يمثل حصر السلاح بيد الدولة أحد أكثر الملفات حساسية في العراق؛ إذ تتجاوز القضية تنظيم انتشار التشكيلات المسلحة إلى فرض سلطة المؤسسات الرسمية وضمان خضوع القرارين الأمني والسياسي لإطار دستوري موحد.
فالدول الخارجة من النزاعات تواجه عادة تحدياً مركباً لا يقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل يمتد إلى تفكيك الجماعات غير النظامية، وتفكيك شبكاتها المالية، وإعادة دمج عناصرها ضمن هياكل رسمية. وللتعامل مع هذه التحولات، اعتمدت “الأمم المتحدة” منذ تسعينيات القرن الماضي برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، بالتوازي مع إصلاح القطاع الأمني لبناء أجهزة تحتكر استخدام القوة.
وتقدم التجارب الدولية مسارات متعددة للتعامل مع هذا الملف؛ إذ شهدت ليبيريا إعادة بناء الجيش وفق آليات فرز فردية، فيما أسهمت برامج الدعم الدولي بسيراليون في إنهاء الحرب الأهلية. في المقابل، كشفت تجربة كولومبيا أن تفكيك الجماعات المسلحة يظل ناقصاً ما لم تُعالج شبكات اقتصاد الحرب، بينما اتجهت جنوب أفريقيا عام 1994 إلى توحيد القوات النظامية السابقة مع الحركات المسلحة ضمن جيش وطني شامل.
تضع هذه التجارب العراق أمام استحقاقات تتجاوز تسليم العتاد، لتشمل آليات دمج المنتسبين، ومصير الهياكل التنظيمية، وضمان خضوع القرار الأمني للمؤسسات الدستورية.
المرجعية والدستور.. المظلة الشرعية والقانونية لحظر القوة الموازية
من الناحية الدستورية والشرعية، تتفق حكومة علي الزيدي في بغداد والمرجعية الدينية العليا في النجف على أن وجود السلاح خارج الأطر الرسمية يتناقض مع مقومات بناء الدولة.
في هذا السياق، يوضح نائب رئيس “أكاديمية التطوير السياسي” في العراق، الباحث هشام الحسيني، أن توحيد القرار الأمني وحصر السلاح بيد الدولة يمثلان استحقاقاً دستورياً لا يحتمل التأجيل؛ كون الدستور العراقي يمنع صراحة تشكيل قوات مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية.
ويضيف الحسيني لـ”الحل نت”، أن تعدد مراكز القرار الأمني يضعف هيبة الدولة، لافتاً إلى أن انتشار السلاح خارج المنظومة الرسمية يدفع بعض الجهات إلى بناء أنشطة اقتصادية موازية -كالتهريب والمضاربات المالية- لتغطية نفقاتها والتمويل الداخلي.
وينوه الحسيني، إلى أن انتقال الفصائل المسلحة إلى العمل السياسي والابتعاد عن الولاءات للخارج يتطلب الخضوع التام لسلطة القانون؛ ما يفتح المجال أمام منافسة قائمة على البرامج والتفاهمات بدلاً من فرض المواقف بالقوة، مستشهداً بصدامات صيف 2022 بين الفصائل المقربة من إيران و”التيار الصدري” بالمنطقة الخضراء، كدليل على مخاطر تداخل السلاح مع التنافس السياسي.
وينسجم هذا الطرح السياسي مع الموقف المبدئي للمرجعية الدينية العليا في النجف؛ فمنذ فتوة التطوع الكفائي عام 2014، أكدت المرجعية أن دعوتها كانت للانخراط ضمن القوات الأمنية الرسمية لا لتشكيل مجاميع موازية.
وعقب تحرير المدن من تنظيم “داعش”، جددت مرجعية آية الله علي السيستاني موقفها أعوام 2019 و2024، داعية إلى حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وتطبيق القانون، والاستفادة من قدرات المقاتلين ضمن أطر دستورية تثبت استقرار البلاد.
التفاهمات الميدانية والجدول الزمني.. سقوط الذرائع وإنهاء التسليح
ميدانياً، بدأت خارطة حصر السلاح تشهد تحولات متسارعة بفعل التفاهمات الحكومية وتحديد المواعيد الزمنية لإنهاء الوجود الأجنبي، وهنا يوضح المتحدث باسم تحالف “خدمات” حسام الربيعي، أن المقاومة هي حالة رفض مجتمعي وليست مهنة أو وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية والمناصب، مؤكداً أن المفاوضات الحكومية بشأن انسحاب قوات “التحالف الدولي” أسقطت الذرائع الرئيسية لوجود السلاح خارج المنظومة الرسمية.
ويأتي تصريح الربيعي بالتزامن مع إعلان شبل الزيدي (رئيس تحالف خدمات وقائد كتائب الإمام علي) تسليم السلاح والتحول الكامل نحو النشاط السياسي، قبيل الموعد المحدد لإنهاء المهمة العسكرية لـ”التحالف الدولي” في 30 أيلول/ سبتمبر 2026، وحينها انسحبت قوات “التحالف” بالفعل من العراق.
تزامن ذلك أيضاً مع إعلان “كتائب سيد الشهداء” التزامها بالاتفاق المبرم مع اللجنة الإطارية الرباعية وما ورد في خطاب القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، لتصبح ثاني فصيل ينضم رسمياً لخارطة تسليم السلاح بعد “حركة أنصار الله الأوفياء” من بين 4 فصائل كانت ترفض حصر السلاح، ولم يتبقَ سوى “حركة النجباء” و”كتائب حزب الله”.
كما أعلن زعيم “التيار الصدري” مقتدى الصدر، حل لواء “اليوم الموعود” وتحويل “جيش المهدي” إلى مؤسسة خدمية، داعياً لحصر السلاح بيد الدولة، ومطالباً القيادات السياسية الاعتزال والتنحي وفسح المجال أمام الوجوه الجديدة.
تأتي هذه التحركات ضمن جدول زمني تنفيذي؛ حيث حددت الحكومة العراقية موعد استكمال نقل كافة أسلحة الفصائل إلى الدولة بحلول 30 حزيران/ يونيو 2027، بعد مرحلة أولى تشمل وقف الهجمات على المصالح الأميركية ودول الجوار بضمانات رسمية.
المكاسب التنموية والسيادية.. إعادة التموضع الاقتصادي واللوجستي
لا تقف آثـار تنظيم السلاح عند الشق الأمني، بل تمتد لتشكل مرتكزاً حيوياً لفتح آفاق الاستثمار، وتنشيط قطاعات الخدمات والتجارة، واستثمار الموقع الجغرافي للبلاد.
وفي هذا الصدد، يؤكد رئيس “المركز العربي الأسترالي للدراسات الاستراتيجية” أحمد الياسري، أن دمج المنتسبين وفق برنامج مؤسسي منظم يحقق انعكاسات واسعة تبدأ بتوحيد القرار السيادي وتنتهي بدعم الاقتصاد الوطني والتجارة والسياحة.
ويوضح الياسري لـ”الحل نت”، أن الفائدة المحورية من عملية الدمج تتجلى في فصل القرار السياسي والعسكري عن أي تأثيرات خارج إطار المؤسسات الرسمية، مما يوفر بيئة آمنة للقطاع الخاص والمستثمرين، ويُمكّن الحكومة من تنفيذ خططها التنموية.
ويرى الياسري، أن الاستقرار الأمني يُعد شرطاً حاسماً لتحويل العراق إلى مركز تجاري ولوجستي يربط الخليج بتركيا وأوروبا عبر مشاريع النقل والممرات البرية (مثل طريق التنمية)، وهو ما يوفر موارد مالية جديدة تُقلل من الاعتماد المباشر على الإيرادات النفطية.
كما يمتد هذا الأثر -حسب الياسري- إلى تنشيط السياحة الدينية والأثرية، وتطوير البنى التحتية، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية على قاعدة المصالح المتبادلة.
ويرهن الخبراء نجاح هذا المسار بقدرة الدولة على تحويل عملية حصر سلاح الفصائل من مجرد خطوة إجرائية إلى مشروع وطني شامل يستوعب المقاتلين، ويحفظ حقوقهم، ويعيد تثبيت القرار السيادي بما يضمن استدامة الاستقرار وبناء المؤسسات.
- حصر سلاح الفصائل: هل ينجح العراق في استنساخ التجارب الدولية للاندماج؟
- من الساحل الغربي إلى السعودية.. تصعيد متعدد الجبهات في اليمن
- من هرمز إلى باب المندب.. انحسار النفوذ الإيراني واحتمالات انخراط سوريا في اليمن
- مع توسع الاستثمارات الأجنبية.. تحذيرات من تراجع الصناعة الوطنية في سوريا
- الشبكة السورية توثق 453 توغلاً إسرائيلياً في سوريا ومقتل 69 شخصاً منذ سقوط الأسد

