تتجه السوق السورية إلى توسيع مصادر استيرادها الزراعي مع فتح الباب أمام الذرة البرازيلية، في خطوة تأتي بالتزامن مع اتساع حضور السلع الأجنبية في البلاد وتزايد حجم التجارة مع شركاء إقليميين ودوليين.
وأعلنت وزارتا الزراعة والثروة الحيوانية والعلاقات الخارجية البرازيليتان، في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، أن السلطات السورية وافقت على فتح سوقها أمام صادرات الذرة البرازيلية، بما يسمح بتصدير حبوب الذرة إلى سوريا.
قتح أسواق جديدة
أكدت الوزارة البرازيلية أن الموافقة جاءت ضمن حزمة من قرارات فتح أسواق جديدة أمام المنتجات البرازيلية شملت أيضاً الكويت ونيكاراغوا وبنغلادش.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه التجارة بين البرازيل وسوريا نمواً لافتاً، إذ بلغت قيمة الصادرات البرازيلية إلى السوق السورية نحو 52.6 مليون دولار خلال الفترة التي تغطيها أحدث البيانات المتاحة، بزيادة قدرها 304 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مقابل نحو 246 ألف دولار من الواردات البرازيلية من سوريا، بزيادة 4.4 بالمئة.
وتصدرت القهوة والمتة والذرة قائمة أبرز المنتجات البرازيلية المصدرة إلى السوق السورية، وفق بيانات جمعتها الغرفة التجارية العربية البرازيلية من وزارة التنمية والصناعة والتجارة والخدمات.
المنافسة لا تعني سعراً أقل
في هذا السياق، قال الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر إن دخول البرازيل بصورة أوسع إلى السوق السورية يفتح باباً مهماً أمام زيادة المنافسة وتنويع مصادر الاستيراد، لكنه لا يعني بالضرورة أن المستهلك السوري سيشعر سريعاً بانخفاض الأسعار، موضحاً أن الأثر النهائي سيتوقف على طبيعة السلع المستوردة، وتكاليف وصولها إلى السوق، وآلية تسعيرها محلياً.
وأضاف عمر وفق منشور له على منصة “فيسبوك”، أن ارتفاع قيمة الصادرات البرازيلية إلى سوريا يعكس اتساع الفجوة في الميزان التجاري بين البلدين، مشيراً إلى أن التطور الأبرز يتمثل في فتح السوق السورية أمام استيراد الذرة البرازيلية.
وأوضح أن أهمية الذرة لا ترتبط بالاستهلاك المباشر فقط، وإنما باستخدامها على نطاق واسع في صناعة الأعلاف، ولا سيما أعلاف الدواجن والمواشي، وبالتالي فإن وصولها بأسعار تنافسية يمكن أن يخفف جزءاً من تكلفة الإنتاج لدى المربين، وينعكس، نظرياً، على أسعار الدجاج والبيض والحليب واللحوم.
لكن الباحث شدد على أن انخفاض تكلفة الاستيراد لا يتحول تلقائياً إلى انخفاض في أسعار البيع للمستهلك، لأن ذلك يتوقف على مستوى المنافسة بين المستوردين، وتكاليف النقل والتخزين والتوزيع، وهوامش التجار، فضلاً عن قدرة انخفاض سعر الذرة على الوصول فعلياً إلى المربين بدلاً من تحوله إلى هامش ربح إضافي في حلقات الوساطة.
بين الموافقة والواردات الفعلية
لفت عمر إلى أن فتح الأسواق لا يعني بالضرورة تدفق كميات كبيرة من السلع فوراً، إذ إن تحويل الموافقة التجارية إلى واردات فعلية يحتاج إلى اتفاقات بين الشركات وتحديد الأسعار والكميات وشروط التسليم، إلى جانب استيفاء المتطلبات الصحية والفنية الخاصة بالاستيراد.
واعتبر أن الاستيراد يمكن أن يوفر حلاً سريعاً لتخفيف بعض ضغوط السوق، لكنه لا يكفي وحده لبناء استقرار طويل الأجل، مؤكداً أن المكسب الحقيقي لسوريا لا يتمثل فقط في الحصول على الذرة من مصدر جديد، وإنما في بناء سوق أعلاف أكثر استقراراً، وتنويع مصادر التوريد، وتحسين الإنتاج المحلي، بما يقلل حساسية أسعار الغذاء تجاه تقلبات الأسواق الخارجية.

ولا يأتي الانفتاح على الذرة البرازيلية بمعزل عن تحول أوسع في خريطة التجارة السورية، إذ تواصل تركيا، أحد أبرز الشركاء التجاريين لسوريا، زيادة صادراتها إلى السوق المحلية.
وأظهرت بيانات التجارة التركية الصادرة، أمس الثلاثاء، أن صادرات تركيا إلى سوريا ارتفعت بنسبة 19 بالمئة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتسجل سوريا ثاني أعلى معدل نمو بين الدول المجاورة لتركيا خلال الفترة، بعد جورجيا التي بلغت نسبة نمو صادراتها 19.6بالمئة.
قفزة متواصلة في الصادرات
يمثل هذا النمو امتداداً للتوسع الذي سجلته التجارة التركية السورية خلال 2025، فوفق بيانات مجلس المصدرين الأتراك، ارتفعت الصادرات التركية إلى سوريا بنسبة 69.6 بالمئة، من 1.514 مليار دولار في 2024 إلى 2.568 مليار دولار في 2025.
وتصدرت الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية ومنتجاتها قائمة القطاعات المصدرة بقيمة تجاوزت 700 مليون دولار، تلتها المواد الكيميائية ومشتقاتها بنحو 299 مليون دولار، ثم الكهرباء والإلكترونيات بنحو 224 مليون دولار.
وكانت وزارة التجارة التركية قد أعلنت في آب/أغسطس 2025 ارتفاع صادراتها إلى سوريا بنسبة 54.31 بالمئة خلال الفترة من 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى 17 آب/أغسطس 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ووصفت تركيا آنذاك بأنها أكبر شريك تجاري لسوريا.
تزامن هذا التوسع مع إعادة ترتيب قواعد التجارة بين البلدين، ففي كانون الثاني/يناير 2025 أعلنت تركيا أن سوريا خفضت الرسوم الجمركية على 269 منتجاً تركياً، من بينها البيض والطحين والذرة والحليب ومنتجات غذائية ومنتجات من الحديد والصلب ومواد النظافة.
لكن حجم التجارة التركية يكشف في الوقت نفسه عن اختلال واضح في الميزان التجاري السوري، فوفق بيانات TradeMap الواردة في ملف سوريا لعام 2026 الصادر عن وزارة التجارة التركية، بلغت صادرات تركيا إلى سوريا 3.494 مليارات دولار في 2025، مقابل واردات تركية من سوريا بقيمة 235 مليون دولار، ليصل إجمالي حجم التجارة إلى 3.729 مليارات دولار، ويسجل الميزان التجاري فائضاً لمصلحة تركيا بقيمة 3.259 مليارات دولار.
ويثير اتساع تدفق السلع الأجنبية في المقابل سؤالاً يتعلق بقدرة الصناعة السورية على المنافسة، وهو ما انتقدته الأوساط الاقتصادية، وكذلك تزايدت شكاوى الصناعيين السوريين بشأن صعوبة منافسة المنتجات المستوردة في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج وضعف التمويل وتقادم جزء من المعدات، في وقت أصبحت فيه السوق أكثر انفتاحاً على المنتجات الأجنبية.
- من تركيا إلى البرازيل الواردات تتوسع والمنافسة تشتد.. هل يستفيد المستهلك السوري؟
- استهداف مطار عدن.. صواريخ تسقط قرب مدرج الطائرات
- عودة أزمة البنزين المغشوش في سوريا.. ماذا وجدت فحوص “سادكوب”؟
- عملية “فجر اليمن”.. هل يسرّع الارتهان لإيران نهاية “الحوثيين”؟
- متخصص بالأمن الرقمي: جهاز أمني سوري يستخدم أداة لمراقبة حسابات “فيسبوك”

