تعيش سوريا واقعًا اقتصاديًا مأزومًا يتجلى في فجوة واسعة بين تكاليف المعيشة الفعلية والأجور التي يتقاضاها العمال، وهي فجوة تهدد الاستقرار الاجتماعي وتضعف من قدرة القوى العاملة على البقاء في سوق الإنتاج، في ظل واقع اقتصادي مُثقل بالتحديات.
ووصف أحد الخبراء الرواتب بأنها لا تكفي لسد رمق الحاجة الأساسية، حتى أنها لا تغطي نفقات أسبوع واحد، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول قيمة الأجر العادل الذي يضمن للعامل السوري حياة كريمة في مواجهة غلاء غير مسبوق.
أرقام صادمة
الخبير الاقتصادي والاستشاري ناصر البلخي، قدم رؤية تحليلية صادمة للوضع، مُشيرًا إلى أن أسرة سورية صغيرة، تتكون من زوج وزوجة وطفلين، تحتاج شهريًا إلى نحو 550 دولارًا أميركيًا لتغطية نفقاتها الأساسية.
وقال خلال منشور له عبر “فيسبوك”، إن هذا الرقم، الذي يُعادل أكثر من ستة ملايين ليرة سورية بسعر الصرف الحالي، يكشف حجم الكارثة مقارنة بالأجور الفعلية، موضحًا أن العامل العادي يتقاضى ما بين 8,000 إلى 15,000 ليرة سورية للساعة الواحدة، وهو ما يُعد مبلغًا هزيلًا لا يُمكنه من توفير أدنى متطلبات الحياة، مما يضع العمال تحت ضغط اقتصادي هائل ويُفاقم من ظاهرة تآكل القوة الشرائية.
الأجور لا تغطي الغذاء
تعكس تقارير رسمية ومصادر مثل المرصد السوري لحقوق الإنسان ومنظمات الإغاثة أن الحد الأدنى للأجور لا يُغطي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الأساسية.
يشير تقرير المنظمة العالمية للأغذية (WFP) إلى أن الأجور الحالية في كثير من الحالات تغطي نحو 20 بالمئة فقط من حاجة الأسرة للطعام، بينما الحد الأدنى للأجور لا يقترب من قدرتها على شراء سلة معيشة كاملة تشمل كافة الاحتياجات الشهرية.
ويُؤكد على أن الحسابات الواقعية تُشير إلى أن العامل الذي يعمل ست ساعات منتجة يوميًا على مدى خمسة وعشرين يومًا في الشهر، يحتاج إلى أجر يقارب 3.7 دولار أميركي في الساعة، أو نحو أربعين ألف ليرة سورية للساعة، كي يستطيع تغطية متطلبات المعيشة الأساسية والوصول إلى مستوى معيشة مقبول.
ما هو الأجر العادل؟
أكد البلخي، أن هذه الفجوة بين الأجر الفعلي والأجر العادل تكشف خللًا هيكليًا في سوق العمل يتطلب تدخلًا عاجلًا وحازمًا من قبل صانعي القرار.

وفي محاولة لوضع حلول عملية لهذه الأزمة، يرى البلخي أن تحديد حد أدنى للأجور في القطاع الخاص بمستوى 15,000 ليرة سورية للساعة يمثل خطوة أولى ضرورية، مشددًا على أن هذه الخطوة ستكون بمثابة معيار واضح للشركات والمؤسسات، وتضمن حدًا أدنى من الدخل للعامل، مما يُخفف من التفاوت ويمنح الأمان المعيشي.
ويؤكد على أن هذا المبلغ يجب أن يُعتمد كنقطة انطلاق، على أن يجري رفعه تدريجياً ليصل إلى مستويات أقرب إلى 20,000 ليرة سورية للساعة للعامل العادي.
بين الأجور والأسعار.. معادلة معقدة
لا يغفل البلخي عن الإشارة إلى أن تعديل الحد الأدنى للأجور ستكون له انعكاسات على الأسعار، إذ من الطبيعي أن يؤدي ارتفاع الأجور إلى ضغوط تضخمية، لكنه يرى أن الاقتصاد السوري، برغم هشاشته، يمتلك مقومات للنمو السريع إذا ما توفرت السياسات الداعمة.
أوضح أن ارتفاع الأسعار لن يكون بمستوى زيادة الأجور نفسها، وأن هذه العملية ستكون بمثابة فرصة لمعالجة أثر الكتلة النقدية المعروضة على قيمة الليرة، وتسريع ضبط هذا الأثر قبل الوصول إلى تحديد القيمة النهائية لسعر صرف الدولار أمام الليرة، وهو ما يتوقع أن تتضح معالمه بحلول نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2026.
الخبير الاقتصادي والاستشاري ناصر البلخي
واختتم البلخي مؤكدًا أن إصلاح ملف الأجور لم يعد قرارًا يُحتمل التأجيل، إنه شرط لبقاء السوق السورية قادرة على الاستمرار والتعافي، وأي تأخير في تبني حد أدنى عادل للأجور سيُضاعف من الأزمات الاجتماعية ويزيد من حدة الفجوة بين تكاليف المعيشة والدخل.
زيادة الأجور.. ضرورة وليست ترفًا
تشكل الفجوة بين مستوى الدخل ومتطلبات الحياة المعيشية جوهر المشكلة في المشهد الاقتصادي السوري، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن نحو 90 بالمئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن أكثر من ربع السكان يعيشون في فقر مدقع أي أقل من 1.25 دولار في اليوم.

ويُضيف البلخي أن هذا التعديل في الأجور ليس ترفًا، بل هو ضرورة حتمية لمواكبة الارتفاع المستمر في الأسعار وضمان استمرار القوى العاملة في الإنتاج، موضحًا أن رفع الأجور لا يُساهم فقط في تحسين مستوى المعيشة، بل يُحفز الإنتاجية ويُحسن جودة العمل، ويُعزز من الاستقرار الاجتماعي ويحد من موجات الهجرة والبطالة المقنعة التي تستنزف البلاد.
يشار إلى أنه طبق مؤخرًا قرارًا أصدره الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، بزيادة رواتب العاملين في القطاع العام والمتقاعدين بنسبة 200 بالمئة، حيث كان الحد الأدنى لراتب الموظف في القطاع العام شهريًا قبل تلك الزيادة يصل إلى 280 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 27 دولار أميركي فقط بسعر السوق الموازي، بينما بعدها بلغ 750 ألف ليرة أي ما يعادل 75 دولارا، وحتى بعد الزيادة ظلت رواتب العاملين في القطاع العام قليلة بالنظر إلى النفقات وارتفاع متطلبات المعيشة.
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران
- تعز.. معارك لمنع “الحوثيين” من تثبيت مكاسب الساحل

