تحقيق عن كنوز “داعش” المدفونة.. أين أخفى التنظيم ملايين الدولارات والذهب؟

كشف تحقيق صحفي أن تنظيم “داعش” أخفى ملايين الدولارات وكميات من الذهب في مواقع سرية تحت الأرض في سوريا والعراق، مع اقتراب خسارته الأراضي التي سيطر عليها، في إطار خطة مالية هدفت إلى الحفاظ على جزء من موارده بعيداً عن متناول السلطات.

وبحسب تحقيق مشترك لمجلة “نيو لاينز” ومؤسسة “سراج” السورية للصحافة الاستقصائية، استند إلى أكثر من 200 وثيقة مالية وأمنية داخلية للتنظيم، ومقابلات مع أعضاء سابقين وخبراء ومصادر أمنية، فإن عمليات دفن الأموال لم تكن إجراءات فردية أو عشوائية، بل جزءاً من نظام منظم لتوزيع الاحتياطات المالية على مواقع سرية متعددة.

وأوضح التحقيق أن التنظيم أنشأ خزائن مالية تحت الأرض، بعضها عبارة عن غرف إسمنتية مجهزة بأسقف خرسانية وجدران عازلة وأنابيب تهوية لحماية الأموال والذهب من الرطوبة، إلى جانب دفائن أصغر داخل المنازل والمزارع والمناطق الصحراوية.

“ادفنوا المال”

مع اقتراب خسارة التنظيم للأراضي التي سيطر عليها في سوريا والعراق، أصدر قادته تعليمات بتوزيع جزء من الأموال والذهب على مواقع سرية متعددة، بحيث لا يؤدي سقوط منطقة أو مقتل قائد إلى خسارة كامل الاحتياطي المالي.

‏توجيه داخلي لتنظيم “الدولة “داعش” بتاريخ 14 مايو 2021، أصدره ولي الشام، “أبو الحارث”، مع تعليمات بدفن الأموال لاستخدامها مستقبلا.‏
‏كان التوجيه يتعلق بجزء من الثروة التي جمعها التنظيم على مدى سنوات من السيطرة على مساحات شاسعة من سوريا والعراق. تطلب من المسؤولين الماليين للمجموعة توزيع الأموال على عدة مواقع دفن آمنة، مع إبقائها قابلة للاسترجاع عند الحاجة.‏

وتقول إحدى الوثائق الداخلية، بحسب التحقيق، في عبارة مقتضبة: “ادفنوا المال”.

وفي أيار/مايو 2021، أصدر “والي الشام” في التنظيم تعليمات إلى الأمراء والقادة بتوزيع الأموال الموجودة لديهم على “عدة أماكن آمنة”، على أن يتم استخراجها عند الحاجة، في إجراء قال التحقيق إنه يحاكي ممارسات سابقة للتنظيم في العراق.

ولم تقتصر عمليات الإخفاء على حفر بدائية في الصحراء. فقد وصفت الوثائق ما يشبه خزائن مالية تحت الأرض، تضمنت غرفاً مبنية بالإسمنت ذات أسقف خرسانية وجدران مصممة لمنع تسرب المياه، إضافة إلى أنابيب تهوية صغيرة للحد من الرطوبة وحماية الأموال والذهب لفترات طويلة.

“بنك مركزي” سري

حدد التحقيق ثلاث منشآت مالية مركزية من هذا النوع، كانت تستخدم لحفظ الكميات الأكبر من الأموال، قبل توزيعها على مستويات أدنى عند الحاجة.

وتحت هذا المستوى، انتشرت دفائن أصغر تابعة لما كان يعرف بولايات التنظيم ووحداته، شملت مخابئ تحت المنازل، وخزانات معدنية مدفونة في الحدائق، ومواقع سرية داخل قرى ومدن.

وخلال أكثر من 20 شهراً من العمل، وثق فريق التحقيق تسع عمليات كبيرة عُثر خلالها على أموال وذهب ومعادن ثمينة مرتبطة بالتنظيم في سوريا والعراق. ووفق التحقيق، بلغت قيمة ما أمكن التحقق من استعادته ما لا يقل عن 47 مليون دولار.

وتوزعت معظم المواقع المكتشفة على ممر يمتد تقريباً من دير الزور شرقي سوريا إلى محافظة الأنبار غربي العراق، وهي المنطقة التي استخدمها التنظيم سابقاً في عمليات نقل الأموال والأسلحة.

وكانت ستة من المواقع في مناطق صحراوية أو نائية، بينما اكتُشفت المواقع الأخرى داخل منازل أو مزارع خاصة.

ملايين الدولارات تحت الأرض

في مدينة الموصل العراقية، عثرت الشرطة عام 2021 داخل منزل كان يستخدم سابقاً مقراً مالياً للتنظيم على أكثر من 1.5 مليون دولار، إلى جانب 17 مليون دينار عراقي و15 كيلوغراماً من الفضة ونحو نصف كيلوغرام من الذهب.

‏خريطة تظهر مواقع الأموال والذهب المسترجعة التي دفنها تنظيم “داعش” . (سراج)‏

وفي اكتشافات أخرى، أوردها التحقيق، عُثر على نحو ثلاثة ملايين دولار مدفونة في البعاج العراقية، وأكثر من 1.5 مليون دولار في الموصل، فيما قدرت قيمة دفينة من الذهب والدولارات عُثر عليها قرب القائم على الحدود السورية-العراقية بنحو 16 مليون دولار.

ولم تكن أموال التنظيم وحدها التي دُفنت. فقد أشارت وثائق وشهادات إلى أن عدداً من عناصره وقادته أخفوا مدخراتهم الشخصية أيضاً، بما في ذلك الأموال والذهب والأسلحة، أحياناً تحت منازلهم أو في حدائقها.

وفي بعض الحالات، ترك أصحاب هذه الدفائن علامات تحدد مواقعها أو أبلغوا أقارب أو أشخاصاً موثوقين بمكانها، تحسباً لمقتلهم أو اعتقالهم.

“صيادو كنوز داعش”

مع مرور الوقت، ظهرت شبكة غير رسمية من الوسطاء والحفارين الذين بحثوا عن هذه الدفائن مقابل الحصول على حصة من الأموال التي يعثرون عليها، وبينهم أعضاء سابقون في التنظيم، وفق التحقيق.

‏وثيقة داخلية لتنظيم “داعش” مؤرخة في 27 سبتمبر 2021 سلسلة القيادة إلى بلاغ من “مخبر موثوق” عن مكان مخبأ مدفون من الأسلحة والأموال.‏

وفي إحدى الوقائع التي تعود إلى عام 2021، عثر أفراد من عائلة في دير الزور على ذهب مدفون في حديقة منزل أحد عناصر التنظيم. وبحسب التحقيق، احتجز التنظيم لاحقاً أحد أفراد العائلة واستجوبه لمعرفة مكان الذهب، فيما قُتل شقيقه الأكبر أثناء محاولته الفرار من مكان احتجاز سري.

وتكشف هذه الوقائع أن العثور على أموال “داعش” لم يكن دائماً مجرد عملية بحث عن ثروة مدفونة، بل تحول في بعض الحالات إلى مصدر جديد للعنف والابتزاز.

احتياطي مالي لم يكتشف بعد

وبحسب تقديرات أوردها التحقيق، فإن الأموال التي تم اكتشافها حتى الآن يمكن أن تكفي لدفع رواتب نحو 10 آلاف مقاتل لمدة عام كامل، وفق مستويات الأجور التي كان التنظيم يدفعها خلال ذروة نشاطه.

لكن الدفائن ليست سوى جزء من منظومة مالية أوسع اعتمد عليها “داعش”، وشملت الابتزاز والخطف والتهريب والتحويلات المالية والاستثمارات وشبكات مالية امتدت إلى مناطق مختلفة من العالم.

ولا يزال من الصعب تحديد حجم الأموال التي بقيت مدفونة أو مخفية ولم تصل إليها السلطات.

وفي آب/أغسطس 2024، قدر مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت أن التنظيم احتفظ، بعد خسارة أراضيه، باحتياطيات مالية تتراوح بين 10 ملايين و30 مليون دولار.

كما قدرت وزارة الخزانة الأميركية أن التنظيم لا يزال يمتلك ما بين 10 ملايين و20 مليون دولار من الأصول السائلة والنقدية داخل سوريا والعراق، بعيداً عن متناول السلطات والأجهزة الأمنية.

وحاول فريق التحقيق الحصول على تقديرات من وزارة الداخلية السورية وقوات سوريا الديمقراطية وقيادة التحالف الدولي بشأن حجم المخابئ التي لم تُكتشف بعد، وآلية التعامل معها، لكنه قال إنه لم يتلقَّ رداً من أي من الجهات الثلاث.

وبذلك، لا تمثل الدفائن التي كُشف عنها سوى الأموال التي أمكن العثور عليها وتوثيقها، بينما يبقى حجم الاحتياطي الذي لا يزال تحت الأرض أو في مواقع سرية غير معروف.

محمد حبش

محمد حبش

صحفي سوري

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم