الوكالة الدولية للطاقة الذرية : على طهران السماح بعودة المفتشين الدوليين

دخل الملف النووي الإيراني مرحلة جديدة من الغموض بعدما أقرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها فقدت القدرة على التحقق بصورة مستقلة من مصير جزء أساسي من مخزون اليورانيوم المخصب، مع استمرار غياب مفتشيها عن المنشآت النووية الرئيسية التي تعرضت للقصف.

وتقول الوكالة إن المشكلة تتجاوز مسألة معرفة مكان المواد، إذ باتت قدرتها على إعادة بناء سجل موثوق لحركة المخزون النووي محدودة منذ اندلاع الحرب في يونيو/حزيران 2025. ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه إيران ضغوطاً متزامنة عسكرياً ودبلوماسياً واقتصادياً، فيما لا يزال المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة هشاً، وتتحرك الدول الأوروبية لإبقاء الملف الإيراني على جدول مجلس الأمن.

وتقول طهران إنها لا تسعى إلى امتلاك سلاح نووي، بينما ترى الوكالة والدول الغربية أن مستوى التخصيب الذي بلغته إيران وحجم مخزونها، إلى جانب القيود المفروضة على عمليات التفتيش، يجعلان استعادة نظام رقابة كامل أمراً ملحاً.

مستوى تخصيب مرتفع

حذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن استمرار منع مفتشيها من الوصول إلى المنشآت النووية الإيرانية يترك وضع مخزون اليورانيوم المخصب مجهولاً، ويشكل مصدر قلق من ناحية الانتشار النووي.

وفي تقرير سري من 11 صفحة، وزعته الوكالة على الدول الأعضاء هذا الأسبوع، قال المدير العام رافائيل غروسي إن الوكالة لا تستطيع تحديد الحجم الحالي للمخزون أو تركيبه أو أماكن وجوده، كما لا يمكنها التحقق مما إذا كانت إيران أوقفت أنشطة تخصيب اليورانيوم. ودعا غروسي طهران إلى السماح بعودة المفتشين إلى المنشآت النووية “بأقصى قدر من الإلحاح”، مؤكداً أن المشكلات المرتبطة بالملف يجب أن تُحل عبر اتفاق دبلوماسي طويل الأمد وقابل للتحقق.

وتعود نقطة الانطلاق الأساسية للأزمة إلى 13 يونيو/حزيران 2025، أي مع بداية التصعيد الإسرائيلي الإيراني. وقدرت الوكالة آنذاك إجمالي مخزون اليورانيوم المخصب بنحو 9,874.9 كيلوغراماً، بينها 440.9 كيلوغراماً مخصبة حتى 60 ٪، و184.1 كيلوغراماً حتى 20٪، وأكثر من 6 آلاف كيلوغرام حتى 5٪. ومنذ ذلك التاريخ، بقي رقم 440.9 كيلوغراماً هو التقدير المرجعي للوكالة، لأنها لم تتمكن من إجراء عمليات التحقق الميداني التي تسمح بتحديثه. 

وتكتسب كمية اليورانيوم المخصب حتى 60 ٪ أهمية خاصة لأنها تقترب كثيراً من مستوى التخصيب المستخدم في إنتاج الأسلحة النووية. وتقدر الوكالة أن هذه الكمية، إذا جرى تخصيبها إلى مستويات أعلى، يمكن أن توفر مادة كافية لنحو 10 أسلحة نووية وفق معيارها الحسابي.

لكن هذه التقديرات لا تعني أن الوكالة تعرف حالياً الكمية الموجودة فعلياً أو مكانها بدقة. ويشير تحليل لمعهد العلوم والأمن الدولي إلى أن ما بين نحو 265 و287 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب حتى 60 ٪ قد يكون في أنفاق أصفهان، مع تقديرات بوجود كمية إضافية في فوردو ونطنز، من دون إمكانية التحقق الميداني من هذه الأرقام. 

وفي مارس/آذار 2026، قال المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إن جزءاً كبيراً من هذه الكمية كان موجوداً على الأرجح داخل مجمع أنفاق في أصفهان، وإن الأنفاق تبدو أنها نجت من الهجمات، فيما لم تر الوكالة مؤشرات تؤكد نقل المواد منها.

فجوة في تتبع النشاط النووي

تعود مشكلة الوكالة إلى ما تسميه “استمرارية المعرفة”، وهي القدرة على تتبع المواد النووية منذ آخر عملية تحقق ميدانية. وبسبب توقف عمليات التفتيش، لم تعد الوكالة قادرة على تحديد التغيرات التي طرأت على المخزون منذ يونيو/حزيران 2025 بالدرجة نفسها من الثقة التي كانت متاحة قبل الحرب. وتؤكد الوكالة أن فقدان هذه الاستمرارية لا يثبت اختفاء المواد أو استخدامها، لكنه يترك فجوة لا يمكن سدها من دون الوصول المباشر إلى المنشآت والمخزونات. 

وتزامن ذلك مع تراجع التعاون الإيراني مع الوكالة بعد الحرب. وكان المفتشون قد غادروا المواقع الإيرانية، بينما بقيت منشآت نطنز وفوردو وأصفهان خارج نطاق التفتيش الميداني الكامل. وفي فبراير/شباط 2026، اضطرت الوكالة إلى الاعتماد على صور الأقمار الصناعية التجارية لمتابعة بعض المؤشرات في أصفهان، بينها حركة مركبات منتظمة قرب منشأة لتخزين المواد، في ظل عدم تمكن المفتشين من دخول الموقع. 

أما على المستوى الدبلوماسي، فقد أعادت الدول الأوروبية الثلاث، بريطانيا وفرنسا وألمانيا، في سبتمبر/أيلول 2025 فرض العقوبات الأممية على إيران عبر آلية «سناب باك»، بعد اتهام طهران بعدم الوفاء بالتزاماتها النووية. وتستعد فرنسا، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن خلال سبتمبر الحالي، لبحث تمديد ولاية فريق مراقبة العقوبات، وسط معارضة روسية وصينية للخطوة.

وبهذا أصبحت قضية اليورانيوم المخصب جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بإمكانية التحقق الدولي من البرنامج النووي الإيراني نفسه. وكلما طال غياب المفتشين، اتسعت الفجوة بين ما كانت الوكالة تعرفه عن المخزون قبل الحرب وما تستطيع إثباته بشأن وضعه الحالي، ما يضع استئناف التفتيش في قلب أي مسار تفاوضي مقبل بين طهران وواشنطن.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم