من القصف إلى “الغضب الاقتصادي”.. كيف يحاول ترامب إخضاع إيران؟

ترامب

تبدو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام لحظة إعادة حسابات في التعامل مع إيران، فبعد أشهر من التصعيد العسكري، لم تنجح الضغوط في فرض تسوية نهائية على طهران.

 كما تعثرت محاولات إحياء الاتفاق المؤقت الذي أُبرم في حزيران/يونيو، لتعود واشنطن إلى سلاح سبق أن استخدمه ترامب خلال ولايته الأولى وهي الضغط الاقتصادي المنظم، لكن هذه المرة بالتوازي مع حصار بحري وتهديد عسكري مستمر.

“الغضب الاقتصادي” بديلاً عن القصف

بحسب تقرير لـ”بلومبرغ”، تعيد إدارة ترامب التركيز على ما تسميه “الغضب الاقتصادي”، من خلال تشديد العقوبات وخنق صادرات النفط الإيرانية، بعدما أصبح واضحاً أن استمرار الحرب المفتوحة يحمل كلفة سياسية وعسكرية متزايدة على واشنطن.

ويأتي ذلك بينما أعلنت إيران، أمس الأربعاء، عدم إحراز أي تقدم في الاتصالات الرامية إلى إحياء الاتفاق المؤقت، في وقت يتمسك فيه الطرفان بشروط متعارضة بشأن مضيق هرمز والعقوبات.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب

وتقوم الفكرة الأميركية الأساسية على نقل مركز الثقل من ساحة المعركة إلى الاقتصاد، فإذا لم تستطع الضربات العسكرية إجبار طهران على تقديم التنازلات المطلوبة، فإن واشنطن تريد تقليص قدرة إيران على تمويل نفسها والحرب، إلى الحد الذي تصبح فيه العودة إلى طاولة المفاوضات خياراً أقل كلفة من الاستمرار في المواجهة.

وفي هذا المسار، يحتل وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت موقعاً محورياً، فالعقوبات لم تعد تستهدف المؤسسات الإيرانية مباشرة فقط، وإنما الشبكات التي تساعدها على بيع النفط، ونقل عائداته، وتحويل الأموال إلى عملات يمكن استخدامها خارج النظام المالي الأميركي، فهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل الضغط الاقتصادي مختلفاً عن مجرد إعلان حزمة جديدة من العقوبات كل بضعة أسابيع.

خنق “سلسلة الإيرادات”

تظهر أهمية هذا المسار في طبيعة العقوبات التي فرضتها واشنطن خلال الأشهر الماضية، إذ اتجهت إلى مصافٍ وشركات وسفن وشبكات مالية مرتبطة بتجارة النفط الإيراني.

كما أن الصين أصبحت في قلب الحسابات الأميركية؛ فهي، وفق لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية-الصينية، المشتري الأكبر للنفط الإيراني بفارق كبير، وتستوعب أكثر من 90 بالمئة من صادرات الخام الإيراني، فيما بلغت مشترياتها نحو 1.4 مليون برميل يومياً في 2025.

وهذا يعني أن واشنطن، إذا أرادت خفض إيرادات طهران بصورة حادة، لا يكفيها الضغط على المنتج الإيراني، بل يتعين عليها تضييق الطريق أمام المشتري والوسيط وشركات النقل والمؤسسات التي تساعد على إعادة الأموال إلى إيران، ولهذا تتجه الحملة تدريجياً نحو ما يمكن وصفه بـ”اختناق سلسلة الإيرادات” بدلاً من الاكتفاء بعقوبات منفصلة.

الاقتصاد الإيراني تحت الضغط

لكن الرهان الأميركي لا يستند إلى النفط وحده، فالوضع الاقتصادي الإيراني أصبح أكثر هشاشة بالفعل حتى قبل احتساب التأثير الكامل للحصار والحرب، ويقدر صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 بالمئة في 2026، بينما يبلغ متوسط تضخم أسعار المستهلك المتوقع 68.9 بالمئة، لتفسر هذه الأرقام لماذا تعتقد الإدارة الأميركية أن الضغط الاقتصادي يمكن أن يكون أكثر فاعلية من جولات جديدة من القصف.

ويذهب مسؤولون أميركيون إلى أبعد من ذلك في توصيف أثر هذه السياسة، فقد قال السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إن الإيرانيين أصبحوا، بحسب تقديره، يخشون الضغط الذي يقوده بيسنت أكثر من وزير الحرب بيت هيجسيث، وهي عبارة تكشف بوضوح الرهان الأميركي على أن الضغوط المالية يمكن أن تستنزف قدرة النظام بصورة لا تحققها الضربات العسكرية وحدها.

يقدر صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4 بالمئة في 2026- إنترنت

غير أن هذه النظرة تواجه مشكلة أساسيةوهي أن  الأزمة الاقتصادية لا تعني بالضرورة استعداد النظام لتقديم تنازلات سياسية، خاصة وأن إيران خضعت لعقوبات واسعة لسنوات، وتمكنت رغم ذلك من تطوير قنوات بديلة للتجارة والتمويل، وإن كان ذلك بكلفة اقتصادية مرتفعة.

وهنا يأتي رأي المدير في شركة “بلاكستون كومبلاينس سيرفيسز” المتخصصة في الامتثال والعقوبات، ديفيد تانينباوم، ليضع حدوداً للرهان الأميركي، فحتى مع أهمية العقوبات في حرمان النظام الإيراني من الموارد، لا يرى تانينباوم أن الضغط الاقتصادي وحده كافٍ لإسقاط النظام أو دفعه تلقائياً إلى التخلي عن برنامجه النووي.

هرمز يتحول إلى ورقة تفاوض

تحاول إدارة ترامب تجاوز هذه المشكلة عبر الجمع بين الضغط الاقتصادي والضغط البحري، فمضيق هرمز تحول إلى ورقة تفاوضية بحد ذاته، إذ تطالب واشنطن بإعادة فتحه، بينما تربط طهران ذلك بتنفيذ الولايات المتحدة التزاماتها في الاتفاق المؤقت ورفع القيود المفروضة عليها.

واليوم تبادل الطرفان مجدداً ادعاءات متناقضة بشأن السيطرة على المضيق، بعدما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة تسيطر عليه بالكامل، بينما أكدت طهران أن المضيق تحت سيطرتها.

على الجانب الأميركي، يمنح هذا الوضع واشنطن أداة ضغط مزدوجة، تستطيع التأثير في قدرة إيران على تصدير النفط، وفي الوقت نفسه استخدام أمن الملاحة الدولية كورقة تفاوضية.

 لكن المشكلة أن استمرار إغلاق أو تقييد الحركة في المضيق لا يضغط على إيران وحدها؛ فهو يرفع أيضاً مخاطر الإمدادات وأسعار الطاقة وتكاليف التأمين والشحن، بما يجعل واشنطن نفسها مضطرة إلى حساب كلفة التصعيد.

وظهرت هذه التداعيات بالفعل في الأسواق، فأسعار النفط ظلت شديدة الحساسية لأي تطور في المواجهة، رغم تراجع خام برنت إلى نحو 87 دولاراً للبرميل مع ارتفاع المخزونات الأميركية وتراجع توقعات الطلب العالمي، ما يعني أن الضغط على إيران يمكن أن يتحول بسهولة إلى ضغط على الاقتصاد العالمي إذا طال أمد اضطراب هرمز.

الصين.. الحلقة الأصعب

تبقى الصين الحلقة الأكثر حساسية في الخطة الأميركية، فاستهداف المصافي الصغيرة والشركات الوسيطة يمكن أن يحقق نتائج دون فتح مواجهة مباشرة مع بكين، لكن الانتقال إلى المؤسسات المالية الصينية الكبرى سيكون أكثر خطورة بكثير، إذ إن واشنطن ستحتاج عندها إلى الموازنة بين هدف خفض عائدات النفط الإيراني وخطر تحويل العقوبات إلى أزمة أميركية-صينية أوسع.

وتشرح المسؤولة السابقة في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي “OFAC”، جيس هوفرسن، هذه المعضلة بوضوح، فكلما أصبحت الاستراتيجية أكثر عدوانية، لم تعد آثارها محصورة في العلاقة بين واشنطن وطهران، بل تمتد إلى شبكة أوسع من الدول والشركات والمؤسسات المالية، ولذلك فإن الإدارة الأميركية تتحرك على ما يبدو بطريقة تدريجية، تبدأ باستهداف الأطراف الأقل أهمية، مع الاحتفاظ بالأدوات الأكثر خطورة كورقة تصعيد لاحقة.

الصين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني وتستوعب أكثر من 90 بالمئة من صادرات الخام الإيراني- إنترنت

ولا يبدو أن واشنطن تراهن على انهيار إيران الاقتصادي في حد ذاته، بقدر ما تراهن على خلق فجوة بين تكلفة استمرار الحرب وتكلفة تقديم تنازلات في المفاوضات، فكلما تراجعت الإيرادات النفطية، وارتفعت كلفة التجارة والتحويلات، وضاقت قدرة الحكومة على تمويل الاقتصاد، يصبح لدى الإدارة الأميركية اعتقاد بأن طهران ستعيد تقييم خياراتها.

لكن إيران تحاول بدورها إدارة الأزمة بدلاً من الاستسلام لها، فقد لجأت السلطات إلى إعطاء الأولوية للعملة الأجنبية المتاحة لاستيراد السلع الأساسية، مع استمرار برامج الدعم الغذائي وتعديل آليات حماية الأسر الأكثر تضرراً من التضخم، في محاولة لمنع انتقال الاختناق الاقتصادي إلى انهيار اجتماعي واسع.

نقطة الضعف لدى “ترامب”

هنا تكمن نقطة الضعف الرئيسية في استراتيجية ترامب، فإيران قد تكون قادرة على تحمل خسائر اقتصادية كبيرة من دون أن تقدم التنازل السياسي الذي تريده واشنطن، خاصة وأن النظام يستطيع توزيع كلفة العقوبات على المجتمع والاقتصاد، والاستعانة بالصين وشبكات تجارية بديلة، فيما يمكن أن يؤدي الضغط المفرط إلى تقوية التيار الذي يرى أن التفاوض تحت التهديد ليس تسوية وإنما استسلام.

ولهذا فإن المفاوضات المقبلة، إذا عادت، لن تدور فقط حول البرنامج النووي، فواشنطن تريد أن تدخل إليها وهي تملك أوراق النفط والمال وهرمز والتهديد العسكري، بينما ستسعى طهران إلى تحويل استمرار المواجهة إلى ورقة ضغط مضادة، خصوصاً عبر الملاحة والطاقة.

من ثم، فإن مخطط ترامب لا يقوم على إجبار إيران على التوقيع بضربة واحدة، وإنما على بناء سلم تصعيد، من تضييق صادرات النفط، وضرب شبكات التمويل والتحويلات، حتى الضغط على المشترين والوسطاء، وإبقاء الحصار البحري، ثم التلويح بالعودة إلى القوة العسكرية إذا لم تؤدِ هذه الإجراءات إلى تنازلات.

ويبقى السؤال الحاسم هو ما إذا كان هذا الضغط سيقود إلى طاولة تفاوض بشروط أميركية أفضل، أم إلى جولة جديدة من التصعيد، فالتجربة السابقة تقول إن العقوبات تستطيع إضعاف الاقتصاد الإيراني بدرجة كبيرة، لكن تحويل هذا الضعف إلى تغيير في الحسابات السياسية يحتاج إلى اقناع القيادة الإيرانية بأن الاتفاق مع واشنطن أصبح أقل كلفة من مواصلة المواجهة.

وحتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية على أن طهران وصلت إلى هذه النقطة، بل إن تعثر الاتصالات وتبادل التصريحات المتشددة حول هرمز يشيران إلى أن معركة كسر الإرادة لا تزال مفتوحة.

هند خليفة

هند خليفة

صحفية متخصصة في الشأن الاقتصادي.

0 0 أصوات
قيم المقال
0 تعليقات
أقدم
الأحدث الأكثر تقييم