أطلقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تحذيرًا غير مسبوق من دمشق، لا يقتصر تأثيره على الجانب الإنساني فحسب، بل يمتد ليلامس الاستقرار الاقتصادي الهش لسوريا.
فقد أعلن رئيس المفوضية في سوريا، غونزالو فارغاس يوسا، أن القدرة الاستيعابية للداخل السوري بلغت حدها الأقصى لاستقبال اللاجئين العائدين، محذرًا من أن أي محاولة لفرض العودة القسرية من دول أوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، ستؤدي إلى تفاقم كارثي للوضع المعيشي داخل البلاد، وهو ما يفرض كلفة مالية ضخمة على المجتمع الدولي.
العودة القسرية تهدد الاستقرار
جاء التحذير الأممي تزامنًا مع تصاعد الجدل في برلين حول خطط لتوسيع سياسة ترحيل السوريين لتشمل رافضي اللجوء، بمن فيهم القادرون على العمل.
وكشف يوسا، في تصريح لصحيفة “زود دويتشه تسايتونغ” الألمانية، أن قرابة مليون سوري عادوا خلال العام الجاري من دول الجوار، مع توقعات بوصول مليون عودة أخرى في العام المقبل، مشيرًا إلى أن هذا التدفق الهائل، غير الطوعي في جزء كبير منه، يضع ضغطًا غير محتمل على بنية تحتية دمرتها سنوات النزاع، وعلى موارد حكومية شحيحة مثقلة بالعقوبات.

وفق بيانات المفوضية، عاد إلى سوريا منذ نهاية 2024 أكثر من نصف مليون لاجئ عبر الدول المجاورة، في حين تُخطّط المفوضية لاستقبال ما يصل إلى 1.5 مليون عائد في 2025.
ويُضاف إلى ذلك وجود نحو 7.2 مليون نازح داخليًا، وقرابة ستة ملايين لاجئ في دول الجوار، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
ووفقًا لآخر الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، فإن عدد اللاجئين السوريين المسجّلين حتى منتصف 2025 هو حوالي 6.0 ملايين شخص.
عبء اقتصادي فوق طاقة البلاد
في ظل هذه الأرقام الضخمة، يصبح أي خيار لعودة جماعية غير مدروسة محفوفًا بالمخاطر، إذ قد يتسبّب في تضاعف الضغوط على قطاعات الإسكان والمياه والصحة التي تعاني أصلًا من انهيار جزئي.
كما تكمن خطورة هذا التحذير في الأعباء الاقتصادية التي سيفرضها هذا التدفق البشري على دولة يقدر البنك الدولي نموها لعام 2025 بنحو 1 بالمئة فقط بعد انكماش كبير، مع بقاء ما يقرب من 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر.
شدد يوسا، على أن معظم المناطق السورية تفتقر اليوم إلى قدرة استيعابية حقيقية، إذ إن خدمات الرعاية الصحية والمياه والتعليم باتت شبه منكوبة في بعض المناطق، وأن عددًا من العائدين يعيدون الكرة بالمغادرة إلى دول الجوار أو محاولة الوصول إلى أوروبا من جديد، ما يعكس هشاشة فكرة العودة القسرية كخيار مستدام.
أزمة تمويل خانقة تضرب المفوضية
على صعيد التمويل، شنّ المسؤول الأممي هجومًا لاذعًا على خفض المساعدات الإنسانية التي تقدمها بعض الدول، لا سيما ألمانيا، قائلًا إن المفوضية اضطرت إلى إغلاق ما يقارب 40 بالمئة من نقاط الاتصال الإقليمية البالغ عددها 122 نقطة داخل سوريا، مما قلّص القدرة الميدانية على التعاطي مع حالات العودة والمحتاجين.

يأتي هذا التقليص في ظل ما يُعدّ من أكبر أزمات اللجوء في العالم، إذ تشير التقديرات إلى أن حوالي 16.5 مليون شخص هم بحاجة إلى المساعدات داخل سوريا وحدها.
في موازاة ذلك، تتجه ألمانيا إلى توسيع سياسات الترحيل لتشمل فئات إضافية من السوريين، لا تقتصر على مرتكبي الجرائم أو الأمنيين، بل قد تمتد إلى الشبان الذين رفضت طلبات لجوئهم والذين يُعتبرون قادرين على العمل.
جدل ألماني حول الترحيل
وقد أعلن المستشار الألماني أن برلين تدرس خطط ترحيل المجرمين السوريين، بالتزامن مع مفاوضات مع الحكومة السورية الجديدة، كشرط لتمهيد العودة، وفِي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية الألمانية عن عزمها ترحيل السوريين الذين يحملون سجلًا جنائيًا، في خطوة تعبّر عن تغيير ملموس في سياسة اللجوء الألمانية التي طالما اتبعت نهجًا تحفظيًا تجاه إعادة السوريين.
لكن هذا التوجّه يواجه اعتراضات قانونية وحقوقية قوية، خصوصًا في ضوء مبدأ منع الإعادة القسرية المنصوص عليه في القانون الأوروبي، والذي يمنع ترحيل الأشخاص إذا كانت ظروف العودة تهدّدهم بالتعذيب أو سوء المعاملة أو انعدام الحماية الأساسية.
من الناحية الاقتصادية، فإن سوريا لم تشهد حتى اليوم استقرارًا يمكنها من استيعاب موجات العودة الواسعة، فالاقتصاد يعاني تضخمًا متفاقمًا، كما أن البنية التحتية مدمّرة في كثير من المناطق، والزراعة تئن تحت ضغوط الجفاف ونقص التمويل.
يشار إلى أن نحو 14.5 مليون سوري يواجهون حالة انعدام أمني غذائي، مع تزايد أعداد الذين يعانون من الجوع أو سوء التغذية الحادّة.
- 17 حادثة منذ مطلع 2025.. انفجارات مستودعات الذخيرة تتكرر في سوريا
- الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني لـ”الحل نت”: لا نتحالف مع دعاة المركزية.. وأسس إيران الديمقراطية يجب أن تُرسى قبل سقوط النظام
- هجوم متعدد المحاور يستهدف منشآت عسكرية وأمنية في صنعاء.. ما القصة؟
- ضربات جوية تستهدف مواقع وتعزيزات “الحوثي” في البيضاء
- من المال والنووي إلى الطيران والنقل.. وثيقة روسية تكشف خطة لتعميق التعاون مع إيران

