تأتي التحركات الأميركية الأخيرة تجاه القطاع المالي السوري لتفتح مساراً جديداً في العلاقة الاقتصادية بين دمشق وواشنطن، لا يقتصر على رفع العقوبات، بل يمتد إلى محاولة إعادة المصارف السورية إلى قنوات التعامل مع النظام المالي العالمي، بعد سنوات من العزلة التي عطّلت التحويلات والتجارة والاستثمار ورفعت مخاطر التعامل مع المؤسسات السورية.
وقال السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك إن الرئيس دونالد ترامب “فتح الباب أمام تعافي سوريا”، معتبراً أن استعادة الاتصال المالي مع النظام العالمي هي الوسيلة لتحويل هذه الفرصة إلى “ازدهار دائم”.
خطوة تتجاوز رفع العقوبات
جاءت تصريحات باراك عقب مشاركته، عبر الاتصال المرئي، في مائدة مستديرة مصرفية استضافتها وزارة الخزانة الأميركية في نيويورك في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، بمشاركة مسؤولين ماليين سوريين ومؤسسات مالية أميركية ومزودي خدمات دفع.
ولا يبدو أن واشنطن تنظر إلى إعادة الربط المالي باعتبارها إجراءً تقنياً فحسب، إذ ربطت الخطوة بشكل مباشر بقدرة سوريا على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتطبيق إصلاحات مالية قابلة للتحقق، وبناء الثقة لدى البنوك والمؤسسات الدولية.

وقال مساعد وزير الخزانة الأميركي لتمويل الإرهاب والجرائم المالية جوناثان بيرك إن الاتصال المالي يمثل عنصراً أساسياً في مكافحة التمويل غير المشروع ودعم إعادة اندماج سوريا في النظام المالي العالمي، وأكدت الخزانة أن العمل مع الجانب السوري سيستمر لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة.
وشارك في الاجتماع وزير المالية السوري محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان، إلى جانب ممثلين عن القطاع المالي الأمريكي.
ووفق الخزانة الأميركية، اطّلع المشاركون على واقع منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا، إضافة إلى ثغرات حددها تقييم أجرته جهة مستقلة، والجهود التي تبذلها الحكومة السورية لمعالجتها.
المعركة تبدأ من داخل القطاع المصرفي
تكشف تفاصيل الاجتماع أن الاختبار المقبل لا يتعلق فقط برغبة دمشق في العودة إلى النظام المالي الدولي، وإنما بقدرتها على تلبية المعايير التي تطلبها البنوك المراسلة والمؤسسات المالية العالمية.
وفي هذا السياق، قال رسلان إن سوريا لا تطلب إعفاءات أو معاملة خاصة، بل تسعى إلى استعادة “مكانها الطبيعي” في النظام المالي العالمي، مشيراً إلى العمل على الانتقال من تحديد الفجوات إلى تنفيذ إجراءات قابلة للقياس، واستعادة علاقات البنوك المراسلة وتسهيل المدفوعات عبر القنوات الرسمية.

وتزامن التحرك الأميركي مع اتصالات مالية إقليمية متسارعة؛ إذ بحث مصرف سوريا المركزي مع مصرف الإمارات المركزي تطوير أنظمة الدفع والتكنولوجيا المالية والتعاون في مجالات الرقابة والاستقرار النقدي، كما عقد الوفد السوري في نيويورك اجتماعاً مع ممثلي “جي بي مورغان” لبحث تعزيز العلاقات المصرفية وتطوير قنوات الدفع والمعاملات الدولية.
وبذلك، تبدو إزالة العقوبات الأميركية نقطة بداية أكثر منها نهاية لمسار الانفتاح، ففتح الباب أمام سوريا لا يعني تلقائياً تدفق الأموال أو الاستثمارات؛ إذ ستتوقف سرعة العبور منه على قدرة القطاع المصرفي السوري على استعادة الثقة، وإصلاح أطره القانونية والرقابية، وإثبات قدرته على منع التدفقات غير المشروعة، وهو ما يجعل إعادة الاندماج المالي اختباراً عملياً لمدى قدرة دمشق على تحويل الانفتاح السياسي والاقتصادي إلى تعافٍ حقيقي ومستدام.
- واشنطن تفتح الباب المالي أمام سوريا.. هل تستطيع دمشق استعادة ثقة العالم؟
- وزير الحرب الأميركي: الحصار محكم ضد إيران وواشنطن تسيطر على مضيق هرمز
- أمميتان تطالبان دمشق بالتحقيق في تهديدات ضد مدافعتين سوريتين
- من الساحل إلى تعز.. السعودية تستعد لإعادة فتح الجبهة اليمنية
- زيباري يكشف عن لقاء سري مع الشرع.. رسائل من دمشق إلى الزيدي و”الإطار”

