مع اقتراب موعد إقرار الموازنة العامة للدولة للعام 2026، تتجه الأنظار نحو وزارة المالية السورية التي كشفت عن ملامح خطتها الجديدة، مقدمة وعود بالتأكيد على سعيها لتحقيق نقلة نوعية في سياساتها المالية والاقتصادية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يعاني فيه المواطن السوري من ظروف معيشية صعبة وتضخم متصاعد، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذه الموازنة على تخفيف الأعباء وتحسين الواقع المعيشي.
مؤشرات متباينة بين النمو والانكماش
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لسوريا سيتوسع بنسبة متواضعة تقدر بـ 1بالمئة في عام 2025، بعد انكماش بلغ حوالي 1.5 بالمئة في 2024، وتأتي هذه العودة الخفيفة للنمو وسط تراجع اقتصادي تراكم منذ بداية النزاع، وتضرر هائل في البنية الإنتاجية لنحو 14 عامًا من الحرب.

وهناك إشارات إلى استقرار نسبي؛ ففي يناير 2025، انخفض معدل التضخم السنوي إلى نحو 6.4 بالمئة بعد أن وصل إلى ما يقارب 119 بالمئة في الفترة نفسها من العام السابق، في ضوء انفراجات جزئية في العرض واستقرار نسبي لسعر الصرف.
ورغم ذلك، لا يزال نحو 90 بالمئة من السكان يعيشون في فقر مدقع، بينما يواجه أكثر من 14 مليون شخص أزمة غذاء حادة، نتيجة الجفاف الحاد، وانهيار الإنتاج الزراعي ونقص المساعدات الدولية.
وعود حكومية بدعم الاستثمار
وفقًا لما صرح به وزير المالية، محمد يسر برنية، فإن موازنة العام المقبل تستهدف دعم وتشجيع الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص ليأخذ دوره المحوري في التنمية الاقتصادية.
أكد الوزير، خلال مشاركته في معرض دمشق الدولي، الأسبوع الماضي، أن هناك اهتمامًا كبيرًا بالإنفاق الاستثماري، وأن الحكومة لا تسعى لمزاحمة القطاع الخاص، بل ستفتح أمامه الباب على مصراعيه لجميع المشروعات الاستثمارية.
وشاركه هذه الرؤية مستشار الوزير لسياسات الموازنة، شفيق الحسيني، الذي أوضح أن الموازنة الجديدة ترتكز على ثلاثة محاور أساسية، وهي رفع كفاءة العمليات الحكومية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتحقيق رفاهية المواطن والأسرة، مع التركيز على ترسيخ الاستقرار وتعزيز الاستدامة.
معضلة التمويل
رغم هذه التصريحات التي تبدو إيجابية، يبقى التمويل غير محدد رسميًا، ويظل السؤال الأبرز الذي يشغل بال الخبراء والمواطنين على حد سواء، هو ما هي مصادر تمويل هذه الموازنة؟، خاصة وأن الموارد المالية المتاحة محدودة للغاية، مما يفتح الباب أمام احتمالين، إما اللجوء إلى التمويل بالعجز، وهو ما ينذر بزيادة في معدلات التضخم وتفاقم الأزمة المعيشية، أو البحث عن مصادر تمويل مبتكرة.

من المرجح أن الموازنة تنوي تقليص العجز؛ ففي موازنة 2025، ساهمت الإيرادات من الضرائب والرسوم وصادرات الفوسفات بنحو 79 بالمئة من التمويل، مع عجز يتراوح بين 21 بالمئة (مقابل 26 بالمئة في 2024)، تم تغطيته جزئيًا عبر إصدار سندات وأموال مطبوعة، لكن لم تحسم الحكومة بعد أن أيها سيتكرر في 2026.
في هذا السياق، أكد الخبير المصرفي والمالي أنس الفيومي، على متابعته الدقيقة للخطوات التي تتخذها وزارة المالية، واصفًا إياها بالواثقة والشفافة، قائلًا: “لم تصرح الوزارة حتى الآن بالطريقة التي ستتبعها لتمويل الموازنة، ولا يمكن الجزم بأنها ستمول بالطرق السابقة بالعجز.
دور القطاع الخاص الغائب
توقع الخبير المصرفي، أن يكون التمويل مختلطًا، مضيفًا أن هناك تنسيقًا مستمرًا بين وزارات المالية والاقتصاد ومصرف سوريا المركزي، مع التأكيد على ضرورة التخفيف من آثار التضخم الذي عانى منه المواطنون، وفق حديث لموقع “الثورة”.
الأيام القادمة ستكشف عن خطط الوزارة في هذا الشأن عند الإعلان عن مشروع الموازنة النهائي، كما لم يغفل الحديث عن دور القطاع الخاص، الذي تراه الحكومة شريكًا أساسيًا في عملية التنمية.
الخبير المصرفي والمالي أنس الفيومي
وأشار إلى أن خطوات القطاع الخاص في الاستثمار، سواء داخليًا أو خارجيًا، لا تزال “خجولة وليست على المستوى المطلوب”، كما عزا ذلك إلى وجود صعوبات عديدة تواجه المستثمرين، تتطلب من الحكومة اتخاذ إجراءات حاسمة لتهيئة البيئة المناسبة.
اقتراحات لتعزيز بيئة الاستثمار
اقترح الفيومي نقطتين أساسيتين لتعزيز دور القطاع الخاص، أولًا، تحديث وتحرير العمل المصرفي وتحسين أدائه وأدواته، ليكون قادرًا على دعم المشروعات الاستثمارية وتوفير التمويل اللازم، وثانيًا، وضع ضوابط لدعم المنتج الوطني وتذليل كل الصعوبات التي تواجه المنتجين، بدءًا من ظروف الإنتاج وصولًا إلى المنافسة مع المنتجات المستوردة.
وشدد الفيومي على أن تشجيع عودة رؤوس الأموال السورية التي غادرت البلاد في السنوات الماضية، والتي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، يمثل “ضرورة ملحة”، مؤكدًا أن توفير التسهيلات اللازمة لجذب هذه الأموال سيشكل دفعة قوية للاقتصاد.

وبين الطموحات الحكومية والواقع المعقد، تتجه الأنظار إلى نص الموازنة النهائي الذي وعدت وزارة المالية بالكشف عنه للرأي العام فور الانتهاء من إعداده، فبينما تصفه الوزارة بالمدروس والواقعي، يعيش الشارع على أمل أن يتضمن إجراءات ملموسة تخفف من ثقل الأعباء اليومية، سواء من خلال ضبط الأسعار، أو تأمين فرص عمل، أو إعادة إنعاش قطاع الإنتاج.
وفي حال واصلت الحكومة اعتماد النهج التقليدي في التمويل بالعجز وطباعة النقد، فإن النتائج لن تكون سوى حلقة جديدة من التضخم وتآكل الدخول، ليبقى السؤال معلقًا، هل ستنجح هذه الموازنة في تحقيق طموحات الحكومة وآمال المواطنين، أم أنها ستزيد من الأعباء في ظل غياب مصادر تمويل واضحة؟، وهل ستتمكن الحكومة حقًا من كبح جماح التضخم وإعادة بناء الثقة في الاقتصاد الوطني؟.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

