الأكراد والبلوش في صدارة الضحايا.. العفو الدولية تطالب بمحاسبة “مهندسو الجرائم” في إيران

طالبت منظمة العفو الدولية بإنشاء آلية دولية للعدالة الجنائية لمحاسبة المسؤولين الإيرانيين الذين تقول إنهم تورطوا في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال قمع احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022، محذرة من أن استمرار الإفلات من العقاب يفتح الباب أمام تكرار عمليات القتل الجماعي بحق المحتجين.

وقالت المنظمة، في تقرير جديد يتجاوز ألف صفحة، إن السلطات الإيرانية ارتكبت جرائم ضد الإنسانية خلال التعامل مع الاحتجاجات التي اندلعت عقب وفاة جينا مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة “الآداب”، موضحة أن التحقيق الذي أجرته على مدى سنوات حدد 87 مسؤولاً إيرانياً ينبغي التحقيق معهم جنائياً للاشتباه في مسؤوليتهم عن هذه الجرائم.

ويأتي التقرير بعد أربع سنوات من بدء الاحتجاجات، وفي وقت تقول فيه المنظمة إن القمع لم يتوقف، وإن السلطات الإيرانية لا تزال تحتفظ بالهياكل الأمنية والقضائية التي حالت، بحسب تقييمها، دون تحقيق العدالة للضحايا.

تقرير يوثق سلسلة القيادة

يحمل تقرير منظمة العفو الدولية عنوان “مهندسو الفظائع: أجهزة الدولة التي نسقت ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية خلال انتفاضة المرأة، الحياة، الحرية في إيران عام 2022”.

وتقول المنظمة إن التقرير يحاول تحديد سلسلة القيادة التي كانت وراء عمليات القمع، بدءاً من المؤسسات الأمنية العليا وصولاً إلى المسؤولين في المحافظات والمقاطعات.

وبحسب التقرير، تشمل الجرائم التي تقول المنظمة إنها ارتُكبت القتل العمد، والتعذيب، والإخفاء القسري، والسجن، والاغتصاب، والاضطهاد على أسس سياسية أو إثنية أو دينية أو مرتبطة بالنوع الاجتماعي.

وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية أنياس كالامار إن الأدلة التي جمعتها المنظمة تشير إلى أن السلطات الإيرانية نفذت هجوماً “منهجياً وواسع النطاق” ضد مدنيين شاركوا في الاحتجاجات، ضمن سياسة دولة تقوم على استخدام القوة المميتة لقمع المعارضة.

وتقول المنظمة إن استمرار المسؤولين الذين حددتهم في مواقعهم، بل وترقي بعضهم إلى مناصب أعلى، يمثل أحد الأسباب التي تجعلها تطالب بمسار دولي للمساءلة.

87 مسؤولاً تحت طائلة التحقيق

حددت منظمة العفو الدولية أسماء 87 مسؤولاً إيرانياً تقول إنهم ينبغي أن يخضعوا للتحقيق الجنائي للاشتباه في مسؤوليتهم عن جرائم ضد الإنسانية.

وتضم القائمة، بحسب التقرير، 62 من قادة قوات الأمن، بينهم 33 من قادة “الحرس الثوري” و27 من قادة الشرطة، إضافة إلى 25 مسؤولاً في وزارة الداخلية، بينهم محافظون وحكام مقاطعات.

وتتوزع المسؤوليات التي حددتها المنظمة في 17 مقاطعة ضمن محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية، وهي مناطق ركزت المنظمة على التحقيق فيها.

ومن بين الأسماء التي أوردها التقرير المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، ورئيس هيئة الأركان السابق محمد باقري، اللذين قتلا في شباط/فبراير 2026 خلال الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران.

كما ورد اسم وزير الداخلية الإيراني آنذاك أحمد وحيدي، الذي أصبح لاحقاً قائداً عاماً للحرس، إضافة إلى نائب وزير الداخلية لشؤون الشرطة والأمن في ذلك الوقت مجيد مير أحمدي.

وأكدت المنظمة أن القائمة ليست حصرية، وأن تحديد الأسماء لا يمثل بحد ذاته حكماً قضائياً بالإدانة، وإنما دعوة إلى التحقيق في المسؤوليات المحتملة.

مئات القتلى وآلاف المعتقلين

تقول منظمة العفو الدولية إنها وثقت مقتل 377 من المحتجين والمارة، بينهم 56 طفلاً، في إطار تحقيقاتها حول قمع احتجاجات 2022.

وبحسب المنظمة، قُتل معظم هؤلاء بين أيلول/سبتمبر وكانون الأول/ديسمبر 2022 خلال عمليات تفريق الاحتجاجات، فيما توفي آخرون أثناء الاحتجاز أو بعد الإفراج عنهم في ظروف تقول المنظمة إنها تثير شبهة مسؤولية الدولة.

وتشير المنظمة إلى أن السلطات الإيرانية اعترفت رسمياً بـ202 حالة وفاة فقط، واتهمت في حالات أخرى جهات غير حكومية أو “مثيري الشغب” و”إرهابيين مسلحين” بالمسؤولية عن القتل.

كما يوثق التقرير، وفق المنظمة، حالات اعتقال تعسفي وإخفاء قسري وتعذيب وسوء معاملة بحق آلاف الرجال والنساء والأطفال، إضافة إلى ملاحقة أقارب المحتجين والضحايا الذين طالبوا بالحقيقة والعدالة.

الأكراد والبلوش في صدارة الضحايا

خصص التقرير مساحة واسعة للقمع الذي طال الأكراد والبلوش، وتقول المنظمة إن هاتين الجماعتين تعرضتا لاستهداف غير متناسب خلال الاحتجاجات.

وبحسب البيانات التي وثقتها منظمة العفو، قُتل 106 أشخاص من المحتجين والمارة البلوش، بينهم 20 طفلاً، في محافظة سيستان وبلوشستان، وهو ما يمثل 33% من إجمالي الضحايا الذين سجلت المنظمة حالاتهم.

وتشير إلى أن 87 شخصاً قتلوا في مدينة زاهدان وحدها في 30 أيلول/سبتمبر 2022، في أحداث عرفت لاحقاً باسم “الجمعة الدامية”.

كما وثقت المنظمة مقتل 95 محتجاً وماراً كردياً، بينهم 13 طفلاً، في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية، وقالت إن معظمهم قتلوا بالرصاص، فيما توفي آخرون نتيجة الضرب أو استخدام الغاز المسيل للدموع أو الدهس بمركبات قوات الأمن.

وخلصت المنظمة إلى أن عمليات القتل والتعذيب التي طالت الأكراد والبلوش ارتكبت، بحسب تقييمها، بقصد تمييزي قائم على أسباب سياسية وإثنية، معتبرة أن ذلك يحقق أركان جريمة الاضطهاد كجريمة ضد الإنسانية.

كيف جرى تنفيذ القمع؟

تقول منظمة العفو الدولية إن “الحرس الثوري” وقوات الشرطة الإيرانية قادا عمليات تفريق الاحتجاجات، ضمن منظومة قالت إنها تضمنت المجلس الأعلى للأمن القومي ومجالس الأمن على مستوى المحافظات والمقاطعات.

وبحسب التقرير، استخدمت قوات الأمن بنادق هجومية ومسدسات وبنادق خرطوش محشوة بكريات معدنية، إلى جانب أسلحة أخرى، في مواجهة المحتجين.

وتقول المنظمة إن قوات الأمن لم تكتف بإطلاق النار على الحشود، بل لاحقت محتجين ومارة وأطلقت النار عليهم من مسافات قريبة، رغم عدم تشكيلهم خطراً وشيكاً على عناصر الأمن.

وتستند المنظمة في تحديدها لمسار الأوامر، وفق التقرير، إلى بيانات وتصريحات رسمية ووثائق مسربة وأوامر قضائية ووثائق تتعلق بخطط الانتشار وتخصيص الأسلحة والأموال.

كما تقول إنها عثرت على وثيقة مسربة تتضمن توجيهاً للقوات بالرد “بلا رحمة” حتى لو أدى ذلك إلى القتل.

تحقيق استند إلى مئات المقابلات وآلاف المقاطع

اعتمد التحقيق الذي أجرته منظمة العفو الدولية على مقابلات مع 270 شخصاً، بينهم محتجون ومعتقلون سابقون وأقارب ضحايا وشهود ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان وصحفيون وعاملون في المجال الطبي.

كما قالت المنظمة إنها حللت أكثر من 2000 مقطع فيديو إلى جانب وثائق رسمية ومسربة وأوامر نيابة وأحكام قضائية وسجلات للطب الشرعي.

وبحسب المنظمة، أرسلت رسائل إلى المرشد الإيراني وعدد من كبار المسؤولين الأمنيين، عرضت فيها نتائج التحقيق وأسماء المسؤولين الـ87 الذين حددهم التقرير، لكنها لم تتلق رداً قبل نشره.

لماذا تطالب المنظمة بتحقيق دولي؟

ترى منظمة العفو الدولية أن المؤسسات القضائية الإيرانية غير قادرة على ضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، بسبب ما تصفه بتداخل المؤسسات القضائية والأمنية وخضوع النظام القضائي، وفق تقييمها، لنفوذ المرشد الأعلى.

وتقول المنظمة إن النيابات والمحاكم العسكرية تنظر في عدد من القضايا المرتبطة بانتهاكات قوات الأمن، بينما قد يكون بعض العاملين فيها مرتبطين بالأجهزة الأمنية نفسها.

كما تنتقد القانون الإيراني المتعلق باستخدام الأسلحة النارية في تفريق الاحتجاجات، معتبرة أنه يسمح باستخدام القوة في حالات تتعارض مع المعايير التي يفرضها القانون الدولي.

ولهذا، تدعو المنظمة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إنشاء آلية دولية خاصة بالعدالة الجنائية في إيران، في ظل ما تعتبره صعوبة تحقيق ذلك عبر مجلس الأمن.

كما تطالب الدول بإحالة الوضع في إيران إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتدعو سلطات الادعاء في الدول التي تسمح قوانينها بذلك إلى فتح تحقيقات بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية بحق المسؤولين المشتبه في تورطهم بجرائم ضد الإنسانية.

يناير 2026.. تحذير من تكرار القمع

لا تربط منظمة العفو الدولية تقريرها باحتجاجات 2022 فقط، إنما تضعها ضمن نمط أوسع من القمع الذي تقول إنه تكرر خلال موجات احتجاجية متعاقبة في إيران.

وتشير المنظمة إلى احتجاجات 2017-2018 و2019، ثم احتجاجات 2022، وصولاً إلى عمليات القمع التي شهدتها البلاد في كانون الثاني/يناير 2026.

وتقول إن عمليات القتل الجماعي التي وقعت في 8 و9 كانون الثاني/يناير 2026 تمثل، بحسب تقييمها، أحدث مثال على خطر تكرار الانتهاكات في ظل غياب المساءلة.

وترى المنظمة أن عدم محاسبة المسؤولين عن أحداث 2022 ساهم في استمرار بنية الإفلات من العقاب، وحذرت من أن ذلك قد يشجع على ارتكاب مزيد من الانتهاكات خلال الاحتجاجات المقبلة.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم