مع تدهور الأوضاع المعيشية في سوريا أكثر فأكثر نتيجة ارتفاع أسعار جميع السلع في الأسواق إثر ارتفاع تسعيرة مادتي البنزين والغاز مؤخرا، بالإضافة إلى تدهور سعر الصرف، ازدادت قائمة العائلات التي تعتاش على “دفتر الدين” في المحلات السورية، كتلبية لاحتياجاتهم وتأمين متطلباتهم الحياتية اليومية.
ظاهرة “دفتر الدين” موجودة في سوريا منذ سنوات طويلة، إلا أن الظروف الاقتصادية السيئة للمواطنين ساهمت في زيادة انتشار هذه الظاهرة في البلاد، كما أنها باتت مصدر رزق أصحاب الدكاكين الشعبية نفسهم وليس فقط الأهالي الذي يستدينون، وبالتالي فإن نسبة الناس الذين يعتمدون على “دفتر الدين” في تصاعد وهذا يعني أن مستوى المعيشة في انخفاض كبير.
ظاهرة “دفتر الدين”
وسط الغلاء والأزمة الاقتصادية الخانقة، تعيش نسبة كبيرة من العائلات في سوريا على تلبية احتياجاتها وتأمين مستلزماتها من خلال الشراء بالدَّين من أصحاب البقاليات وبائعي الخضار.

إحدى السيدات وهي تعمل ممرضة وأم لأربعة أبناء تقول إنها تشتري أغراضها بالدَّين وتدفع مع بداية كل شهر، عندما تقبض راتبها، الذي بالكاد يكفي للمواصلات، مبينة لموقع “أثر برس” المحلي يوم أمس الثلاثاء، أنها تستدين من كل المحلات التي تشتري منها حتى الخضار.
كم أنها تستدين من محلات الجملة وهكذا حتى تستطيع تأمين متطلبات أسرتها، وعندما تقبض راتبها تقوم بتوزيعه بطريقة منظمة على كل المحلات التي استدانت منها، وتتكرر القصة نفسها مع بداية كل شهر.
إلا أنها أشارت إلى أنها تعيش براتب زوجها وليس فقط براتبها، وتؤمن احتياجات منزلها بالديون، مبينة أن رقم ديونها وصل إلى 250 ألفا عند السمان و200 ألف عند محل الخضار وعندما تقبض تقوم بتوزيعه بالتساوي على حد قولها، ترضي كل الأطراف، أي أنها لا تدفع كل الديون وإنما أجزاء منها، نظرا لأن حجم الديون يفوق الراتب بكثير.
أما أبو فاضل وهو صاحب بقالية في دمشق، ذكر للموقع نفسه أنه يعتاش من دفتر الدين الخاص في دكانه الصغير إلى جانب وظيفته الحكومية التي تعود عليه براتب لا يتجاوز الـ 120 ألف ليرة سورية بعد 30 سنة خدمة، واصفا البيع بالدين بأنه أمر مجبور على التعامل به، متابعا “الناس الله يعينها والراتب لا يكفي إلا إذا عمل الشخص أكثر من عمل حتى يؤمن مستلزمات منزله”.
بعض الأهالي يقولون إن ظاهرة “دفتر الدين” كانت موجودة قبل الأزمة، إلا أنه مع تدهور الأحوال المعيشية وتدني مستوى الرواتب الذي لم يعد يكفي لأيام، ازداد حجم التعامل بهذه الظاهرة، فثمة بعض الأُسر تستدين من بعض المحال التي تعرفهم، لحين قبض الراتب أو أن تأتيهم حوالة مالية خارجية من أحد أقاربهم المقيمين في الخارج.
كما أنه لولا هذه الظاهرة، لكانت تراجعت حركة البيع والشراء بشكل كبير، فمثلا على سبيل المثال إذا اضطر شخص ما لشراء حاجة طارئة ولم يكن بحوزته مال في ذلك الوقت، فإنه لا محالة سيستدين من أحد المحال أو البقالة كما يسمونها البعض.
إلى حين يؤمن مبالغ مالية من أحد مصادر رزقه ومعيشته، يضيف أحد سكان العاصمة دمشق لموقع “الحل نت” في اتصال هاتفي.
نسبة التعامل مع “دفتر الدين”
في المقابل، ذكر أبو فاضل أن نسبة الأُسر القاطنين في منطقته والذين ما يزالون يتعاملون بدفتر الديون هي بحدود 40 بالمئة أما البقية فلا يحبّذون هذه العادة ولا يحبونها، مضيفا، “هناك أشخاص يدخلون لشراء سلعة محددة وعندما لا يجدون أنفسهم يحملون كامل المبلغ يتركونها مع العلم أني أقول له اتركها للمرة الجاية إلا أنه لا يقبل”.
كما أكد أن كل صاحب دكان سمانة “ما بتوفي معو” إذا لم يبع بالدين والتسجيل على الدفتر. وعن قيمة الديون، أضاف أبو فاضل “أقل عائلة ديونها 400 ألف وتدفع كل شهر بالقطارة على الرغم من فرق السعر الذي يطرأ على السلع إلا أنني لا أتقاضى زيادة أبدا”.
من جهته، قال أحد الموظفين وبائع في بقالية إلى جانب عمله الحكومي، إن “الحال لم يكن كما هو عليه في السنوات الأخيرة الماضية، فالأرقام أصبحت بمئات الآلاف؛ لكننا بوصفنا بائعين مجبورين على فتح حساب للناس؛ لأن الجميع يعمل بهذه الطريقة في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة”.

بدورها أم عزام والتي لديها محل سمانة وتعتاش منه، تقول “هناك عائلات حسابها يصل إلى أكثر من 300 ألف ليرة في الشهر والأغلبية منهم أصبح الشراء بالدَّين عادة لديهم على الرغم من قدرتهم على الدفع كاش”.
في سياق متّصل، فإن طبيعة المواد التي تُشترى بالدَّين تختلف بين عائلة وأخرى، فتقول أم عزام “المواد الأساسية لمعيشة كل عائلة كالزيت والسمن والبيض ومشتقات الألبان بأنواعها والسكر، هي في الغالب التي يطلب مني الزبائن تسجيلها، والتي زادت نسبتها في هذا العام، وذلك يعود لارتفاع أسعارها الجنوني مقارنة بمواد أخرى تعتبر من الكماليات كمساحيق الغسيل والصابون والمتّة؛ لكن لا يمنع وجودها ضمن قائمة الديون أحيانا”.
لكن من جهة أخرى يقول أحد أصحاب المحال إن سعر البضاعة في ارتفاع دائم وبالتالي يتكبد أصحاب البقالة خسارات عدة، وبالتالي مسألة الشراء بالدَّين ليس مفيدا مع التغيرات السعرية الشبه يومية على الأسعار، وسط تذبذب سعر الصرف والأسعار ككل في الأسواق. ولذلك يتم بيع بعض أنواع السلع بأسعار مضاعفة، تحسبا لأي تغيرات سعرية في أسواق الجملة وغيرها.
نتيجة لهذه الخسارات والتغيرات السعرية، يمتنع بعض أصحاب المحال عادة عن الدَّين، ولذلك يُلاحظ وجود لافتة على واجهات بعض المحال تحت شعار “ممنوع الدين”، وفي هذا الإطار يضيف أحدهم للموقع المحلي “الناس تأخذ بالدَّين ولا تسدد إلا بعد عدة أشهر وقيمة الليرة تتغير وسعر المواد يرتفع فأنا أمام أمرين لا ثالث لهما إما أن أتعامل بالدَّين مع الناس وتبقى دكانتي فارغة من أي مواد أو لم أدين أحد والأخيرة هي ما اتبعتها مع العلم مسبقا بالعداوة التي سأقع فيها مع الزبائن؛ لكن في النهاية مصلحتي هي الأهم”.
غلاء عام
مؤخرا قامت الحكومة السورية بإصدار سلسلة قرارات جديدة، منها زيادة أسعار مادتي البنزين والغاز، وعلى إثر ذلك ارتفع أسعار عموم السلع في الأسواق، حيث كان لهذه القرارات دور كبير في زيادة تكاليف إنتاج معظم السلع والخدمات في سوريا، الأمر الذي ساهم بزيادة الأسعار على المستهلك، في ظل عدم إقرار أي آلية من شأنها تحسين دخل المواطن.
بسبب الارتفاع المستمر لمعظم السلع والخدمات، هناك أصناف غذائية تجاوزت قدرة الفقراء على شرائها، مما يعني أنها تخرج من قائمة الخيارات المتاحة لهم. هذا الارتفاع المتواصل في الأسعار يعرّض الفئات الأكثر ضعفا لمزيد من الصعوبات ويؤثر سلبا على قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية.
مما لا شك فيه أن أسباب هذا العزوف والتقنين يعود لضعف القدرة الشرائية للمواطن مقارنة بهذه الأسعار التي لا تتناسب إطلاقا مع قيمة الرواتب والأجور، وبالتالي مسألة رفع الرواتب وتحسين المستوى المعيشي للمواطن السوري بات من الضروريات، بالنظر إلى حجم الضغوط المعيشية الصعبة لجميع الأُسر السورية، بغض النظر عن مستويات دخلها.
بحسب آخر الدراسات فإن متوسط تكاليف معيشة الأسرة السورية، شهِد نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2022، ارتفاعا بمقدار 563 ألف و970 ليرة سورية، عن التكاليف التي سُجّلت في شهر تموز/يوليو لنفس العام، لتصل إلى ما يقارب الـ 3.5 ملايين ليرة.
لكن بالنظر إلى أن الأسعار خلال الشهرين الماضيين ارتفعت بنسب كبيرة لتصل لأكثر من 50 بالمئة للعديد من السلع، فإن تكاليف المعيشة تضاعفت بطبيعة الحال، وبالتالي يعني أن الأسرة الواحدة في سوريا تحتاج لنحو 6 ملايين ليرة سورية، أي نحو 700 دولار شهريا حتى تستطيع أن تعيش حياتها بشكل طبيعي، وسط ارتفاع معدل الفقر لنحو 90 بالمئة من الشعب السوري.
- ما بعد الانسحاب الأميركي.. العراق ولبنان أمام مسار الانتقال من نفوذ الفصائل إلى سيادة الدولة
- قيادي “حوثي” بارز يتولى ملف التحشيد في مأرب والجوف.. من هو؟
- هجوم “حوثي” يستهدف محطة كهرباء في المدينة المنورة
- فيضانات في مخيمات الشمال السوري وسط تحذيرات من تفاقم الأضرار
- خفض وقود السيارات الحكومية 30%.. هل ينقذ الخزينة السورية؟

