المرافئ السورية تستعيد نشاطها.. فهل تعود إلى ما قبل الحرب؟

المرافىء السورية

تكشف حركة السفن الوافدة إلى المرافئ الرئيسية بسوريا عن تحول واضح في النشاط البحري منذ نهاية عام 2024، لكن هذا التعافي، رغم سرعته، لا يزال بعيداً عن استعادة الدور الذي كانت تؤديه المرافئ السورية قبل الحرب.

ووفق تحليل بن فيف في نشرة “سوريا بالأرقام”، وهي تقرير تحليلي شهري قائم على البيانات يُعده مكتب كرم شعار الاستشاري، ارتفع عدد السفن الوافدة إلى مرافئ طرطوس واللاذقية وبانياس خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026.

قفزة من 180 إلى 815 سفينة

يستند التحليل إلى بيانات التتبع البحري المستقاة من منصة “بورت ووتش” التابعة لـصندوق النقد الدولي، والتي تعتمد بدورها على بث إشارات نظام التعريف الآلي (AIS) لرصد حركة السفن التجارية وحساب مسارات التجارة البحرية، كاشفاً عن صورة مركبة تختلط فيها علامات الانفراج الأولي بحقائق الهشاشة الاقتصادية المستمرة.

وتكشف الأرقام الكلية عن قفزة حادة وغير مسبوقة في وتيرة الرسو التجاري عبر الموانئ الرئيسية الثلاثة، طرطوس واللاذقية وبانياس؛ إذ انتقل إجمالي السفن الوافدة من 180 سفينة متواضعة طوال عام 2024 إلى 815 سفينة مع نهاية عام 2025.

ولم تتوقف هذه الديناميكية عند هذا الحد، بل واصلت زخمها المتصاعد خلال الأشهر الأولى من عام 2026 مسجلة وصول 737 سفينة حتى شهر تموز/ يوليو وحده، ما يجعل إجمالي العام الحالي مرشحاً لتخطي مستويات العام المنصرم بفارق ملموس.

غير أن هذا الصعود المفاجئ، رغم دلالاته الإيجابية، يظل أقل بمرتين إلى ثلاث مرات من مستويات التشغيل التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب في عام 2011، مما يضع المراقب أمام فارق هيكلي حاسم بين الانتعاش الاستهلاكي الفوري المرتبط بفتح المعابر وعودة الاستيراد الطارئ، وبين التعافي المستدام الذي يقتضي إصلاحات تشريعية وبنية تحتية عميقة.

طرطوس يقود العودة

في تفاصيل المشهد البحري، كان مرفأ طرطوس صاحب القفزة الأكبر، إذ ارتفع عدد السفن الوافدة إليه من 56 سفينة في 2024 إلى 500 سفينة في 2025، بزيادة تقارب تسعة أضعاف، ليتجاوز اللاذقية ويصبح المرفأ السوري الأكثر نشاطًا وفق بيانات  “بورت ووتش”.

ويبدو أن طبيعة النشاط الذي يستقبله طرطوس ساعده على الاستجابة بصورة أسرع؛ إذ يعتمد بدرجة كبيرة على البضائع العامة والبضائع السائبة الجافة، وهي شحنات تشمل الحبوب والمواد الغذائية والآلات ومواد البناء، أي سلع ترتبط مباشرة بالاحتياجات الأساسية وبالمراحل الأولى لإعادة الإعمار.

أما مرفأ اللاذقية، فسجل بدوره تعافياً لافتاً، بعدما ارتفع عدد السفن الوافدة إليه من 123 سفينة في 2024 إلى 292 سفينة في 2025، أي أكثر من الضعف، ويكتسب هذا الارتفاع أهمية خاصة بالنظر إلى مسار التراجع الذي شهده المرفأ خلال السنوات السابقة؛ فقد سجل 223 سفينة في 2020، قبل أن يهبط إلى 120 سفينة في 2023، وفق بيانات “بورت ووتش”.

 وفي المقابل، فإن استعادة اللاذقية لدورها في حركة الحاويات لا ترتبط بالطلب وحده، بل تحتاج أيضاً إلى عودة خطوط الشحن المنتظمة، واستقرار النظام المالي، وإجراءات جمركية أكثر وضوحاً، إلى جانب تحسين شبكات النقل البرية التي تربط المرفأ بالأسواق الداخلية.

بانياس يخرج من الظل

تشير البيانات إلى عودة تدريجية لمرفأ بانياس، الذي لم تسجل منصة “بورت ووتش”  أي سفن وافدة إليه بين 2019 و2023، باستثناء سفينة واحدة في 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 23 سفينة في 2025 و20 سفينة خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026.

ويظل بانياس الأقل نشاطاً بين المرافئ الثلاثة، رغم أهميته في حركة ناقلات النفط والغاز، غير أن قراءة أرقامه تحتاج إلى قدر من الحذر، إذ تصنف “بورت ووتش” السفن المرتبطة بالمرفأ ضمن فئات لا تسمح دائماً بتحديد طبيعة الشحنة بدقة، فيما تشير تقارير متخصصة في حركة النقل البحري إلى أن بانياس شهد خلال 2025 و2026 ارتفاعًا في واردات النفط والغاز المسال.

واستمر الاتجاه الصاعد خلال 2026؛ فحتى تموز، سجلت المرافئ الثلاثة 737 سفينة، توزعت بين 442 سفينة في طرطوس و275 في اللاذقية و20 في بانياس، ما يضع النشاط المسجل خلال سبعة أشهر عند مستوى مرتفع مقارنة بإجمالي العام السابق وفق المنهجية نفسها.

وفي الوقت نفسه، تؤكد بيانات رسمية سورية وجود توسع ملموس في حركة المرافئ، وإن كانت الأرقام الرسمية لا تتطابق مباشرة مع “بورت ووتش” لاختلاف منهجيات الرصد والتصنيف؛ فقد أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية أن طرطوس واللاذقية استقبلتا 945 سفينة خلال النصف الأول من 2026، مع تداول نحو 8 ملايين طن من البضائع.

هل استعادت المرافىء السورية وزنها؟

لكن القفزة الحالية لا تعني أن المرافئ السورية استعادت وزنها التاريخي، ففي 2010، استقبل طرطوس 2,418 سفينة، مقابل 1,548 سفينة في اللاذقية، وفق بيانات إحصائية رسمية سورية منشورة في دراسة لوزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل اليابانية، وبالمقارنة مع 2025، لم يتجاوز نشاط كل من المرفأين نحو خمس مستواه المسجل قبل الحرب.

وبذلك، تعكس الأرقام انتعاشاً حقيقياً في حركة الموانئ السورية، لكنه لا يزال أقرب إلى استجابة سريعة لعودة الطلب والتجارة منه إلى تعافٍ هيكلي مكتمل، فعودة السفن ليست وحدها مؤشراً على استعادة المرافئ لدورها؛ إذ يتطلب ذلك انتظام خطوط الملاحة، وزيادة حركة الحاويات، وتوسيع الطاقة التشغيلية، وتحديث البنية التحتية، وتبسيط الإجراءات الجمركية، وارتباطاً أكثر استقراراً بالأسواق الإقليمية والدولية.

ارتفع عدد السفن الوافدة إلى مرافىء طرطوس واللاذقية وبانياس خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026- إنترنت

 وقد بدأت السلطات السورية بالفعل خطوات لتحديث المعدات وتحسين كفاءة المناولة؛ ففي اللاذقية، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في أيلول الجاري، إدخال معدات جديدة إلى الخدمة، بعدما استقبل المرفأ 467 سفينة خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام وفق البيانات الرسمية.

وعليه، فإن ما تكشفه حركة السفن هو أن المرافئ السورية خرجت من مرحلة الجمود، لكنها لم تعد بعد إلى موقعها السابق في شبكة التجارة الإقليمية، الفارق بين 737 سفينة خلال سبعة أشهر وقرابة أربعة آلاف سفينة استقبلها طرطوس واللاذقية وحدهما في 2010 يوضح حجم المسافة المتبقية بين “استعادة النشاط” و”استعادة الدور”.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم