إلى استعادة الثقة بالعملة الوطنية، وتسهيل المعاملات اليومية، ودعم الاستقرار المالي في البلاد.
تصميم جديد
يشمل هذا الإصلاح حذف صفرين من القيمة الحالية للعملة، في إجراء يرمي إلى معالجة التضخم المفرط وتقليص الكتلة النقدية المتداولة التي باتت تشكل عبئًا ثقيلًا على الاقتصاد والمواطن على حد سواء.

وأشار بيان المصرف المركزي إلى أن عملية طرح العملة الجديدة، التي يتم تصميمها وفق أعلى المعايير العالمية، ستتم على مراحل، لضمان الانتقال السلس وتجنب أي ارتباك في السوق.
وفيما يخص مكان الطباعة، أكد البيان أن الأوراق النقدية ستجري طباعتها لدى “مصدرين أو ثلاثة مصادر دولية موثوقة”، وباستخدام أحدث التقنيات المضادة للتزوير، هذا التصريح، وإن كان يحمل طابعًا عامًا، إلا أنه يأتي في سياق معلومات سابقة نشرتها وكالة “رويترز” أشارت إلى أن شركة “جوزناك” الروسية الحكومية ستتولى مهمة الطباعة، وأن طرح العملة الجديدة سيكون في الثامن من ديسمبر.
صفقة مالية خلف الكواليس؟
يعزز غياب النفي الصريح من قبل المصرف المركزي السوري للأنباء المتداولة حول طباعة العملة في روسيا من فرضية أن موسكو ستكون بالفعل أحد الأطراف المشاركة في هذه العملية، لتطرح هذه الفرضية تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الخيار.
في هذا الصدد، يرى المستشار الأول في وزارة الاقتصاد السورية، أسامة القاضي، أن طباعة العملة قد تكون “جزءًا من صفقة بين دمشق وموسكو”، في إشارة إلى ملف الديون الروسية المتراكمة على سوريا منذ عهد النظام السابق، بالإضافة إلى ملف الأموال السورية المودعة في روسيا من قبل شخصيات مقربة من الأسد، وفقًا لـ”العربي الجديد”.
وتأتي هذه الاحتمالات في ظل تاريخ من التعاون المالي بين البلدين، فقد أكد الخبير الاقتصادي رضوان الدبس أن روسيا سبق أن تولت مهمة طباعة العملة السورية في عهد النظام السابق، شيرًا إلى أن وجود تعاملات سابقة يسهل من عملية تجديد الاتفاقات بدلًا من البدء في إجراءات معقدة مع أطراف جديدة.
شبح العقوبات يلاحق الطباعة
يضيف الدبس، أن دمشق تسعى لإرضاء موسكو وعدم إقصائها من المشهد السوري لخلق نوع من التوازن بين المحاور الدولية، مما يرجح طباعة العملة في روسيا وأوروبا معًا.

ولكن، لا يخلو هذا الخيار من مخاطر كبيرة، فشركة “جوزناك” الروسية، التي أشار إليها تقرير “رويترز” كجهة رئيسية لطباعة العملة، تخضع لعقوبات من الاتحاد الأوروبي، بريطانيا، والولايات المتحدة، بسبب اتهامات لها بضلوعها في طباعة جوازات سفر مزورة في مناطق احتلتها روسيا في أوكرانيا.
كما يبرز اسم الشركة في قضية أخرى تتعلق بطباعة عملة ليبية “مزيفة”، وهو ما أثار مخاوف من تعرض الليرة السورية الجديدة لعمليات تزوير.
تحولات سياسية أم فوضى نقدية؟
تلقي هذه المخاطر بظلالها على القرار المرتقب، فبينما يرى الخبير الاقتصادي كرم شعار أن تغيير الأوراق النقدية التي تحمل صورة بشار الأسد يمثل تحولًا سياسيًا ضروريًا، فإنه يحذر من أن هذه الخطوة قد تسبب إرباكًا للمستهلكين، وخاصة كبار السن، في ظل غياب إطار تنظيمي واضح وخطة تنفيذ شاملة.
من جانبه، يعتبر الباحث السوري مالك حافظ أن التعامل مع شركة “جوزناك” يمثل “انزلاقًا خطيرًا”، مشيرًا إلى أن الخطر لا يكمن فقط في التعامل مع موسكو، بل في تاريخ الشركة المثير للجدل، والذي قد يؤدي إلى فرض عقوبات جديدة على الحكومة المؤقتة، ويعزز من تصورات افتقارها للرؤية الاقتصادية السليمة.
إن هذه الخطوة، التي كان من المفترض أن تكون فرصة لبناء الثقة، قد تُفسر بدلاً من ذلك على أنها تكرار لآليات السلطات السابقة، مما يضعف موقف الحكومة المؤقتة على الصعيدين المحلي والدولي.

