فوضى الفئات الصغرى تعصف بآخر ساعات استبدال “الليرة السورية”

الليرة السورية

قبل ساعات قليلة من إسدال الستار على مهلة استبدال الليرة السورية القديمة، لم يكن المشهد الأبرز أمام المصارف أو شركات الصرافة هو الطوابير المعتادة، بل البحث المحموم عن ورقة نقدية من فئة عشرة أو خمسٍ وعشرين أو خمسين ليرة من الإصدار الجديد.

ففي الوقت الذي أعلن فيه مصرف سوريا المركزي أن عملية الاستبدال شارفت على الاكتمال، وأن الأوراق النقدية القديمة ستفقد قوتها الإبرائية اعتباراً من 31 تموز مع استمرار إمكانية استبدالها وفق الآلية التي حددها المصرف بعد انتهاء المهلة، كانت الأسواق تعيش أزمة من نوع آخر؛ أزمة “الفكة” التي أربكت عمليات البيع والشراء وحولت أبسط المعاملات اليومية إلى معضلة حقيقية.

بين الرواية الرسمية وواقع الأسواق

هذه المفارقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني دفعت كثيراً من السوريين إلى التساؤل عما إذا كانت عملية استبدال العملة قد اكتملت فعلاً، أم أنها انتقلت من أزمة سحب الأوراق القديمة إلى أزمة توفير الفئات الجديدة.

 فبينما يؤكد المركزي أن الهدف من العملية هو تحديث الكتلة النقدية وتنظيم التداول دون أي تأثير على القيمة الشرائية أو سعر الصرف، يرى مواطنون وفق ما رصد “الحل نت” أن الاختبار الحقيقي لأي عملية استبدال نقدي لا يقاس بعدد الأوراق التي جرى استبدالها، وإنما بقدرة المواطنين على استخدامها بسهولة في حياتهم اليومية.

مهلة الاستبدال مددت في نهاية أيار/ مايو الماضي وثم تحديد الثلاثين من تموز الجاري موعداً نهائياً للتداول بالأوراق القديمة- إنترنت

وتقول إحدى المواطنات إن نقص الفئات الصغيرة من الليرة الجديدة لم يعد مجرد مشكلة فنية، بل تحول إلى عبء يومي يفتح الباب أمام ممارسات استغلالية، موضحة أن معظم التجار وسائقي سيارات الأجرة لا يمتلكون فئات العشر والخمس والعشرين والخمسين ليرة، ما يضطر الزبائن إلى التنازل عن جزء من مستحقاتهم أو شراء سلع إضافية لتجنب الحصول على كميات كبيرة من الأوراق النقدية القديمة.

وتضيف أنها تركت في أكثر من مناسبة جزءاً من حقها لسائق سيارة أجرة أو تاجر بسبب عدم وجود فئات مناسبة لإعادة الباقي، بينما أعاد إليها أحد باعة الخضار آلاف الليرات من الإصدار القديم لعدم امتلاكه بديلاً من الفئات الجديدة.

وتتساءل: “إذا كانت العملة الجديدة أصبحت أساس التعامل، فأين هي؟ وكيف يُطلب من المواطنين استخدامها بينما لا يمتلكها التجار ولا المصارف بالكميات الكافية؟”، مشيرة إلى أن غياب فئة نقدية تعادل 500 ليرة من الإصدار السابق زاد من تعقيد عمليات التسعير، وأوجد فجوة بين الأسعار الفعلية والفئات المتوافرة للتداول.

شح السيولة أم أزمة تداول؟

لا تبدو هذه الشهادة معزولة عن السياق العام، فمنذ إعلان تمديد مهلة الاستبدال في نهاية أيار/ مايو الماضي ثم تحديد الثلاثين من تموز الجاري موعداً نهائياً للتداول بالأوراق القديمة، شهدت الأسواق حالة من الترقب دفعت كثيراً من التجار والمستهلكين إلى الاحتفاظ بالفئات الجديدة أو استخدامها بحذر، ما أدى إلى تراجع سرعة دورانها داخل السوق، خصوصاً الفئات الصغيرة الأكثر استخداماً في المعاملات اليومية.

كما أن انتقال جزء متزايد من المدفوعات إلى المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي لم ينجح في تعويض الحاجة إلى النقد الورقي في الأسواق الشعبية ووسائل النقل والأنشطة التجارية الصغيرة، التي لا تزال تعتمد بصورة شبه كاملة على الدفع النقدي.

غير أن الأزمة لم تكن مرتبطة فقط بشح المعروض من الفئات الصغيرة، بل أيضاً بكيفية إدارتها داخل السوق، فمع اقتراب انتهاء المهلة، بدأت تتشكل سوق موازية لتوفير النقد الجديد، مدفوعة بارتفاع الطلب وضعف توافر السيولة لدى الأفراد وبعض منافذ الصرافة.

ويقول أحد المواطنين إن الحصول على أوراق نقدية جديدة لم يعد يتم دائماً عبر القنوات الرسمية، بل أصبح في بعض الحالات يحتاج إلى وسطاء يتقاضون عمولات مرتفعة، موضحاً أن استبدال ورقة نقدية قديمة من فئة خمسين ألف ليرة قد يكلف نحو عشرة آلاف ليرة كعمولة، في ظل إقبال المواطنين على التخلص من الأوراق القديمة قبل انتهاء صلاحيتها القانونية.

التجار في دائرة الاتهام

يعكس تكرار الشكاوى بشأن انتشار تلك الممارسات حجم الضغط الذي تعرض له سوق النقد خلال الأيام الأخيرة من عملية الاستبدال، كما يسلط الضوء على الفجوة بين توافر العملة الجديدة على المستوى الرسمي وقدرتها على الوصول فعلياً إلى أيدي المواطنين، فكلما ازدادت ندرة الفئات الصغيرة، ارتفعت قيمتها العملية، ليس لأنها تحمل قوة شرائية أكبر، وإنما لأنها أصبحت الوسيلة الوحيدة لإتمام آلاف المعاملات اليومية دون خسائر إضافية يتحملها المستهلك.

في المقابل، يرفض مواطنون آخرون تحميل مصرف سوريا المركزي كامل المسؤولية عن حالة الارتباك التي شهدتها الأسواق، معتبرين أن جانباً من الأزمة نتج عن سلوك بعض التجار أكثر مما نتج عن نقص الكتلة النقدية نفسها.

مصرف سوريا المركزي قد أعلن في وقت سابق أن نسبة إنجاز عملية استبدال العملة تجاوزت ثلثي الكتلة النقدية- إنترنت

 ويقول أحدهم إن المشكلة الأساسية لا تقتصر على غياب بعض الفئات، وإنما تشمل أيضاً امتناع عدد من التجار عن طرح ما لديهم من أوراق نقدية جديدة في التداول طوال الأشهر الماضية، قبل أن تبدأ بالظهور بشكل ملحوظ مع اقتراب انتهاء المهلة الرسمية.

ويضيف أن غياب فئة الخمس ليرات من المرحلة الأولى للإصدار الجديد ساهم في تعقيد عمليات إعادة الباقي، إلا أن ما زاد الأزمة حدة هو رفض بعض أصحاب المحال قبول الأوراق النقدية القديمة قبل انتهاء المهلة القانونية، رغم أن مصرف سوريا المركزي أكد مراراً أنها تحتفظ بقوتها الإبرائية الكاملة حتى نهاية يوم 30 تموز، ويمكن تداولها بصورة طبيعية خلال تلك الفترة.

ويتابع أن بعض المتاجر كانت تتقاضى ثمن المشتريات بالعملة الجديدة، ثم تعيد الباقي للزبائن بالأوراق القديمة، قبل أن ترفض لاحقاً استلام تلك الأوراق نفسها في عمليات شراء أخرى، وهو ما خلق حالة من التناقض في السوق، وأربك المستهلكين، ودفع كثيرين إلى الإسراع في التخلص من النقد القديم بأي وسيلة خوفاً من رفضه في التعاملات اليومية.

لماذا اختفت الفئات الصغيرة؟

لا تبدو أزمة الفئات الصغيرة مفاجئة في سياق عمليات الإصلاح النقدي، فوفق خبراء في السياسات النقدية، غالباً ما تشهد فترات الانتقال بين إصدارين من العملة اختناقات مؤقتة في السيولة، خاصة عندما يتزامن سحب العملة القديمة مع بطء وصول الفئات الجديدة إلى الأسواق أو تزايد الطلب عليها.

 إلا أن استمرار هذه الاختناقات لفترة طويلة قد يؤدي إلى تشوهات في التداول، ويفتح المجال أمام المضاربة والعمولات غير الرسمية، ويزيد كلفة المعاملات اليومية، ولا سيما في الاقتصادات التي يعتمد جزء كبير من نشاطها على الدفع النقدي المباشر.

وكان مصرف سوريا المركزي قد أعلن في وقت سابق أن نسبة إنجاز عملية استبدال العملة تجاوزت ثلثي الكتلة النقدية، قبل أن يؤكد لاحقاً اقتراب اكتمال العملية مع انتهاء المهلة، مشيراً إلى أن الأوراق النقدية القديمة ستفقد قوتها الإبرائية اعتباراً من 31 تموز، مع استمرار إمكانية استبدالها عبر الآلية التي حددها المصرف بعد انتهاء فترة التداول.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

مع اقتراب انتهاء المهلة، بدا واضحاً أن الجدل في الشارع لم يعد يدور حول نجاح أو فشل عملية استبدال الأوراق النقدية القديمة بحد ذاتها، بل حول قدرة الاقتصاد على استيعاب المرحلة التالية، فإحلال إصدار نقدي جديد لا يقتصر على استبدال أوراق بأخرى، وإنما يتطلب دورة نقدية متكاملة تضمن وصول جميع الفئات إلى الأسواق بالكميات المناسبة وفي التوقيت المناسب، حتى لا تتحول الفئات الصغيرة إلى سلعة نادرة أو وسيلة لتحقيق أرباح استثنائية خارج القنوات الرسمية.

كما كشفت الشهادات التي رصدها “الحل نت” عن تراجع الثقة في انتظام الدورة النقدية، إذ أصبح كثير من المواطنين يبحثون عن المتاجر التي تقبل الدفع عبر المحافظ الإلكترونية أو تطبيقات الدفع المحلية لتجنب أزمة “الفكة”، بينما فضل آخرون الاحتفاظ بما لديهم من الفئات الصغيرة خشية عدم تمكنهم من الحصول عليها لاحقاً، وهو سلوك يزيد بطبيعته من شح السيولة المتداولة ويغذي الحلقة نفسها التي أدت إلى الأزمة.

مصرف سوريا المركزي قد أعلن في وقت سابق أن نسبة إنجاز عملية استبدال العملة تجاوزت ثلثي الكتلة النقدية- إنترنت

وفي المقابل، شدد مصرف سوريا المركزي على أن انتهاء المهلة لا يعني ضياع حقوق حاملي الأوراق النقدية القديمة، مؤكداً أنها ستفقد قوتها الإبرائية اعتباراً من 31 تموز، لكنها ستظل قابلة للاستبدال لدى مصرف سوريا المركزي لمدة خمس سنوات وفق الآليات التي أعلنها، داعياً المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الشائعات والالتزام بالقنوات الرسمية في تنفيذ عمليات الاستبدال.

كما أكد أن إجراءات تحديث العملة تستهدف تنظيم الكتلة النقدية وتحسين جودة التداول، وأنها لا تمس القيمة الاسمية للمدخرات أو الودائع.

الإرباك بدأ من المؤسسات

في السياق، ترى الباحثة الاقتصادية رشا سيروب أن حالة الارتباك التي رافقت الساعات الأخيرة من مهلة استبدال الليرة السورية لم تكن ناتجة عن المواطنين فحسب، بل ساهمت فيها، بحسب رأيها، تفاوتات في تطبيق التعليمات الرسمية بين المؤسسات.

وأشارت وفق منشور لها عبر منصة “فيسبوك”، إلى أن مصرف سوريا المركزي حدد يوم 30 تموز موعداً نهائياً لتداول الأوراق النقدية القديمة، في حين أوقفت بعض الجهات العامة، ومنها شركة المحروقات، التعامل بها قبل هذا التاريخ، الأمر الذي خلق حالة من الإرباك وزاد من مخاوف المواطنين.

وأضافت أن لا مبرر لحالة الهلع، خاصة بعدما أعلن المركزي أن معظم الكتلة النقدية جرى استبدالها، بينما تظل الأوراق القديمة قابلة للاستبدال لمدة خمس سنوات عبر مصرف سوريا المركزي، مؤكدة أن الإشكالية الحقيقية تكمن في حصر عمليات الاستبدال بعد انتهاء المهلة بمقر المصرف المركزي في دمشق، معتبرة أن إشراك جميع المصارف العاملة في المحافظات كنقاط لاستلام واستبدال الأوراق النقدية كان سيخفف الأعباء اللوجستية ويحد من الازدحام ويضمن وصول الخدمة إلى المواطنين في مختلف المناطق.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم