رسائل نارية.. ماذا قال مجتبى خامنئي في أول تصريحاته كـ”مرشد لإيران”؟

مجتبى خامنئي

في أول تصريحات رسمية لمرشد النظام الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، أصدر بيانًا صوتيًا بثه التلفزيون الحكومي وهو الأول له بعد توليه المنصب، وقد جاء محملًا برسائل عدة، كما رسم ملامح المرحلة المقبلة واضعًا خطوطًا حمراء جديدة في لعبة الصراع الدائر في الشرق الأوسط.

 فبين دعوة صريحة لإبقاء مضيق هرمز مغلقًا، وتعهدات بالثأر لدماء القتلى، وتهديد بتفعيل جبهات لا يملك العدو فيها خبرة، بدا واضحًا أن طهران تختار منذ اللحظة الأولى نهجًا تصعيديًا يعيد تشكيل قواعد الاشتباك الإقليمية.

الثأر وإغلاق مضيق هرمز

قال مجتبى خامنئي في كلمته التي ألقاها مساء الخميس، إنه علم بقرار تعيينه مرشدًا للثورة الإسلامية عبر التلفزيون الرسمي، شاكرًا القوى السياسية والدينية على ثقتها، قبل أن ينتقل سريعًا إلى صلب الرسالة التي أراد توجيهها للداخل والخارج.

 وأضاف المرشد الجديد: “إيران لن تمتنع عن الثأر لدماء قتلاها.. لن نتوانى عن الانتقام للجرائم التي ارتكبها العدو، لا سيما جريمة مدرسة ميناب”، في إشارة إلى القصف الإسرائيلي الذي استهدف مدرسة في ضواحي دمشق قبل أيام وأدى إلى مقتل العشرات.

لكن التصريح الأكثر إثارة للقلق على المستوى الدولي كان ذلك المتعلق بمستقبل مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية، إذ شدد خامنئي على ضرورة الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز كأداة للضغط على العدو، محولًا بذلك الممر المائي الاستراتيجي إلى ورقة ضغط دائمة في الصراع مع الغرب وحلفائه.

وأضاف محذرًا: “يجب التحرك في جميع الميادين الرخوة للأعداء.. إذا استمر الوضع الحربي سيتم تفعيل جبهات لا يملك العدو فيها خبرة”، في تهديد ضمني بفتح جبهات قتالية جديدة قد تطال قواعد أميركية أو مصالح غربية في المنطقة.

تناقض الخطاب

غير أن اللافت في الخطاب الأول للمرشد الإيراني الجديد كان حالة التناقض الظاهرية بين لغة التهديد والوعيد، وبين تأكيده على ما وصفه بـ”الصداقة مع الجيران”، فقد زعم أن طهران مستعدة “لإقامة علاقات ودية وصادقة مع جميع جيراننا”، في الوقت الذي تتعرض فيه ناقلات النفط الخليجية لهجمات إيرانية، ويغلق فيه مضيق هرمز في وجه الصادرات القادمة من دول الخليج العربي.

هنا، يبدو أن إيران تحاول رسم حدود جديدة للصراع، إذ تريد تحميل الوجود العسكري الأميركي في المنطقة مسؤولية التوتر، بينما تسعى للحفاظ على شكل من العلاقات الطبيعية مع دول الجوار الإقليمي.

وفي خضم هذه التصريحات، يواصل الحرس الثوري الإيراني عملياته العسكرية في المنطقة، حيث أعلن مسؤوليته عن هجوم استهدف سفينة بضائع تايلاندية في مياه الخليج، بزعم مخالفتها أوامر الملاحة، كما أفادت مصادر مطلعة حسب “رويترز” بتعرض ناقلتي وقود في ميناء البصرة لهجوم بزوارق مفخخة يُعتقد أنها إيرانية، ما أدى إلى اندلاع حرائق ضخمة ومقتل أحد أفراد الطاقم، في تطور خطير ينذر باتساع رقعة المواجهة البحرية.

محاولة تثبيت الشرعية

تعليقًا على هذا الخطاب، يرى الباحث المتخصص في الشؤون السياسية والاستراتيجية، فراس إلياس، أن الرسائل الأولى التي صدرت عن مجتبى خامنئي تعكس محاولة واضحة لتثبيت شرعية القيادة الجديدة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.

 ويشير إلياس عبر منصة إكس إلى أن الخطاب الإيراني الجديد يقوم على ثلاثة محاور رئيسية، وهي تعبئة الرأي العام داخليًا خلف القيادة الجديدة، وتوسيع نطاق المواجهة إقليميًا من خلال تفعيل ما يُعرف بمحور المقاومة، ورفع مستوى الردع عبر التلويح بتهديد الممرات البحرية الحيوية والقواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة.

غير أن هذا الخطاب، وفق تقديره، يكشف في الوقت ذاته عن معضلة عميقة يواجهها النظام الإيراني، إذ يسعى إلى توحيد الجبهة الداخلية وتعويض الخسائر المتراكمة، بينما قد يؤدي تصعيده العسكري والإقليمي إلى توسيع رقعة الحرب ورفع كلفتها السياسية والاقتصادية.

تحذيرات أميركية من التصعيد

أما على الجانب الأميركي، فقد اعتبر اللواء السابق في القوات الجوية الأميركية فيليب أ. ستيوارت أن التصريحات الإيرانية الجديدة تمثل تصعيدًا لافتًا في الخطاب السياسي والعسكري لطهران، وتحمل رسائل ردع واضحة موجهة إلى واشنطن وحلفائها.

هذه التصريحات تزامنت مع تصعيد ميداني خطير في المنطقة، ما يعكس مرحلة شديدة الحساسية قد تدفع المنطقة إلى مزيد من التصعيد العسكري إذا استمرت الضربات المتبادلة وتهديدات إغلاق الممرات البحرية الحيوية.

اللواء السابق في القوات الجوية الأميركية فيليب أ. ستيوارت

وفي قراءة خليجية للمشهد، ترى الباحثة السياسية ورئيسة مركز الإمارات للسياسات، ابتسام الكتبي، أن الخطاب الإيراني لم يكن موجهًا إلى الداخل فحسب، بل حمل في جوهره رسائل استراتيجية أوسع تستهدف الإقليم بأكمله.

ترقب دولي للرد الأميركي الإسرائيلي

توضح الكتبي أن طهران تحاول إعادة صياغة طبيعة الصراع الدائر في المنطقة عبر تحويله من مواجهة بين إيران ودول الخليج إلى مواجهة مباشرة مع الوجود العسكري الأميركي، في خطوة تهدف إلى تخفيف الضغوط السياسية على علاقات إيران مع جيرانها الإقليميين.

وتلفت إلى المفارقة اللافتة في الطرح الإيراني الذي يتحدث عن رغبة في الحفاظ على علاقات ودية مع دول الجوار، في الوقت الذي يبرر فيه استهداف أراضي تلك الدول بحجة وجود قواعد عسكرية أجنبية فيها، وهي ازدواجية تعكس استراتيجية تسعى إلى تحميل دول المنطقة والاقتصاد العالمي جزءًا من كلفة المواجهة العسكرية.

وفي ظل هذا الخطاب التصعيدي، يترقب المجتمع الدولي ردود فعل كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على تصريحات المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت هذه الرسائل تمثل مجرد تصعيد خطابي في سياق الردع المتبادل، أم أنها تمهد بالفعل لمرحلة فاصلة قد تعيد رسم مسار الصراع وتدفع المنطقة إلى مستوى أكثر خطورة من المواجهة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم