رهان ترامب الأخطر.. هل يُجبر الاقتصاد إيران على إنهاء الحرب؟

ترامب

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس فقط بعدد الضربات الجوية أو حجم الترسانة الصاروخية، بل انتقلت بصورة متزايدة إلى ساحة أخرى قد تكون أكثر حساسية بالنسبة لطهران، وهي الاقتصاد.

فبينما تتعثر المفاوضات حول إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر ميلاً إلى اختبار قدرة إيران على الصمود تحت ضغط العقوبات والحصار المالي والنفطي، بدلاً من التعجل في فتح جولة عسكرية جديدة.

الحصار بدل التصعيد

لم يعد هذا التحول مجرد تكهنات، ففي مقابلة مع “أكسيوس”، يوم الأحد، أشار ترامب إلى أنه يفضل أن يعمل على خنق طهران اقتصادياً بواسطة الحصار البحري الذي يمنع تصدير النفط الإيراني أكثر من التصعيد عسكرياً في الوقت الحالي، مضيفاً بلغة اللاعب الواثق: “الأمور ستُحل، دائماً تُحل، الأمر أشبه بلعبة شطرنج”.

وفي الوقت نفسه، يطالب الرئيس الأميركي طهران بإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز من دون شروط أو مقابل، بينما تصر إيران على ربط أي ترتيبات بشأن المضيق برفع العقوبات والتهديدات العسكرية والتعويض عن الأضرار والإفراج عن أصولها المجمدة.

أشار ترامب إلى أنه يفضل أن يعمل على خنق طهران اقتصادياً بواسطة الحصار البحري- إنترنت

وتقوم المعادلة الأميركية على رهان واضح، وهو كلما انخفضت قدرة إيران على بيع النفط والحصول على العملة الصعبة، ازدادت صعوبة تمويل الدولة والحرب والمؤسسات المرتبطة بها، وارتفعت في المقابل كلفة الأزمة على المجتمع الإيراني.

لكن السؤال الذي لا تزال إجابته مفتوحة هو ما إذا كان هذا الضغط قادراً فعلاً على تحويل الأزمة الاقتصادية إلى تنازل سياسي، أم أن إيران ستستخدم خبرتها الطويلة في العقوبات للالتفاف على الضغوط وانتظار تغير الظروف.

النفط.. شريان الدولار

تأتي صادرات النفط في مقدمة الأدوات التي تستخدمها واشنطن لتحقيق هذا الهدف، فإيران تعتمد بدرجة كبيرة على النفط كمصدر للعملة الصعبة، فيما تمثل الصين الوجهة الأساسية للخام الإيراني الخاضع للعقوبات.

تظهر بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في بيانات وتحليلات تجارة السلع وحركة الشحن البحري عالمياً، أن الصين ظلت المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، مع وصول التدفقات في بعض الأشهر إلى أكثر من مليون برميل يومياً، معظمها إلى المصافي المستقلة في مقاطعة شاندونغ.

ويشرح كبير محللي أسواق النفط في “كبلر”، همايون فلكشاهي، نقطة الضعف الأساسية في هذه المعادلة، موضحاً أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية النفط التي تستطيع إيران إنتاجها، وإنما بقدرتها على تخزين الخام إذا عجزت عن تصديره.

وفي تحليل نشرته “كبلر”، أشار فلكشاهي إلى أن القدرة العملية المتاحة لتخزين النفط الخام داخل إيران أقل بكثير من الطاقة الاسمية، وقدّر الاحتياطي التخزيني العملي المتبقي بنحو 13.5 مليون برميل فقط في حزيران/يونيو، ما يعني أن استمرار قيود التصدير قد يجبر طهران على خفض الإنتاج حتى لا تمتلئ الخزانات.

حين يتحول النفط إلى عبء

هذه النقطة مهمة في فهم استراتيجية ترامب، فالحصار لا يحتاج بالضرورة إلى وقف الإنتاج الإيراني بالكامل حتى يحقق أثراً اقتصادياً، يكفي أن يمنع تحويل الإنتاج إلى إيرادات نقدية، ومع استمرار تعطل حركة الناقلات، تتحول براميل النفط من أصل مالي إلى عبء على المنتج، لأن التخزين له حدود، والإنتاج الذي لا يمكن شحنه لا يولد الإيرادات التي تحتاجها الحكومة.

ويبدو أن هذا الضغط أصبح أكثر وضوحاً خلال الأسابيع الأخيرة، فقد أفادت “فايننشال تايمز” بأن صادرات النفط الإيرانية اقتربت من التوقف في مطلع آب/أغسطس الجاري، مع غياب حركة الناقلات عن جزيرة خرج، مركز التصدير النفطي الرئيسي لإيران، منذ نهاية الشهر الماضي، بينما أدت صعوبة إعادة الناقلات الفارغة إلى الموانئ الإيرانية إلى زيادة الضغط على قدرة البلاد على مواصلة التصدير.

أفادت “فايننشال تايمز” بأن صادرات النفط الإيرانية اقتربت من التوقف في مطلع آب/أغسطس- إنترنت

لكن النفط ليس سوى حلقة في سلسلة أطول، فالضغط على الصادرات يعني تراجع تدفق الدولار، وهو ما ينعكس على سعر الريال، ثم على تكلفة الواردات، ثم على الأسعار المحلية، ومع اقتصاد يعتمد على الاستيراد في قطاعات واسعة، تصبح أزمة العملة حلقة تضخمية يصعب كسرها.

وتشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4 بالمئة خلال 2026، بالتزامن مع تضخم مرتفع للغاية، في واحدة من أشد الضربات التي يتعرض لها الاقتصاد الإيراني منذ عقود.

الاقتصاد كأداة ضغط

لذلك، فإن أهمية الرهان الأميركي لا تكمن في إسقاط الناتج المحلي وحده، وإنما في التأثير المتراكم للأزمة على قدرة الدولة والمجتمع، فالاقتصاد الإيراني كان يعاني أصلاً من ضعف الاستثمار والعقوبات والتضخم وتراجع القوة الشرائية، قبل أن تضيف الحرب والحصار صدمة جديدة إلى هذه الاختلالات.

يرى المسؤول الأميركي السابق عن ملف إيران والعقوبات والزميل في معهد واشنطن، ريتشارد نيبـو، أن العقوبات تفرض بالفعل ضغوطاً كبيرة على النظام الإيراني، لكنه يحذر في الوقت نفسه من المبالغة في تقدير قدرتها على إحداث تحول سياسي سريع.

ففي تحليل نشره في نيسان/أبريل، دعا واشنطن إلى ترك إيران تواجه أزماتها الداخلية، لكنه أشار في تحليلات أخرى إلى أن أدوات الضغط الاقتصادي المتاحة للولايات المتحدة باتت أقل مما كانت عليه، وأن العقوبات وحدها قد لا تُحدث صدمة حاسمة تغير سلوك النظام.

ويضع هذا التحذير حداً مهماً لفكرة “الانهيار” التي تبدو حاضرة في الخطاب السياسي الأميركي، فإيران سبق أن عاشت تحت عقوبات قاسية لسنوات، وطورت شبكات لبيع النفط عبر وسطاء وشركات واجهة وأساطيل شحن معقدة، كما استطاعت الحفاظ على قنوات تجارية ومالية مع الصين، وبالتالي فإن قطع هذه القنوات بالكامل أكثر تعقيداً من مجرد إصدار حزمة جديدة من العقوبات.

الصين.. صمام النجاة

يظهر العامل الصيني هنا باعتباره أحد أهم الاختبارات أمام استراتيجية ترامب، فالصين ليست مجرد مشترٍ للنفط الإيراني، بل تمثل عملياً شرياناً رئيسياً لقدرة طهران على تحويل الخام إلى إيرادات.

 وفي آذار/مارس، أظهرت بيانات “كبلر” أن تدفقات النفط الإيراني إلى الصين تراوحت بين نحو 1.1 و1.7 مليون برميل يومياً، مع تركّز كبير في عدد محدود من مراكز التكرير الصينية.

تدفقات النفط الإيراني إلى الصين تراوحت بين نحو 1.1 و1.7 مليون برميل يومياً في آذار- إنترنت

لذلك فإن نجاح الحصار الأميركي يتوقف جزئياً على مدى قدرة واشنطن على جعل استمرار هذه التجارة أكثر تكلفة بالنسبة إلى الشركات والوسطاء والمصارف الصينية، وهي معركة مختلفة عن استهداف إيران مباشرة، لأنها تضع الولايات المتحدة أمام حسابات جيوسياسية مع بكين.

وفي المقابل، تمتلك طهران ورقة لا تقل حساسية، مضيق هرمز، فإيران التي تواجه صعوبة في تصدير نفطها تستطيع في الوقت نفسه التأثير في صادرات منافسيها الخليجيين، ما يمنحها قدرة على رفع تكلفة الضغط عليها عبر أسواق الطاقة العالمية.

هرمز.. سلاح ذو حدين

يرى رئيس أبحاث أسواق النفط العالمية في شركة التحليلات العالمية “إنرجي إنتليجنس”، آبي راجندران،  أن أزمة هرمز تمثل صدمة استثنائية للسوق النفطية العالمية، إذ أدت القيود على الملاحة إلى واحدة من أكبر اضطرابات الإمدادات في تاريخ سوق النفط، وهو ما يعني أن استمرار الحصار لا يضغط على إيران وحدها، فهو يخلق أيضاً مشكلة للولايات المتحدة وحلفائها من خلال أسعار الطاقة والتضخم وتكاليف النقل.

هنا تتحول المواجهة إلى لعبة استنزاف متبادلة، واشنطن تراهن على أن الوقت يعمل ضد إيران، حيث مخزونات تتآكل، صادرات تتراجع، العملة تفقد قيمتها والتضخم يزداد، أما طهران فتراهن على أن الوقت يمكن أن يعمل ضد ترامب أيضاً، إذا أدت أزمة هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة كلفة الوقود على المستهلك الأميركي، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

ومن هنا تبدو الاستراتيجية الأميركية أشبه بمحاولة لإجبار إيران على الاختيار بين مسارين كلاهما مكلف، إما الاستمرار في المواجهة وتحمل اقتصاد أكثر انكماشاً وعملة أضعف وتراجعاً في الإيرادات النفطية، أو تقديم تنازلات تسمح برفع جزء من العقوبات وإعادة تشغيل التجارة.

لكن التاريخ الإيراني يجعل النتيجة أقل وضوحاً، فالعقوبات السابقة أضعفت الاقتصاد ولم تمنع طهران من تطوير وسائل للالتفاف عليها، كما أن تدهور مستويات المعيشة لم يؤدِ تلقائياً إلى تغيير سياسي.

بين الانهيار والصمود

لهذا، فإن وصف الاقتصاد الإيراني بأنه “على وشك الانهيار” قد يكون سياسياً أكثر منه اقتصادياً، المؤشرات بالفعل شديدة القسوة، انكماش اقتصادي حاد، تضخم مرتفع، ضعف العملة، تراجع الصادرات النفطية واضطراب التجارة، لكن بين الاقتصاد المتعثر والاقتصاد المنهار مسافة كبيرة، وبين الأزمة الاقتصادية والتنازل السياسي مسافة أكبر.

وتبقى نقطة التحول مرتبطة بقدرة إيران على الاحتفاظ بآخر شرايينها المالية، فإذا استطاعت مواصلة بيع النفط للصين، وتأمين قنوات دفع بديلة، والحفاظ على الحد الأدنى من تدفق العملات الأجنبية، فقد تتمكن من إطالة أمد المواجهة.

 أما إذا نجحت واشنطن في إغلاق هذه القنوات بالتزامن مع استمرار اضطراب هرمز، فقد تصبح الأزمة الاقتصادية أكثر من مجرد نتيجة للحرب، وتتحول إلى عامل حاسم في مسارها.

في النهاية، لا يراهن ترامب بالضرورة على إفلاس إيران بين ليلة وضحاها، بل على شيء أكثر واقعية، وهي الوصول إلى اللحظة التي تصبح فيها كلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى القيادة الإيرانية أكبر من كلفة التفاوض، لكن هذا الرهان يظل محفوفاً بالمخاطر، لأن الضغط الاقتصادي قد يدفع طهران إلى التسوية، وقد يدفعها أيضاً إلى التشدد واستخدام هرمز كورقة مضادة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم