بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، بقيت معاملة الموقوفين أحد الاختبارات الأساسية لمدى قدرة المؤسسات الجديدة على وقف الممارسات التي ارعبت السوريين لعقود طويلة.
وبالرغم من أن السلطات الانتقالية الجديدة أعلنت فتح ملفات للمحاسبة، وملاحقة متهمين بارتكاب انتهاكات خلال عهد الأسد، إلا أن حالات التعذيب وشهادات عن اعتقالات تعسفية، وسوء معاملة، ووفاة أثناء الاحتجاز، وتدهور صحي لموقوفين لا تزال مستمرة.
من المخفر إلى العناية المشددة
تداول ناشطون، أمس الجمعة، رواية عن تدهور الحالة الصحية للشاب محمد حسام الدين غميرة، خلال فترة توقيفه في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية، على خلفية ادعاء يتعلق بمبلغ مالي.

وبحسب الرواية التي نقلها شقيقه، كان غميرة، المصاب بمرض الناعور الذي يؤثر في قدرة الدم على التخثر، في حالة صحية مستقرة وقادراً على الكلام قبل توقيفه.
وتقول عائلته إن زوجته أبلغت المسؤولين منذ اليوم الأول بإصابته بالمرض، وأبدت استعدادها لتقديم تقارير طبية تثبت ذلك، بينما لم تتمكن الأسرة من زيارته خلال ثلاثة أيام، وكانت تتلقى جواباً بأنه “قيد التحقيق”.
لاحقاً، علمت العائلة بوجوده في مشفى الحفة، وقالت إنها تسلمته قرابة الساعة 11:30 ليلاً وهو يعاني نزيفاً في ساقه وتدهوراً صحياً، قبل نقله إلى المشفى الوطني ثم إلى مشفى تشرين الجامعي.
وبحسب رواية الأسرة، أظهرت الفحوصات إصابته بنزيف دماغي، ثم فقد القدرة على الكلام والوعي، فيما توقف قلبه ثلاث مرات وأعيد إنعاشه، ولا يزال في حالة صحية حرجة، وفق العائلة.
وفي اليوم نفسه، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية فتح تحقيق في ملابسات توقيف غميرة، وقالت إن التحقيق يشمل ظروف التوقيف ومدى توافق الإجراءات المتخذة بحقه مع الأصول القانونية، مع مراعاة وضعه الصحي.
وأكدت القيادة أن “سلامة الموقوفين وحقوقهم وكرامتهم مصونة وفق القانون”، وأن أي تجاوز يثبت وقوعه خلال إجراءات التوقيف أو التحقيق سيُتخذ بحقه الإجراء القانوني المناسب.
حالات وفاة داخل الاحتجاز
قضية غميرة ليست الوحيدة التي تثير أسئلة حول ظروف الاحتجاز في سوريا الجديدة. فمن بين الحالات التي وثقتها الشبكة، ثلاثة معتقلين قالت إنهم توفوا بعد توقيفهم من قبل عناصر مديرية الأمن العام في حمص وريفها في كانون الثاني/ يناير 2025.
كان أولهم محمد لؤي محمد طلال طيارة، الذي اعتقل في 29 كانون الثاني/ يناير ونقل إلى مركز احتجاز كان يستخدمه حزب البعث سابقاً. وفي اليوم التالي، أُبلغت أسرته بوفاته، وقالت الشبكة إن جثمانه حمل آثار تعذيب شديد.
وتكتسب هذه الحالة أهمية إضافية بسبب وجود إقرار رسمي بوقوع تجاوزات؛ إذ أعلنت مديرية الأمن العام في حمص أن عناصر مسؤولين عن نقل طيارة ارتكبوا “تجاوزات” أدت إلى وفاته، وأن المتورطين أوقفوا وفتح تحقيق بإشراف النيابة العامة.
وفي حالتين أخريين، قالت الشبكة إن رضوان حسين محمد وبدر محيي صقور توفيا بعد توقيفهما، وإن جثمانيهما حملا آثار تعذيب وإصابات بالرصاص.
كما وثقت الشبكة حالة حافظ يوسف الطويل، الذي اعتقلته قوات الأمن الداخلي في حزيران/ يونيو 2025 بعد مداهمة منزله، قبل أن تبلغ أسرته بوفاته بعد خمسة أيام. وقالت الشبكة إن آثار تعذيب كانت ظاهرة على جسده، وربطت وفاته بالتعذيب والإهمال الطبي.
وتكشف هذه الحالات، وفق ناشطين، أن الاحتجاز خارج الضمانات القانونية وما يرافقه من انتهاكات لم يختف بالكامل مع سقوط النظام السابق.
بيانات حقوقية
تشير بيانات حديثة صادرة عن منظمات حقوقية إلى أن هذه الحالات لا تقتصر على واقعة واحدة. فقد وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” 246 حالة اعتقال تعسفي واحتجاز خلال النصف الأول من عام 2026، بينها 14 طفلاً وثلاث نساء، نسبت 141 حالة منها إلى قوات الحكومة السورية.
وتقول الشبكة إن أرقامها تمثل الحد الأدنى من الحالات التي تمكنت من توثيقها والتحقق منها، ولا تعكس بالضرورة الحجم الكامل للانتهاكات.
وفي تقريرها السنوي عن عام 2025، قالت الشبكة إنها وثقت مقتل 3666 شخصاً في سوريا خلال العام، ونسبت إلى قوات الحكومة السورية مسؤولية مقتل 73 مدنياً، بينهم ثمانية أطفال وست سيدات، إضافة إلى 16 شخصاً قالت إنهم توفوا تحت التعذيب.
سجون النظام السابق.. أماكن جديدة أم ممارسات قديمة؟
وفي تحقيق نشرته “رويترز” في كانون الأول/ ديسمبر 2025، استناداً إلى مقابلات مع أكثر من 140 سورياً، قالت الوكالة إنها جمعت أسماء 829 شخصاً على الأقل احتجزوا لأسباب أمنية خلال السنة الأولى بعد سقوط الأسد، ورصدت إعادة استخدام 28 سجناً ومركز احتجاز كانت مستخدمة خلال عهد النظام السابق.
كما قال 40 معتقلاً سابقاً أو فرداً من عائلات محتجزين للوكالة إنهم تعرضوا أو شهدوا إساءة معاملة، وصلت في بعض الحالات إلى التعذيب، فيما وثقت “رويترز” 11 وفاة على الأقل أثناء الاحتجاز.
لكن الوكالة أشارت في الوقت نفسه إلى أن الانتهاكات التي وثقتها لا تقارن من حيث الحجم والنطاق والوحشية بمنظومة الاعتقال والتعذيب التي كانت قائمة في عهد الأسد ووالده.
من محاسبة الأسد إلى محاسبة الدولة
منذ سقوط الأسد، أصبحت العدالة الانتقالية واحدة من أكثر الملفات حساسية في سوريا. وقد أعلنت السلطات الجديدة إنشاء مؤسسات مخصصة للعدالة الانتقالية والمفقودين، في إطار تعهدات بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم السابقة.
لكن منظمات حقوقية دولية ترى أن ملف المحاسبة لا يمكن أن يقتصر على انتهاكات النظام السابق. فقد قالت “هيومن رايتس ووتش” في تقريرها العالمي لعام 2026 إن السلطات الانتقالية نفذت اعتقالات تعسفية، مع ورود تقارير عن التعذيب وسوء المعاملة والوفيات أثناء الاحتجاز.
كما انتقدت المنظمة حصر ولاية لجنة العدالة الانتقالية بالانتهاكات التي ارتكبتها الحكومة السابقة، بما يترك ضحايا انتهاكات ارتكبها أطراف آخرون أمام خيارات محدودة للإنصاف.
وفي أحدث مراجعة لها بشأن سوريا، دعت المنظمة إلى حماية الأفراد والمجتمعات من العنف الانتقامي، والتحقيق سريعاً في الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الأمن والجماعات المرتبطة بها، وإنشاء آليات يسهل الوصول إليها للشكاوى وجبر الضرر لضحايا الانتهاكات.
حالات فردية أم نمط متكرر؟
إلى جانب الحالات التي وثقتها منظمات حقوقية وتقارير صحفية، أثارت روايات عن تدهور أوضاع موقوفين ووفاة أشخاص خلال الاحتجاز، خلال الأشهر الماضية، موجة من الغضب والاستنكار في أوساط سوريين على مواقع التواصل الاجتماعي. وترافقت هذه التفاعلات مع مطالبات بالتحقيق في ملابسات تلك الحالات، والكشف عن ظروف الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت وقوعها.
من بين هذه الحالات التي أثارت تفاعلاً، قضية عبد السلام عبد الحكيم عكو، شاب من مواليد عام 2002، قالت منشورات متداولة إن السلطات أفرجت عنه بعد نحو عام من الاحتجاز في سجن حماة المركزي، وسلمته إلى عائلته في حالة صحية متدهورة. ووفق رواية عائلته، كان عكو قد اعتقل خلال مداهمة محل للاشتباه بتورطه في تجارة مخدرات، فيما أشارت المنشورات إلى أن طبيباً نفى وجود مؤشرات على تعاطيه المخدرات. ولم يتسن من المصادر المتاحة التحقق بصورة مستقلة من ظروف احتجازه أو أسباب التدهور الصحي الذي ظهر عليه بعد الإفراج عنه.

وفي ريف دير الزور، قالت منشورات إن الشاب أحمد إبراهيم العيادة الدايح اعتقل في آذار/ مارس 2026 بعد تسوية وضعه، قبل أن تبلغ عائلته بعد نحو 20 يوماً بوفاته داخل مكان احتجازه، مع إبلاغها بأنه توفي نتيجة “وعكة صحية”. وبحسب الرواية المنشورة، لم تحصل العائلة على تقرير طبي مفصل يوضح أسباب الوفاة، ولم تعرف حتى الآن، وفق ما ورد فيها، الظروف التي أدت إليها.
وتختلف هذه الحالات في تفاصيلها وملابساتها، كما أن بعضها يستند إلى روايات عائلات أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ورغم أنه لا يمكن الجزم من خلالها وحدها بوقوع التعذيب أو تحديد المسؤولية. لكنها تلتقي عند نقطة واحدة وهي أن أشخاص دخلوا أماكن الاحتجاز أو تعرضوا لاعتداءات، ثم خرج بعضهم في حالات صحية حرجة أو فارقوا الحياة، فيما بقيت أسئلة كثيرة بلا إجابات واضحة بشأن ما جرى.
في المجمل، تضع هذه الحالات الحكومة السورية الانتقالية في موقف صعب، إذ لا يمكن للسلطة التي وعدت بإنهاء ممارسات التعذيب ومحاسبة مسؤولي النظام السابق أن تكون بمنأى عن المساءلة، أو أن تسمح بتكرار الانتهاكات داخل مؤسساتها. ويشمل ذلك ضمان حقوق الموقوفين، والتحقيق بشفافية في حالات التعذيب والوفاة أثناء الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عنها أياً كانت مواقعهم، بما يعزز القطيعة مع ممارسات الماضي ويختبر قدرة المؤسسات الجديدة على بناء منظومة احتجاز قائمة على القانون.
- اليابان ترفع العقوبات عن 16 كياناً سورياً.. وتبقي “الأسد” على القائمة
- شبهات تزوير حول قطع أثرية استعادتها سوريا.. ما القصة؟
- النفط الخليجي يقترب من مستويات ما قبل الحرب.. هل نجح الحصار في خنق إيران؟
- ثاني استهداف خلال أسابيع.. تفجير خط غاز الجبسة يوقف الإمدادات إلى محطات التوليد
- مفوضية اللاجئين: نقص التمويل يهدد مساعدات 162 ألف مهجر وعائد في سوريا

